في ذكرى الإسراء والمعراج
البريد الإلكترونى طباعة
مقدمـة هل من حق اليهود إعلان أن القدس عاصمة إسرائيل الأبدية؟
لم كان الإسراء إلى المسجد الأقصى والمعراج منه وليس من المسجد الحرام؟ هل تعتبر أرض فلسطين وقف للمسلمين؟
ماذا عن إفساد بني إسرائيل الذي ورد في سورة الإسراء؟ تفسير حول العلو الثاني لبني إ&سرائيل

 

 

المقدمة

المقدم:
تمر علينا في هذه الأيام ذكرى عطرة، ذكرى الإسراء والمعراج، التي مثلت مرحلة من مراحل البعثة النبوية، وأكدت سيادة المسلمين وريادتهم للدنيا، وإمامة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنبياء، فماذا جعل الله سبحانه وتعالى الإسراء للمسجد الأقصى والمعراج منه، ولم يجعله من المسجد الحرام، ولماذا ظلت القدس بعدها هدفا للحملات الصليبية والمطامع اليهودية، وهل من حق اليهود أن يعلنوا القدس عاصمة أبدية لإسرائيل؟ هذه الأسئلة أطرحها اليوم على فضيلة العلامة الكبير الدكتور يوسف القرضاوي.

المقدم:
موضوع الإسراء والقدس من الموضوعات التي لم تتوقف منذ الإسراء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى القدس والمعراج به من المسجد الأقصى، وسؤالنا الأول الذي يطرح نفسه في إطار مقاصد الشريعة لماذا أسري بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى وأعرج به من المسجد الأقصى وليس من المسجد الحرام على اعتبار أنه كان يقيم في مكة؟

القرضاوي:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد فلا شك أن هذه المناسبة النبوية الكريمة الطيبة التي سجلها الله تعالى في كتابه وسمى بها إحدى سوره، سورة الإسراء التي جاء الحديث عنها صريحاً في هذه السورة، ومناسبة المعراج التي أشارت إليها سورة أخرى، سورة النجم، هذه المناسبة تفرض علينا أن نتذكر قضية المسلمين الأولى في هذا العصر، قضية القدس وقضية المسجد الأقصى وقضية فلسطين بصفة عامة، وجدير بنا نحن أمة الإسلام ألا ننسى هذه القضية وأن يتمحور حولها توجهنا وتصميمنا وسعينا المشترك لإنقاذ الأقصى، وإنقاذ القدس خصوصاً بعد أن مرت علينا في هذه السنة ذكريات مرة عديدة، من هذه الذكريات مرور مئة سنة على المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897م، ومرور 80 سنة على وعد بلفور 2 نوفمبر 1917م، ومرور 50سنة على قرار تقسيم فلسطين الذي فرضه الفلسطينيون والعرب ذلك الوقت، و30 سنة على احتلال القدس في يونيو 1967م تسمى حرب الأيام الستة وفي الواقع هي حرب الساعات الست، وعشرون عاماً على زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى القدس المحتلة سنة 1977م ومرت 10 سنوات على الانتفاضة الفلسطينية وهي أفضل الذكريات، لذلك نحن ينبغي أن نقف وقفة في هذه الآونة عند هذه المناسبة (الإسراء والمعراج) الذي يحتفل به المسلمون عادة في 27 من رجب على أنه اشتهر عند المسلمين أنه في هذه الليلة هي ليلة الإسراء والمعراج. وواجب علينا الاستفادة من هذه الذكرى لتحريك المسلمين وشحذ هممهم ولفت انتباههم إلى هذه القضية الكبيرة، قضية القدس والمسجد الأقصى. سورة الإسراء يسميها الصحابة مثل ابن عباس وابن مسعود وعائشة أنها سورة بني إسرائيل، لأن الله تعالى ذكر الإسراء في سورة واحدة ثم قصة بني إسرائيل في عدة آيات، هذه المناسبة (الإسراء) أهم ما فيها أن ربطت بين مبدأ الإسراء ومنتهاه والله تعالى يقول: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) وعرج بالرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى في السموات العلا، كان المقصود بهذه الرحلة إلى السموات العلا، فلماذا لم تقم هذه الرحلة من مكة، من المسجد الحرام؟ هذا يدلنا على أن المرور بهذه المحطة القدسية مقصود بذاته، أن يمر على المسجد الأقصى ويلقاه الأنبياء ويأمهم (يجمع الله له أرواح النبيين ويصلي بهم في عالم الروح) وهذا إشعار أنه يوجد قيادة جديدة للعالم، لم تعد السيادة والقيادة لبني إسرائيل بعد أن حرفوا وبدلوا وغيروا وانحرفوا وعاثوا في الأرض فساداً، فلابد أن تنتقل القيادة لأمة أخرى ليست أمة عنصرية بل أمة ذات مبادئ وذات رسالة، واختيار الأقصى لأنه أرض النبوات حيث الأقصى إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنبياء إسرائيل عليهم السلام، من أجل هذا من المهم أن يمر الأقصى، وفي هذا دلالة أن الإسلام ما جاء ليهدم بل جاء ليبني ويقيم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). إذا هذا يدلنا على أن هناك رباط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام، وأن كل منهما يمثل قدسية معينة، من أجل هذا أصبحت القدس العاصمة الدينية الثالثة في الإسلام.

النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذهب إلى المدينة فوجد فيها اليهود يصومون عاشوراء العاشر من محرم، فسألهم لماذا يصومون فيه، فقالوا إن الله في هذا اليوم نجىّ موسى وبني إسرائيل وأهلك عدوهم، فقال لهم نحن أولى بموسى منكم، فصام هذا اليوم وأمر بصيامه، لذلك الأمة الإسلامية هي وارثة الأمة جميعاً.

في الوقت الذي أسرى الله برسوله إلى المقدس لم يكن هناك يهود، لأن اليهود حينما ضربهم الرومان ضربتهم القاسية سنة 135ميلادية لم يبقوا لهم باقية في القدس، ولم يقبل أن يسلمها للقواد وحضر سيدنا عمر رضي الله عنه إلى القدس وكتب معاهدة، لأهل إيلات يؤمنهم فيها على أعراضهم وشعائرهم وكل ما يحرصون عليه وكان من ضمن الشروط الأساسية للمعاهدة ألا يساكنهم فيها يهود.وهكذا ظلت عدة قرون ثم بدءوا يتسللون إليها.

إلى أعلى

المقدم:
فيم يتعلق حول طبيعة العلو الثاني، هناك بعض المفسرين لما تعرض له اليهود بما يسمى هلوكوست على يد هتلر بعد الحرب العالمية الثانية وإن كان هناك كثيرون يشكّكون في ذلك، فهل هناك تفسير لهذا؟

القرضاوي:

ما حدث من هتلر وغيره مع اليهود يقع تحت القسم الإلهي والنذير الذي ذكره لنا القرآن بعد أن قص لنا بعض قصص بني إسرائيل (والذين جعلهم الله قردة خاسئين) إلخ، وقوله (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) وذلك لسوء عملهم، الله لا يظلم أنفسهم شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، اليهود بطبيعتهم عنصريون، نحن المسلمين عندنا الله رب العالمين، أول ما نبدأ بالقرآن نقول بسم الله الرحمن الرحيم،( الحمد لله رب العالمين)، وختم القرآن بـ (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس)، هم يقولون رب إسرائيل ليس رب العالمين، رب إسرائيل فقط، قالت التوراة كتاب شعب وليس كتاب للناس أو للعالم، والجنة عندهم ملك إسرائيل، فالعنصرية واضحة، كذلك القسوة والعنف من طباعهم وتركيبتهم (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك، فهي كالحجارة أو أشد قسوة). (فبم نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) وقد بدا ذلك في قتلهم الأنبياء، زكريا ويحيى وغيرهم، وبدا ذلك في عصرنا بالمجازر التي أحدثوها (صبرا وشاتيلا ، بحر البقر، قانا، دير ياسين، مسجد الخليل إبراهيم…) وما يحدث الآن، القسوة والعنف، كذلك اللاأخلاقية فهم قوم ذو المبدأ الذي جاء عنهم (ليس علينا في الأميين سبيلاً) في أن نأخذ أموالهم، نستبيح أعراضهم، نستحل مقدساتهم، كل هذا وارد عندهم، وعندهم المبدأ الميكافيلي مرحب به وهو أن الغاية تبرر الوسيلة، حتى دولتهم على هذا المبدأ، فحزب العمل هو الذي قتل يحيى الشقاقي وقتل المهندس يحيى عياش، والآن نتنياهو يسعى بموساده لقتل خالد مشعل.

فهؤلاء قوم يحاول الله تعالى أن يؤدبهم ليفيقوا من هذا الغلو في القسوة والعنف، فسلط عليهم دائماً من يعاقبهم حتى هتلر، صحيح أن محرقة هتلر لم تكن بالضخامة التي صوروها، وكل من يشكك في حجمها يصبّون عليه سياط العذاب من كل صوب.


المقدم:
يشير النص القرآني والثوابت التاريخية إلى أن اليهود حكموا القدس لفترة قيل أنها 70 عاماً بعدها حدث ما حدث وفضيلتك تحدثت عن هذا، الآن تقع القدس تحت السيطرة اليهودية، وأعلنوا أن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل بحق توارته وتلموذه، هل من حقهم إعلان هذا؟

القرضاوي:

المقدم:
عندي رسالة مشاهد من السويد وأخ من الأردن: يسألون عمن بنى المسجد الأقصى وفي عهد من وكيف جاءت تسمية بالمسجد ولم يكن الإسلام قد اكتمل بعد؟

القرضاوي:

المسجد مكان السجود، حتى عندما قال القرآن (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة) مسجدهم هم، كما قال (لنتخذن عليهم مسجداً) مكان سجودهم، لكن حينما قال القرآن المسجد الأقصى لم يكن المسجد قد بني، هو بني في عهد بني أمية إنما المقصود مكان المسجد، كما قال تعالى (إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك به شيئاً) فهو بشارة بأن هذا المكان سيكون فيه مسجداً، وأن المسلمين سيفتحون هذه الأرض وسيكون لهم فيها مسجد إن شاء الله وقد حقق الله هذه البشرى.

دكتور عبد الفتاح العويسي من لندن:
وجدنا هنا نحن العاملين في المجالات الأكاديمية دراسات كثيرة حول القدس قد شوهت وزيفت، وأن معظم البحوث الأكاديمية لاسيما التي اختصت بالقدس قبل الفتح الإسلامي قد اقتصرت على الدراسات التوراتية أو الاستشراقية التي لا يتوقع أن تقدم دراسات أمينة للقارئ وحقيقية، فقمنا بإقامة مشروع أكاديمي متكامل لتحقيق الوعي الحضاري حول البيت المقدس، فنقوم سنوياً بعقد مؤتمر حول القدس وقد قام الدكتور القرضاوي بافتتاح أول مؤتمر، كما أن المجمع يصدر مجلة دراسات القدس الإسلامية نصف سنوية بالعربية والإنجليزية، ومن أصداء هذا أننا قمنا بنشر العهدة العمرية بالإنجليزية، ويسعدني أن أقول أن بعض الكنائس تعتز بها واعتبروها وثيقة بل والبعض اعتبرها أعظم وثيقة أمان يجب أن يطلع عليها العالم ويراها ويرى مدى تسامح الإسلام مع أهل الديانات الأخرى على عكس ما نرى الآن في دولة اليهود.

أود أن أشكر فضيلة الشيخ القرضاوي كثيراً على هذا الحديث وأرجوا الله أن ينفع به الإسلام والمسلمين.

القرضاوي:
في الواقع الدكتور عبد الفتاح وإخوانه أنشأوا هذه الأكاديمية للبحوث الإسلامية حول قضية القدس ولهم نشاط جيد، وفي أوائل شهر سبتمبر في هذا العام كان أول مؤتمر لهم وقد حضرته وألقيت فيه بحث، وحضره مسؤول الشرق الأوسط لحزب العمال وحضره بعض الباحثين الإنجليز، وأنا أحييّ نشاطهم، فلاشك أننا نحن المسلمين مقصّرون بتعريف الناس بقضيتنا، اليهود استطاعوا أن يجمعوا القوى العالمية على زعم أنهم مظلومون ومهضومون ومعتدى عليهم، ومضيع حقهم ليقنعوا الناس بهذا وأن لهم حق في القدس، ولكن العالم لا يعرف هذه القضايا، فلابد أن نبذل جهوداً علمية وإعلامية وغيرها تتلاقى لتعرف العالم بحقوقنا.

مشاهدة من السعودية:
حول مسجد الأقصى ومسجد الصخرة، هناك تركيز حول مسجد الصخرة، فإن كان هناك حديث إعلامي حول المسجد الأقصى نجد صورة تركز على مسجد الصخرة فلابد أن يكون هناك جهد إعلامي لتعريف الناس بشكل كل من المسجدين، كذلك بخصوص البقرة الحمراء التي ظهرت في حيفا والتي يعتبرها اليهود علامة على بدء هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، وفي تصريح للمهندس عدنان الحسين (مدير الأوقاف الإسلامية بالقدس) قال أن ناقوس الخطر بدأ يدق بحصول اعتداء كبير على الحرم القدسي وقال أنه سيبدأ بناء الهيكل اليهودي على أنقاض الأقصى، فقد بدأ الإعداد للبناء، فما الذي يستطيع أن يفعله المسلمون في مثل هذا الأمر؟

القرضاوي:
أنا أقول إذا ظل المسلمون على حالهم كما هو الآن من حيث التخاذل والاستسلام والضعف والتشرذم الذي نراه، فيمكن لليهود أن يحاولوا بأي شيء، فطبيعة اليهود الأحلام التوسعية فلا يقفون عند حد، فقد قالوا أن ملك إسرائيل من الفرات إلى النيل وبعضهم قال ومن الأرز إلى النخيل، وأحدهم يسمي إسرائيل شحاد قال أن الدولة التي يحلم بها اليهود تضم أماكن في سوريا والعراق وتركيا ولبنان والأردن ومصر إلى الإسكندرية والكويت والسعودية فأحلامهم كبيرة، فلا تعجب أنه في وقت من الأوقات يمكن أن ينهار المسجد الأقصى، والحفريات مستمرة، وأنا أظن أنهم يعلمون متى ينهار المسجد لكنهم يحددون الوقت المناسب، ينتهزون وقتاً يكون فيه العالم مشغول بقضية أو مصيبة كبيرة ويفعلون فعلتهم، مادام المسلمون ليس لهم قيادة، حينما كانت الخلافة العثمانية موجودة رغم ما كان فيها من ضعف وأنها تمثل آخر تجمع للمسلمين تحت راية لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كان ينادي يا أهل الإسلام هبوا للمسجد الأقصى، من الآن يستطيع أن يقول للمسلمين هبّوا؟ لذا هم سعوا إلى هدم هذه القلعة التاريخية حتى لا يوجد مصدر يستطيع أن يؤثر على أمة الإسلام. فربما يحدث أن يهدم، من يدري، وربما تكون هذه الشرارة التي تنبه المسلمين وتوقظ الأمة من سباتها وتحييها من مواتها، سنة ما أحرق المسجد الأقصى كان هذا سبباً لأول تجمع إسلامي وقيام مؤتمر قمة إسلامية وتجاوب المسلمون وكان هذا سبباً لقيام منظمة المؤتمر الإسلامي أي يمكن لو حدث انهيار يقوم المسلمون، وقد قال اليهود أننا مستعدون أن نرقم لكم حجارة المسجد الأقصى ونرسلها لكم إلى السعودية وعلى نفقتنا تبنوه هناك كأن التقديس للحجارة، فالقداسة للأرض والمكان، الله هو الذي بارك هذه الأرض، فإذا لم يتنبه المسلمون من غفلتهم وتنبهوا من سكرتهم يمكن لإسرائيل أن تفعل أي شيء.

فمعها القوة العالمية الأولى أمريكا ولا تقول لها لما، فلولا السلاح والمال والفيتو الأمريكي ما كانت لإسرائيل هذا التطاول في الأرض.

مشاهد من ألمانيا:
أولاً: متى ظهر المسجد الأقصى ومن الذي أنشأه؟ وقبل ظهور الإسلام ما الذي كان يستخدمونه في العبادة؟ وكيف أدى الرسول فيه الصلاة مع الأنبياء مع أنه لم يكن له وجود؟

ثانياً:منذ عدة أيام تم اللقاء في إسرائيل في استطلاع رأي حول المستقبل حول السلام مع العرب، فرد أحد الإسرائيلين أنه يوجد في كتابنا أن اليهود وقبل أن يمحوا من الوجود قبل أن ترد لهم القدس.

القرضاوي:
(القداسة للأرض وليس للحجارة، فلم يكن المسجد موجوداً ولكن المكان قائماً) ليس في الإسلام إبادة لأي شعب إنما لدينا انتصار، ففي الأحاديث الصحاح التي رواها عمر وأبو هريرة وأبو أمامة وغيرهم
(أنه لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يختبئ اليهودي وراء حجر، فيقول الحجر والشجر يا عبدالله (أو يا مسلم) هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله) كان المسلمون فيم سبق يتعجبون لهذا الحديث، كيف نقاتل اليهود وهم أهل ذمة يعيشون بينهم وتحت حضانتهم وحمايتهم بعد أن لفظهم العالم وطردهم، وعندما أصبحت لهم قوة أداروا للمسلمين ظهر المحن، المعركة بيننا وبين اليهود ليست معركة من أجل العقيدة بل من أجل الأرض فنحن نقاتل من يصد عن الإسلام ويحتل أرضها ويسفك دماءها وهذه المعركة ستنتهي بالانتصار إن شاء الله، وسينطق الحجر والشجر يدل على أن كل شيء سيكون مع المسلمين، فليس من الضروري أن ينطق الحجر والشجر بلسان المقال بل قد يكون بلسان الحال، ولا مانع أن ينطق الحجر والشجر ليكون آية من الله سبحانه وتعالى إنما العبرة أن الانتصار سيكون للمسلمين الذين هم حق شرعي.

مشاهد من السعودية:
ما المقصود بالمعراج وإلى أين وصل الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمعراج، وما مدته؟

القرضاوي:
الارتقاء إلى السموات ، الإسراء والمعراج كله تم في نفس الليلة، فليس حساب الزمن بقوانينا على الأرض فالإسراء والمعراج إلى السموات ولقاء الأنبياء وتخفيف الصلوات من خميسن إلى خمس، كله في نفس الليلة.

مشاهد من سويسرا: في الآية:
(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) والمشكلة الأساسية هو مبلغ الرسالة الإسلامية فالخلاف الأصلي في الإسلام، وعلى هذا الأساس، وهناك سوء تقدير منا، نستبعد فيه فكرة ورسالة الإسلام من جوهر هذه المفاوضات مما يؤدي لما ترونه، نريد منكم تبصرة في هذا الموضوع.

القرضاوي:
الأخ كأنه يعترض على قولي على أن المعركة بيننا وبين اليهود هي معركة الأرض، وأنا أقول نعم هي معركة الأرض، لأن، اليهود كانوا يعيشون بين المسلمين وهم يهود، ما قاتلناهم لأنهم يهود، والقرآن قال أيضاً
( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)، وذكر ما ذكر من إفسادهم وعداوتهم، ومع هذا ظلوا يهوداً، اعتبروا من أهل الكتاب وأجاز الصحابة مصاهرتهم ومآكلتهم وهم أهل ذمة، فهذا أمر معروف، فلا ينبغي أن نفهم أن قتالنا معهم لأنهم يهود، كلا فقد كانوا يهوداً ويعشون بيننا وكانوا أغنى الناس، فقد كانوا في مصر أصحاب أكبر المتاجر (شملا وبنزايون، وداود عدس، وغيره) المعركة بدأت يوم قرروا أخذ فلسطين وحينما عقدوا مؤتمرهم الأول وقرروا قيام دولة لهم وأن تكون في فلسطين، وحينما صدر لهم وعد بلفور وعلق عليه الحاج أمين الحسين بقولته المشهورة إن فلسطين ليست وطناً بغير شعب حتى تستقبل شعباً بغير وطن، لو انحلت هذه القضية يبقوا بكفرهم وضلالهم، كما يبقى غيرهم، شأنهم في هذا شأن النصارى والبوذيين والوثنيين.

المقدم:
هناك تفسيرات لطبيعة علو بني إسرائيل وطبيعة فسادهم في الآية الثانية من سورة الإسراء (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً). هناك تفسيرات أن العلو والإفساد قد تم وانتهى وهناك تفسيرات، أن علو بني إسرائيل الثاني هو في هذه الأيام، فهل ترى ربط بين التفسير الثاني وبين الأحداث الآنية؟

القرضاوي:

أنا في الحقيقة مع المفسرين القدامى الذين أجمعوا أن المرتين في الإفساد قد حدثتا وقد عاتبهم الله عليهما، ولست مع من يذهب من المحدثين والمعاصرين، كان الشيخ عبد المعز عبد الستار له رأي، وكذلك محمد متولي الشعراوي وغيرهم، يرون الإفساد الذي حدث يوم وقفوا ضد الرسالة الإسلامية وسلط الله عليهم المسلمين لذا قال (عباد لنا) والعلو الثاني هو ما حدث الآن، إنما أنا لست مع هذا التفسير لأنه أولاً مخالف لإجماع المفسرين السابقين، ومخالف لأن القرآن يقول (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) والتي في السفر الخامس من أسفار التوراة هو أنهم أفسدوا وسلط الله عليهم (بخت نصّر) وفعل بهم ما فعل، حرّق عليهم ديارهم وثوراتهم وأسر 70 ألف منهم وأنهى دولتهم.

في كل إفسادة عوقبوا فيها كانوا قد هدموا الهيكل، وهم من سنة 1967م إلى اليوم يبحثون عن آثار لهذا الهيكل المزعوم فلم يعثروا على شيء لأن الهيكل هدم وأزيلت آثاره، الآيات لا تدل على أن الإفساد الأول والعقوبة الأولى كانت من المسلمين لأن الله تعالى يقول: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً) وهذا يقولونه في معرض الامتنان على اليهود، ولا يمكن أن يمتن الله عليهم بأن يقول لهم وجعل لهم الكرة على المسلمين وأمدهم بالمال والبنين ضد المسلمين.

وقال (ليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة ويتّبروا ما علوا تبتيراً)، المسلمون لم يدخلوا أول مرة بالسيف والقهر والإذلال، وما فعلوا في التاريخ أنهم تبّروا شيئاً، المسلمين ليس من شأنهم التتبير والتدمير، والتخريب هذا شغل البابليين والرومان، لذلك الآيات لا تدل إطلاقاً على ما يقوله المحاولون أن يجعلوا العلو الحالي هو الثاني، وهناك القانون الإلهي في الآية الأخيرة (عسى ربكم أن يرحمكم) ما دمتم على الاستقامة يرحمكم الله (وإن عدتم عدنا) هذا هو القانون الإلهي الثابت والسنة التي لن تتخلف، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً، إن عدتم للإفساد عدنا إلى العقوبة وسلطنا عليكم من يؤدبكم.

وقد قال الله تعالى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب، وإنه لغفور رحيم وقطّعناهم في الأرض أمماً) وقد قطعوا في الأرض في عهد الرومان، فليس من شأننا أن نتعسف في تحميل الآيات دلالات على أشياء لم تدل عليها، وهل يجب أن نجد آيات تدل على كل واقع يحدث، فلا نحمل القرآن هذا الأمر، بحسبي أن القرآن قد ذكر طبيعة هؤلاء القوم وأن من طبيعتهم الإفساد، وأنهم فعلوا هذا في الأرض مرتين كما ذكرت الآية وأن الله سلط عليهم في كل مرة من آذاقهم الويل وذلهم كل الإذلال وسفك دماءهم، ففي أيام الإسلام لم تكن لإسرائيل دولة، فقد ذهب من بقي منهم لقبائل بني قينقاع وبني النظير وبني قريظة ليسوا هم دولة إسرائيل، فالدولة التي كانت في الشام هي التي ضربت، والقرآن أشار إلى هؤلاء، ثم قال لهم إن عدتم عدنا، قال الشاعر العربي:

إن عادت العقرب عدنا لها بالنعل والنعل لها حاضرا


المقدم:
فيم يتعلق حول طبيعة العلو الثاني، هناك بعض المفسرين لما تعرض له اليهود بما يسمى هلوكوست على يد هتلر بعد الحرب العالمية الثانية وإن كان هناك كثيرون يشكّكون في ذلك، فهل هناك تفسير لهذا؟

القرضاوي:

ما حدث من هتلر وغيره مع اليهود يقع تحت القسم الإلهي والنذير الذي ذكره لنا القرآن بعد أن قص لنا بعض قصص بني إسرائيل (والذين جعلهم الله قردة خاسئين) إلخ، وقوله (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) وذلك لسوء عملهم، الله لا يظلم أنفسهم شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، اليهود بطبيعتهم عنصريون، نحن المسلمين عندنا الله رب العالمين، أول ما نبدأ بالقرآن نقول بسم الله الرحمن الرحيم،( الحمد لله رب العالمين)، وختم القرآن بـ (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس)، هم يقولون رب إسرائيل ليس رب العالمين، رب إسرائيل فقط، قالت التوراة كتاب شعب وليس كتاب للناس أو للعالم، والجنة عندهم ملك إسرائيل، فالعنصرية واضحة، كذلك القسوة والعنف من طباعهم وتركيبتهم (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك، فهي كالحجارة أو أشد قسوة). (فبم نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) وقد بدا ذلك في قتلهم الأنبياء، زكريا ويحيى وغيرهم، وبدا ذلك في عصرنا بالمجازر التي أحدثوها (صبرا وشاتيلا ، بحر البقر، قانا، دير ياسين، مسجد الخليل إبراهيم…) وما يحدث الآن، القسوة والعنف، كذلك اللاأخلاقية فهم قوم ذو المبدأ الذي جاء عنهم (ليس علينا في الأميين سبيلاً) في أن نأخذ أموالهم، نستبيح أعراضهم، نستحل مقدساتهم، كل هذا وارد عندهم، وعندهم المبدأ الميكافيلي مرحب به وهو أن الغاية تبرر الوسيلة، حتى دولتهم على هذا المبدأ، فحزب العمل هو الذي قتل يحيى الشقاقي وقتل المهندس يحيى عياش، والآن نتنياهو يسعى بموساده لقتل خالد مشعل.

فهؤلاء قوم يحاول الله تعالى أن يؤدبهم ليفيقوا من هذا الغلو في القسوة والعنف، فسلط عليهم دائماً من يعاقبهم حتى هتلر، صحيح أن محرقة هتلر لم تكن بالضخامة التي صوروها، وكل من يشكك في حجمها يصبّون عليه سياط العذاب من كل صوب.


المقدم:
يشير النص القرآني والثوابت التاريخية إلى أن اليهود حكموا القدس لفترة قيل أنها 70 عاماً بعدها حدث ما حدث وفضيلتك تحدثت عن هذا، الآن تقع القدس تحت السيطرة اليهودية، وأعلنوا أن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل بحق توارته وتلموذه، هل من حقهم إعلان هذا؟

القرضاوي:
إذا كنا نريد أن نناقش هذه الدعوة إن لهم حقاً دينياً وحقاً تاريخياً، فأي حق تاريخي؟ المفروض القدس كانت عربية من القديم وكان أهلها وهم جماعة من العرب كانوا يسكنوها قبل الميلاد بثلاثين قرناً، ثم جاء الكنعانيون وهم عرب أيضاً وهم ساميون، ثم هو أخذوا القدس فترة محدودة، قالوا أن الله أعطى لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وعداً بأن يملكهم ونسلهم هذه الأرض، أرض القدس وفلسطين ولكن إبراهيم مات ولم يملك منها شيئاً، حتى أنه لم يجد أرضاً يدفن فيها امرأته سارة فأعطى أحدهم جزء من الأرض له واشتراها منه، ودفنها فيها، يعقوب ذهب وعاش ومات في مصر عاشوا 430سنة في مصر، فمتى ملكوا القدس؟ أيام الملوك وداود وسليمان المملكة مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل إحدى المملكتين انتهت بعد أقل من 300 سنة والأخرى انتهت مع حكم داود وسليمان بعد 434سنة ذلك أقصى ما ملكه اليهود في إسرائيل، وانتهى كل ذلك سنة 586 قبل الميلاد أكثر من 25 قرنا لم يعد لهم شيء في القدس وفلسطين، والآن يقولون أن لهم حق، ولم يكن يهودي واحد في القدس عندما أخذها المسلمون وقد اشترطوا ألا يساكنهم اليهود.

المقدم:
هل تعتبر أرض فلسطين وقف للمسلمين بحق المعاهدة التي تمت بين سيدنا عمر وأهل إيليا، كشيء متميز عن باقي أراضي المسلمين الأخرى؟