بث تجريبي أخر تحديث: 2012-02-21
أحدث الموضوعات
أحدث الصوتيات
أحدث المرئيات


مذكرات القرضاوي الجزء الثاني.. ما بعد المرحلة الجامعية
البريد الإلكترونى طباعة
د. محمد خميس حميدة

نحو التخصص.. الدعوة أم التدريس؟!!

كان في الأزهر نوعان من التخصص لحملة الشهادة العالية أو العالمية، أوقف أحدهما وبقي الآخر.

أما النوع الذي أوقف فهو (تخصص المادة) وفيه يتخصص الخريج في مادة معينة ويقدم فيها رسالة يحصل بها على شهادة (العالمية من درجة أستاذ).

وكان في كلية أصول الدين ثلاث شعب لهذا التخصص: شعبة التفسير والحديث، وشعبة العقيدة والفلسفة، وشعبة التاريخ.

كما كان في كلية الشريعة شعبة الفقه، وشعبة أصول الفقه.

وفي كلية اللغة العربية شعبة النحو والصرف، وشعبة البلاغة والأدب.

وقد خرج هذا التخصص بشعبه المختلفة عددًا لا بأس به ثم أغلقت أبوابه، وكان من مطالبنا في المرحلة الثانوية وفي المرحلة الجامعية: إعادة فتح باب تخصص المادة لإتاحة الفرصة لطالب الأزهر المتفوق لينال حقه في الدراسات العليا، كسائر طلاب مصر، وطلاب العالم كله.

وأما التخصص الآخر فيسمى (تخصص المهنة). وكان في الأزهر ثلاثة تخصصات للمهنة: تخصص تنفرد به كلية الشريعة، وهو (تخصص القضاء) وهو الذي يُعِدّ القضاة الشرعيين بما يلزمهم من دراسات معينة في أصول القضاء والمرافعات والإجراءات والإثبات ونحوها.

وتخصص تنفرد به كلية أصول الدين، وهو تخصص (الدعوة والإرشاد) ومهمته تخريج وعاظ وخطباء مساجد، مؤهلين للدعوة والخطابة دارسين لفنونها ووسائلها.

وتخصص ثالث تشترك فيه الكليات الثلاث، وإن كان -إداريًّا- تابعًا لكلية اللغة العربية، وهو: تخصص التدريس. ومهمته إعداد مدرس علوم الدين أو اللغة العربية، وتأهيله بما يلزمه من أصول التربية ووسائلها وطرق التدريس العامة والخاصة.

كان أمامي -وقد تخرجت في كلية أصول الدين- إذن تخصصان عليَّ أن أختار أحدهما: الأول وهو تخصص الدعوة والإرشاد، والآخر هو تخصص التدريس.

ولم أتردد في اختيار الثاني، رغم إلحاح بعض الأصدقاء أن ألتحق بتخصص الدعوة والإرشاد؛ لأنها أصبحت وظيفتي الأولى، وقد عُرفت بها، وبرعت فيها؛ فأولى بي أن أتخصص فيها.

بيد أن لي وجهة أخرى أكننتها في نفسي؛ فقد كانت فكرتي أن يكون التدريس هو مهنتي التي أتعيش من ورائها، وأن أقوم بالدعوة محتسبًا متطوعًا، هذه هي الفكرة التي غلبت عليَّ.

حتى إن الدكتور محمد خميس حميدة نائب المرشد العام للإخوان عرض علي أن أتفرغ بعد تخرجي لدعوة الإخوان براتب مناسب يقدر لي؛ لحاجة الجماعة إلى مثلي، فاعتذرت بلطف؛ لأني أحب أن أعمل للدعوة محتسبًا، لا موظفًا. ولأني أخشى أن يستهلكني هذا التفرغ في أمور جزئية تعطلني عما أريده لنفسي من مستقبل علمي ودعوي. مع أني أومن بضرورة تفريغ أشخاص للدعوة، ولكن في نظر نفسي لا أصلح أن أكون أحدهم.

على أية حال لقد حسمت الأمر، وتقدمت لتخصص التدريس، وهو يتبع إداريًّا كلية اللغة العربية، كما أشرت، ومقره بالدَّرَّاسة، مع مباني كلية اللغة العربية الجديدة.

وكان تخصص التدريس يتكون من سنتين دراسيتين، وتدرس مقرراته في سنتين. هكذا مضى منذ نشأ، وهكذا تخرج فيه إخواننا ومشايخنا من قبل.

ولكن ابتداء من هذه السنة التي التحقنا فيها به، ستتم الدراسة على نظام السنتين في سنة دراسية واحدة، بحيث تنتهي السنة الأولى في أوائل أشهر الصيف، ثم تبدأ السنة الثانية وتنتهي في شهر أكتوبر.

وأعتقد أن العلوم التي درسناها في هذا التخصص قد أفادتنا، وأضافت إلينا جديدًا، فقد توسعنا في دراسة علم النفس، الذي كنا درسنا شيئًا منه في كلية أصول الدين في إحدى سنوات الدراسة، فدرسنا هنا علم النفس التربوي، والغرائز أو الدوافع النفسية، وعلم نفس النمو، والصحة النفسية، وغيرها.

كما درسنا أصول التربية، والتربية المقارنة، وتاريخ التربية، والطرق العامة والخاصة للتدريس، والتربية العملية، وغيرها.

أعتقد أنا أخذنا جرعة كافية ومروية من علوم النفس والتربية، وصلتنا أكثر بالحياة المعاصرة والثقافة المعاصرة. وكان مدرسونا وأساتذتنا في هذه العلوم من خريجي الجامعات المدنية العصرية، وليسوا من الأزهريين، فكان في ذلك تلقيح لثقافتنا الأزهرية العتيقة.

وأذكر ممن درسونا التربية العملية: الأستاذ الدكتور محمد قدري لطفي، وكان من أعلام التربية العملية في تدريس اللغة العربية، وله مؤلفات في ذلك، وفي أواخر الفصل الدراسي يأخذ طلبته إلى المدارس الحكومية، ليلقي كل منهم درسًا نموذجيًّا يختاره ويحضره، ثم يلقيه أمام الأستاذ وأمام زملائه، وفي اليوم الواحد نحضر عدة دروس، ثم نجتمع مع الأستاذ في جلسة خاصة للنقد والتقويم، وتعطى الفرصة أولاً للطلاب ليقوّموا عمل زميلهم، ويُبدوا ملاحظاتهم عليه، ثم يبدأ الأستاذ.

وأذكر ذلك اليوم الذي كان فيه درسي، وكان في إحدى مدارس العباسية بالقاهرة، وكنا أربعة من طلاب التخصص، وبعد أن ألقينا دروسنا اجتمعنا كالعادة، ونقد بعضنا بعضًا، ثم استمعنا إلى نقد الأستاذ الدكتور قدري، وكان نقده في الصميم: هذا كان عابس الوجه، وهذا كان قلق الشخصية، وهذا كان درسه تلقينيًّا لم يشرك الطلبة معه، ولم يستثرهم بالأسئلة المناسبة، إلى أن جاء عندي فقال: أما القرضاوي فكان درسه مثالاً يُحتذى: في شخصيته، وفي وقفته، وفي ابتسامة وجهه، وفي إقباله على التلاميذ، وفي إشراكهم معه في كل الخطوات، وفي تلخيص درسه في النهاية. ولا يسعني إلا أن أشكر له، وأن أتمنى له دوام التوفيق في مستقبل حياته، وقد أعطاني الدرجة النهائية (50/50).

كما فعل معي ذلك في الفصل الثاني -أو قل في السنة الثانية- الأستاذ الدكتور الريدي، رحم الله الجميع، فقد أعطاني (50/50).

 
الإعلان