![]() |
| د. محمد عبد الله دراز |
ومن أهم ما استفدته في تخصص التدريس أن كان من أساتذتنا فيه الشيخ الدكتور العلامة محمد عبد الله دراز، الذي كان يدرسنا (علم الأخلاق).
وكان يتدفق في معارفه كأنما يغرف من بحر، ويبهر سامعه كأن كلامه السحر. ويشرح الدقائق فيجليها، والغوامض فيكشف عن خوافيها، ويبين عن معانيها، لقد كنت أستمع إليه، وأنا معجب متابع، ورأيت أنه ينطبق عليه ما كان يكتبه الأولون عن علمائهم ومؤلفيهم، مثل: العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة.
فهذا ما يمكن أن نقوله عن الشيخ، فقد أحاط بعلوم الدين من التفسير والحديث والتوحيد والأصول والفقه، وبعلوم اللغة من النحو والصرف والبلاغة، وبالأدب وتاريخه، وبالعلوم الإنسانية العصرية، التي درسها في (السوربون) وحصل بها على الدكتوراة، وقدّم فيها أكثر من رسالة، وبخاصة رسالته للدكتوراة (دستور الأخلاق في القرآن الكريم).
كان الشيخ دراز علمًا من أعلام الفكر، وإمامًا من أئمة الدين، وبحرًا من بحور العلم والثقافة، جمع -حقًّا- بين الأصالة والمعاصرة، فإن شئت نسبته إلى جامع (الأزهر) فهو ابنه البار، وتكوينه الأزهري قوي متين، وإن شئت نسبته إلى جامعة (السوربون) فهو من خريجيها الذين تعتز بهم، وتفخر بانتمائهم إليها، وهو أحد رجال الفلسفة والأخلاق المعدودين في عالمنا العربي والإسلامي.
كان الشيخ يدرّسنا علم الأخلاق، وقد كتب فيه بالعربية رسالة لطيفة موجزة مركزة، صغيرة الحجم، ولكنها كبيرة القيمة، سماها (كلمات في مبادئ علم الأخلاق) يتجلى فيها علم الشيخ وثقافته الموسوعية، كما يتجلى أدبه وبيانه الرائع المشرق.
كما تجلى علم الشيخ وأدبه وأصالته فيما صدر عنه من كتب، ليست كثيرة من ناحية الكم، ولكنها قيمة من ناحية الكيف، سواء في فكرتها ومضمونها أم في بيانها وأسلوبها.
منها: (النبأ العظيم) وهو: نظرات جديدة في علوم القرآن وإعجازه، لم ينسجه على منوال أحد، كما لم ينسج أحد على منواله.
ومنها: (المختار من كنوز السنة) وهو: شروح عميقة متميزة لعدد من الأحاديث النبوية.
وله كتب شرع فيها، وظهر منها بعض الملازم ولم يكملها، مثل كتاب: (الميزان بين السنة والبدعة) كأنما كان يريد أن يحدِّث به كتاب (الاعتصام) للشاطبي.
كان الشيخ متمسكًا بزيه الأزهري الأصلي، بجبته وعمامته، رغم أنه كان يدرس في (كلية الآداب) بجامعة فؤاد الأول، التي ألقى فيها عددًا من المحاضرات في تاريخ الأديان، دعاه لإلقائها صديقه الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي، رئيس قسم الاجتماع في الكلية. وكان من ثمرات محاضراته فيها كتابه (الدين): دراسة ممهدة لتاريخ الأديان، كما كان يدرس في (كلية دار العلوم) محاضرات في تفسير القرآن الكريم.
وله رسائل عميقة متميزة في موضوعات كتبها للمشاركة في مؤتمرات عالمية مثَّل فيها الأزهر، مثل رسالته عن (الربا) التي قدمها لمؤتمر الحقوق الدولي في باريس سنة 1951م، ورسالته عن (الإسلام والعلاقات الدولية) ورسالته عن (موقف الإسلام من الأديان الأخرى) التي ألقاها في مؤتمر الأديان في لاهور سنة 1958م، الذي وافته المنية فيه، وهو يمثِّل الأزهر هناك، وكان نبأ وفاته فجيعة هزت الأزهر والأوساط الإسلامية؛ لما كان يتمتع به -رحمه الله- من منزلة بين أهل العلم والدين.
وكان صبيح الوجه، يتلألأ وجهه نورًا وإشراقًا لكل من يراه، وتبدو عليه ملامح الربانية.
وقد كانت هذه الصلة الدراسية سببًا لصلة أخرى فكرية وروحية، سنتحدث عنها فيما بعد.



