كان من أهم الوقائع التي وقعت لي في تلك المرحلة: امتحان الشهادة العالمية -أو العالية- التي تختم بها الكلية، وبها يصبح الطالب أحد علماء الأزهر، ويستحق رسميًّا لقب (الشيخ)...
![]() |
| الأزهر الشريف |
كان من أهم الوقائع التي وقعت لي في تلك المرحلة: امتحان الشهادة العالمية -أو العالية- التي تختم بها الكلية، وبها يصبح الطالب أحد علماء الأزهر، ويستحق رسميًّا لقب (الشيخ) ويكتب له في شهادته.
وكانت شهادة العالمية لها شأن ووزن كبير، وكان يوقعها الملك بنفسه في عهد الملكية، أما في عهد الثورة فأصبح الذي يوقِّعها شيخ الأزهر.
وكنت رغم انشغالي بالدعوة وأنشطتها المتنوعة، وبجامع آل طه بالمحلَّة الكبرى -حريصا على التفوق في دراستي، وهذا مما أكرمني الله به منذ السنة الأولى الابتدائية حتى الآن، فقد حافظت في معظم السنوات على ترتيب (الأول) بين فرقتي، وفي قليل من السنوات تأخرت عن الأول لأكون الثاني أو الثالث.
ولكني في الشهادة العالمية كنت حريصًا كل الحرص على أن أكون الأول، والمسلم ينشد الأحسن والأمثل دائما -كما قال تعالى- "فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه" (الزمر: 17-18).
والله تعالى يحب معالي الأمر ويكره سفسافها، والرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى".
فلا تلوموني إذا كان طموحي إلى الأولية، واشتد حرصي عليها، وقد استعددت لها بما يسَّره الله لي، ووفقني إليه من الاستذكار ومن المراجعة، التي أعتبرها كافية بالنسبة لي، ولتكويني العلمي السابق المؤسس على قواعد مثبتة، ولله الحمد.
ولكن كنت أخاف من أمر واحد، هو (الامتحان الشفهي)، وخصوصًا امتحان (التعيين)، وكان عندنا امتحان شفهي عادي في بعض المواد مثل (المنطق) واللغة الإنجليزية.
وقد أدَّيت امتحان المنطق أمام لجنة كان يرأسها العالم الأزهري النابه المتألق الدكتور حمودة غرابة، أحد الأزهريين المرموقين والمأمولين؛ لتفوقه العلمي والفكري والأخلاقي، وهو أستاذ الفلسفة والعقيدة، وقد قدم حديثًا من لندن بعد أن حصل على الدكتوراه منها، إضافة إلى العالمية من درجة أستاذ، التي كانت رسالته فيها عن (ابن سينا بين الدين والفلسفة)، وقد نشرت وكتب مقدمتها الأستاذ الدكتور محمد البهي. ولكن شاء قدر الله أن يُتوفَّى بعد مدة قليلة، أحوج ما يكون الأزهر إلى مثله، رحمه الله رحمة واسعة.
سألني د. غرابة عدة أسئلة في (المنطق) فوُفِّقت في إجابتها، وخرجت من اللجنة مسرورًا.
أما اللغة الإنجليزية، فقد كانت إجابتي على ما يرام، وكنت أحصل في التحريري –غالبًا- على عشرين من عشرين، ولكن مما يؤسف له: أن ما حصلته من الكلية في سنواتها الأربع من اللغة الإنجليزية، قد ضاع وتبخر من ذاكرتي بعد ذلك -إلا قليلاً- نتيجة الإهمال وعدم الاستعمال، ولأني تعلمتها على كبر، والتعليم في الصغر كالنقش في الحجر كما قيل.




