وكان في الكلية عشر لجان قد ألفت لامتحان (التعيين، والقرآن)، وكنت مستعدًّا للامتحان أمام أيّ واحدة منها، إلا واحدة، خوَّفني زملائي الطلبة من رئيسها...
![]() |
| امتحان التعيين كان في مادتي التفسير والتوحيد |
بقي امتحان التعيين، وكان في مادتين أساسيتين: التفسير والتوحيد. ومعنى (التعيين): أن يُعَيَّن للطالب موضوع معين أو فقرة معينة من المقرر، وعليه أن يراجعها فيما شاء من مراجع، ويسأل فيها من شاء من مشايخه، بل الكلية تكلِّف بعض المشايخ ليراجعهم الطلاب في الموضوع، ويسألوهم عن كل ما يعنّ لهم حوله.
وعلى الطالب أن يستعد للسؤال في كل ما يحيط بموضوعه، فقد يُسأل في النحو أو الصرف أو البلاغة أو المنطق، أو الحديث أو الفقه، أو ما شاء الممتحن أن يسأله، وعليه أن يجيب في كل ما يسأل عنه، فكأنَّ هذا التعيين امتحان عام لمدى تحصيل الطالب العلمي خلال سني دراسته كلها، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان.
وكان امتحان التعيين في سنتنا في التفسير في آيتين من سورة الرعد، وهما قوله تعالى: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا..." إلى آخر الآيتين (الرعد: 17-18).
وفي التوحيد: فقرة من كتاب العقائد النسفية، فيها خلاف معروف بين أهل السنة والمعتزلة، وهي التي تقول: "المقتول ميت بأجله عندنا أهل السنة". كما أن لجنة التعيين تمتحن الطالب أيضًا في حفظ القرآن الكريم.
عشر لجان لامتحان التعيين:
وكان في الكلية عشر لجان قد ألفت لامتحان (التعيين، والقرآن)، وكنت مستعدًّا للامتحان أمام أيّ واحدة منها، إلا واحدة، خوَّفني زملائي الطلبة من رئيسها، وهو أستاذنا الشيخ صالح شرف، الذي درسني علم التوحيد في إحدى السنوات، ولكن كان من زملائنا من هو بلديّه وقريبه، وهو ممن ينافسونني على الأولية، وخفت -أو خوفني إخواني- أن ينحاز الشيخ إلى قريبه، ويبخسني حقي، وكان هذا من سوء ظني، ولكن سوء الظن عصمة -كما قالوا- في كثير من الأحيان.
بَيْد أني ما كنت مهتمًا بهذا الأمر، وأقول: هناك عشر لجان، فلماذا أفترض أن يكون حظي في اللجنة المخوفة؟
ولم تكن تعرف لجنة الطالب إلا في يوم امتحانه نفسه، وفي يوم امتحاني ذهبت إلى الكلية؛ لأفاجأ بأن اسمي أمام اللجنة التي حذَّروني منها.
وهنا شاورت بعض الأساتذة الذين هم على صلة طيبة بي، مثل الشيخ مختار بدير الذي قال لي: من حقك أن تعتذر عن عدم الامتحان أمام هذه اللجنة دون إبداء الأسباب، وكذلك قال لي الدكتور محمود فياض أستاذ التاريخ.
وكذلك سألت قريبي وبلديتي الشيخ أحمد محمد صقر، أستاذ الحديث بالكلية، فقال لي: أحد زملائك (وهو الحسيني عبد المجيد هاشم الذي عُيِّن وكيلا للأزهر بعد ذلك) دخل على لجنتنا، وكان فيها الشيخ أحمد علي، ونظر إليه الطالب فوجده عابسًا، فقال له: يا فضيلة الشيخ مالي أراك مكشرًا؟ والله ما أنا ممتحن على هذه اللجنة، وغادرنا، ودخل لجنة أخرى.
كل هذا شجَّعني أن أذهب إلى عميد الكلية، وهو شيخنا الشيخ الحسيني سلطان، (الذي كان شيخًا لمعهد طنطا من قبل، وأصبح وكيلاً للأزهر بعد ذلك) فطلبت منه أن ينقل اسمي من اللجنة التي أنا فيها إلى لجنة أخرى.
فقال لي: وهل نحن على هوى الطلبة، إذا لم تعجب أحدهم لجنة نقلناه إلى أخرى، كأن الطلاب هم الذين يختارون لجانهم!.
قلت له: يا فضيلة الشيخ، هذا لو كنت أطلب منك أن تدخلني لجنة معينة من اللجان العشر، ولكني أرفض لجنة واحدة فيها لي تحفظ عليها، وأطلب منك أن تضعني في أي لجنة أخرى، أو تكوِّن لجنة ترأسها فضيلتك وتمتحني كما تشاء، ثم قلت له: إنها شهادة عالمية واحدة، ولن أفرِّط في حقي فيها، وضربت بيدي على المنضدة (الطاولة) في شيء من الغضب.
فقام الشيخ رحمه الله من مكتبه في هدوء، وذهب إلى اللجنة، وسحب أوراقي منها، وحولها إلى لجنة أخرى، برئاسة الشيخ عبد القادر خليف، وعضوية شيخنا محمد علي أحمدين أستاذ الحديث، ود. فياض أستاذ التاريخ.
ومن غرائب المصادفات: أن يكون في اللجنة الثانية الشيخ أحمدين، وكنت قد اصطدمت به أثناء الدراسة في آخر سنة، وساءت العلاقة بيني وبينه، حتى أخرجني من الفصل، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، خرجنا من عقدة لندخل في عقدة أشد.
وكان سبب الخلاف بيني وبين الشيخ أحمدين: أنه كان يدرِّس لنا حديث "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" برواياته المختلفة، وذكر لنا رأي العلماء في هذه الخيرية، وأن رأي الجمهور أن الخيرية بالنسبة لقرن التابعين إنما هي للمجموع لا للجميع، فلا يمتنع أن يوجد فيمن بعد التابعين من هو أفضل من بعض أفراد التابعين، ولكن لا يوجد قرن بعد التابعين أفضل من قرنهم في مجموعه.
أما بالنسبة لقرن الصحابة، فالخيرية والأفضلية فيه، إنما هي للجميع لا للمجموع، فلا يوجد بعد قرن الصحابة فرد ما -وإن بلغ ما بلغ من الفضل والتقى والجهاد- يبلغ مبلغ أي واحد من الصحابة، مهما دنت منزلته.
وللإمام ابن عبد البر رأي خالف فيه الجمهور، وقال: هناك من الصحابة من لا يبلغ أحدهم مبلغهم، مثل السابقين الأولين، وأهل بدر، وأهل أحد، وأهل بيعة الرضوان، ومن كان له فضيلة معينة، ثم من عدا هؤلاء يكون التفضيل للمجموع لا للجميع، فلا يمتنع أن يأتي ممن بعد الصحابة من يفضل على واحد من عامة الصحابة، ممن لم يكن له من الصحبة إلا أنه حج معه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، ورآه من بعيد.
وهنا قلت للشيخ أحمدين: والله يا مولانا، إن رأي ابن عبد البر رأي جيد، فقد استثنى من الصحابة من لا يلحق أحد بغبارهم، ولكنه أبقى الباب مفتوحًا بالنسبة للصحابة الذين لم يعرف لهم فضيلة معينة، فلا مانع أن يكون مثل عمر بن عبد العزيز أو الإمام الشافعي، أو عز الدين بن عبد السلام، أو صلاح الدين الأيوبي أو ابن تيمية أو غير هؤلاء ممن حملوا راية الدعوة والجهاد، أفضل من بعض الصحابة الذين ليس لهم فضل الصحبة.
وهذا يفتح نوافذ الأمل للعلماء والدعاة المجاهدين في عصرنا، الذين بذلوا جهودهم في إصلاح أحوال المسلمين والنهوض بهم.
وهنا قال أحد الإخوة في الفصل -وهو الأخ محمد حسن راضي من بسيون- مثل الشيخ حسن البَنَّا وما قام به من دعوة وجهاد.
وما إن ذكر اسم حسن البَنَّا، حتى ثار الشيخ أحمدين ثورة عارمة، وقال: تريد أن تجعل حسن البَنَّا أفضل من الصحابة؟ وهاجم الشيخ الأستاذ حسن البَنَّا بعنف، وهنا قلت للشيخ: يا مولانا هذا رجل أفضى إلى ربه، وقد نُهينا عن سب الموتى، وما ذنب حسن البَنَّا إذا اختار أحد تلاميذه رأيًا يخالف رأي فضيلتك أو رأي الجمهور؟
واشتد النزاع بيني وبين الشيخ، فطلب إليّ أن أخرج من الفصل، وألا أحضر دروسه، وكنا على وشك انتهاء السنة الدراسية، فظل التوتر قائمًا بيني وبين الشيخ أحمدين، ولكن هاهو القدر وضعه أمامي في اللجنة التي سأؤدي الامتحان أمامها، وليس مقبولاً ولا لائقًا أن أرفضها. فليكن ما قدر الله، ودعوت الله تعالى أن يعلِّمني ما جهلت، ويذكِّرني ما نسيت، وأن يسدِّد رميتي، ويلهمني الصواب، وفصل الخطاب.




