بث تجريبي أخر تحديث: 2012-02-21
أحدث الموضوعات
أحدث الصوتيات
أحدث المرئيات

الرئيسية سيرة ومسيرة مذكرات القرضاوي 
الحلقة (54): في الامتحان
البريد الإلكترونى طباعة PDF

وبدأت اللجنة تقوم بواجبها في امتحان الطالب الذي أضيف إليها بأمر من العميد، ولم يكن من طلابها، وكأنها في حالة تحدٍّ مع هذا الطالب، وتولَّى رئيس اللجنة الشيخ خليف معظم الأسئلة...

 

وبدأت اللجنة تقوم بواجبها في امتحان الطالب الذي أضيف إليها بأمر من العميد، ولم يكن من طلابها، وكأنها في حالة تحدٍّ مع هذا الطالب، وتولَّى رئيس اللجنة الشيخ خليف معظم الأسئلة، التي شملت العلوم المختلفة التي درسناها في الأزهر، وكان الشيخ أحمدين يساعده في الأسئلة، وكان التوفيق حليفي في إجاباتي، كأني أغرف من بحر، أو أتدفق من سيل، وذلك من فضل الله وعونه، وما أصدق ما قال الشاعر:

إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده!

وبعد انتهاء اللجنة من امتحان التعيين في التفسير والتوحيد، أخذت تمتحني في حفظ القرآن الكريم.

قال الشيخ خليف: هل تحفظ القرآن أو أنت من الذين يدخلون الأزهر حافظين للقرآن، ويتخرجون منه وقد نسوه؟

قلت: بل أحمد الله أني أحفظه حفظًا جيدًا، تستطيع أن تسألني فيما شئت من القرآن من الفاتحة إلى الناس، وتسألني عن الآية في أي جزء؟ وفي أي ربع؟ وفي الصفحة اليمنى أم اليسرى؟ وفي أول الصفحة أو وسطها أو آخرها؟

قال الشيخ: يعني واثق من نفسك؟

قلت: نعم بحمد الله.

وبدأ الشيخ يسألني، وينتقل بي والمصحف أمامه، وقد أراد أن يجربني في أول سؤال: في أي سورة؟ وأي جزء؟ وأين تقع؟… إلخ، وأجبته بالتفصيل.

وبعد أكثر من عشرين سؤالاً، وأنا أقرأ بترتيل وصوت مؤثر، كان آخر سؤال من سورة الصف: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم"، وقرأت الآيات إلى قوله تعالى: "وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين" (الصف: 10-13).

وهنا قال رئيس اللجنة: فتح الله عليك.

وخرجت من اللجنة، باسم الثغر، منشرح الصدر، مستبشرًا بهذه الآية التي ختم بها الامتحان كله "وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين".

وكان عميد الكلية الشيخ الحسيني سلطان قد شهد الامتحان كله، كأنما أراد أن يعرف حقيقة هذا الطالب الذي أصرَّ على أن ينتقل من لجنة إلى لجنة، حرصًا على السبق والتفوق -والحمد لله- قد سترني الله بستره الجميل، وحسَّن صورتي أمامه، فضلاً منه ومِنَّة.

وبعد دقائق قال بعض زملائي: الشيخ أحمدين يسأل عنك، ويريد أن يلقاك، فقلت في نفسي: يا رب استر، ترى ماذا يريد الشيخ الآن؟

وما إن لقيت الشيخ حتى بادر بمصافحتي وعانقني، وقال: سامحني يا ابني، أنا ظلمتك من قبل، وأسأت الظن بك، وما كنت أعرفك على حقيقتك، واليوم اكتشفت خطئي وعرفت من أنت، بارك الله فيك، وجعلك من علماء الأمة العاملين المخلصين.

كان هذا اللقاء العاطفي الحار مع الشيخ أحمدين مفاجأة لي، لم أكن أتوقعها، كنت أرجو أن يغيِّر موقفه مني، ولكن ما كنت أتوقع أن يصل إلى هذا الحد من الود والتعاطف، وشكرت للشيخ حسن ظنه بي، وقلت له: أدعو الله تعالى أن يجعلني عند حسن ظنك، وأن يغفر لي ما لا تعلم. وقد دلَّني هذا على إخلاص الشيخ وصفاء سريرته، وشجاعته في الرجوع إلى الحق إذا تبين له، رحمه الله وجزاه خيرًا.

وقد ظل ودّ الشيخ أحمدين لي موصولاً، حتى قدمت إلى الدراسات العليا، وقبلت في شعبة التفسير والحديث أو علوم القرآن والسنة، وفي السنة الثانية كنت الطالب الوحيد الذي نجح في الشعبة، وأذكر أن فضيلة شيخنا الشيخ صالح شرف، الذي كان في ذلك الوقت السكرتير العام للجامع الأزهر والمعاهد الدينية، كان يمر بالدراسات العليا وطلابها، ومرَّ بي وأنا مع الشيخ أحمدين فقال له: هذا الشيخ يوسف القرضاوي، لو كان الأمر بيدي لأعطيته الأستاذية من الآن، فسبحان مقلِّب القلوب.

وكان الشيخ صالح شرف هو الذي فررت من لجنته خشية أن يجور عليّ، وما كنت أحسب أن الشيخ على علم بما جرى، أو أنه يتذكره. ولكن بعد نحو عشرين سنة، كنت عضوًا بمجلس إدارة بنك فيصل الإسلامي، وكان البنك قد أقام حفلاً بمناسبة ما، ودعا إليه عددًا من كبار العلماء، وكان منهم الشيخ صالح شرف، وقد سلمت على الشيخ ورحَّبت به، وقال لي: يا شيخ يوسف، أنا لي حق عندك، فقد أسأت الظن بي بغير دليل، ولو كان امتحانك عندي لأعطيتك حقك.

قلت له: يا فضيلة الشيخ أرجو أن تسامحني، واعتبر هذا لونًا من حِدَّة الشباب وطيشهم، وعفا الله عما سلف. وأنا والله لا أكنّ لك إلا الحب والتقدير، فقد درستني علم التوحيد بكلية أصول الدين.

قال الشيخ: كل شيوخ الأزهر، يسمعون عن نشاطك وجهودك في خدمة العلم والدين، ويعتزون بك، ويدعون لك، فجزاك الله عن الأزهر وعن الإسلام خيرًا.

 
الإعلان