(87) محنة عام 1965م

نشر بتاريخ 19 Oct 2016 الزيارات 1342
السيدة زينب الغزالي

السيدة زينب الغزالي

بعد قضاء شهر في مصايف لبنان الجميلة، كان حافلاً بالحركة والنشاط، واللقاءات العلمية والدينية في مدينة بيروت، كان لا بد من العودة إلى قطر، مع بداية العام الدراسي، الذي يبدأ عادة في منتصف أيلول أو سبتمبر؛ فكان لا بد أن يصيبنا رذاذ من محنة إخواننا في مصر، فإن لم يصبنا وابل فطلّ. فقد حُجِز عشرة من إخواننا وزملائنا الذين يعملون في قطر، للاعتقال مع من اعتقلوا من المصريين.

 

وكان الاعتقال هذه المرة أوسع دائرة من أية محنة سبقت، فكل من اعتقل من قبل في عهد الثورة أو في عهد الملكية يجب أن يعتقل، ولو كان اعتقاله خطأ، وكل من تحوم حوله شبهة من قريب أو بعيد، ولو بكيد كائد، أو بلاغ كاذب، يجب أن يعتقل، ويتحقق من أمره فيما بعد، وقد لا تأتي (ما بعد) هذه، وكان من المفترض أن أكون أنا والعسال في أوائل المعتقلين، وقد سئل إخواننا العشرة المعتقلون من قطر جميعًا عنا نحن الاثنين، ولكن الله نجانا بفضله، ولم ننزل إلى مصر هذه الإجازة، وقد ذكرت السبب المباشر الذي دفعني إلى عدم السفر إلى مصر، في الجزء السابق.

 

كان من المعتقلين العشرة سكرتير المعهد الأخ أحمد المنيب حسين عبد الغفار، وكان لا بد من ملء مكانه بسرعة، حتى تسير أمور المعهد الإدارية بانتظام، فاخترت أخًا كريمًا من إخواننا الفلسطينيين، كنت قد تعرفت عليه في مناسبات شتى، فنُقل إلى المعهد، وظل يعمل في سكرتيريته، حتى انتقلت من المعهد إلى الجامعة، وهو بالمعهد. وقد كان من المعتقلين العشرة الأخ الشيخ عبد اللطيف زايد مدرس العلوم الشرعية بالمعهد، وهو داعية ومربٍّ فاضل، وكان عضدي الأيمن في العمل التربوي مع الطلاب، وكان منهم كذلك الأخ الأستاذ رشدي عبد الغني المصري، مدرس اللغة العربية المتميز في مادته وطريقته وتحضيره وأدائه، ومن حسن حظ المعهد أن أُفرج عنه بسرعة وعاد إلى عمله، كما أُفرج عن الأستاذ رشدي ومجموعة معه، منهم الأستاذ عبد الحليم محمد أبو شُقة، ومنهم الأستاذ عبد الحميد طه.

 

وقد كان الإفراج عنهم أمرًا خارقًا للعادة، فقد أفرج عنهم ولا زال الناس يعتقلون، ويساقون إلى السجن الحربي من هنا وهناك، أما الشيخ عبد اللطيف، ومعه الأستاذ أحمد المنيب، وكذلك الأستاذ محمد المهدي البدري فقد بقوا، ولم يفرج عنهم إلا بعد عدة سنوات، بعد نكبة حزيران (يونيو) 1967 بمدة طويلة.

 

السلطات المصرية تطلب عودتي

وقد طلبت السلطات المصرية من حكومة قطر عودتي إلى مصر، ولا سيما أن سنوات إعارتي الأربع إلى قطر قد انتهت، ومن حق الدولة المعيرة أن تسترد معارها بعد انتهاء مدته. ولكن قطر -جزاها الله خيرًا- رفضت طلب السلطات المصرية، وأخبرتهم أنها تعاقدت معي على العمل في وزارة المعارف في قطر بعقد خاص.

 

ولما قيل للشيخ قاسم بن حمد آل ثاني وزير المعارف رحمه الله: إنهم لن يجددوا لي جواز سفري، قال لمن حدثه: سنعطيه جوازًا قطريًّا؛ وانتهت هذه المحاولات بالإخفاق، نتيجة لموقف قطر الشجاع، وتمسكها بي، واستعدادها لأن تمنحني جوازًا قطريًّا، إذا فقدت الجواز المصري، وهذا ما حدث، فقد كنت أسافر بوثيقة قطرية تجدد كل سنة، ثم في سنة 1969م أعطيت جوازًا قطريًّا كاملاً، وسنتحدث عن ذلك في حينه.

 

محنة كبرى للإخوان

كانت هذه المحنة التي ابتُلي بها الإخوان في مصر، من المحن الكبرى في تاريخهم الدعوي والحركي، وقد كانت محنة ثقيلة وقاسية ومُرَّة على الإخوان، وذلك يرجع إلى عدة أمور:

أولاً: من ناحية الكم شملت أعدادًا هائلة، أكبر من أية مرة مضت، حتى إن أجهزة أمن عبد الناصر ومخابراته ذكرت على سبيل المباهاة أنها اعتقلت ثلاثين ألفًا من الإخوان في عدة ليال، فهي تعتبر هذا من "الإنجازات" العظيمة (!) التي ينبغي أن تكافأ عليها المكافآت السخية!

 

ثانيًا: من ناحية الكيف، فقد جرى فيها من أساليب التعذيب ووسائله الوحشية والحديثة، ما لم يجرِ في المحنتين السابقتين في عهد الثورة، ولا في المحنة التي مضت في عهد الملك فاروق وحكومة النقراشي وإبراهيم عبد الهادي.

فقد تعلّم المصريون أساليب استفادوها من الروس والشيوعيين، الذين هم أئمة القمع والقهر والتعذيب في العالم. فقد مورست أساليب لم تعرف من قبل، ومنها أساليب غير أخلاقية.

ومن ذلك اعتقال النساء وتعذيبهن، كما حدث مع السيدة المؤمنة الصابرة زينب الغزالي، التي حكت عن تعذيبها في كتابها "أيام من حياتي" ما يشيب له شعر الوليد، وما يندى له جبين كل إنسان مصري وعربي.

 

ثالثًا: أن هذه المحنة كانت مفاجئة لجمهور الإخوان، فقد داهمتهم على غفلة، دون توقع منهم، ولا عمل قدموه يمكن أن يؤاخَذوا عليه، فقد كان أكثرهم منصرفًا إلى عمله المعيشي اليومي، يتقنه ويتكسب من ورائه: الموظف في وظيفته، والتاجر في تجارته، والزارع في زراعته، والمحترف في حرفته، والطالب في جامعته، وبحسبه أن يؤدي فرائض الله، ويجتنب محارم الله، ويتحرى الحلال، ويربي أولاده على طاعة الله، ويدع السياسة لأهلها، والدعوة لربها، على نحو ما قال عبد المطلب لأبرهة: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه!.

 

كان هذا هو اتجاه جمهور الإخوان بعد محنة 1954م -ـ 1965م، وهو الكمون والسكون، حتى تتغير الأحوال، وتواتي الفرصة. والتغيير حقيقة كونية، ودوام الحال من المحال، ومداولة الأيام سُنَّة قررها القرآن: "وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" [آل عمران: 140].

 

ولكن الإخوان فوجئوا -برغم اعتزالهم لأي نشاط سياسي أو حركي- بهذه الهجمة العامة التي لم تدع أحدًا له صلة بالإخوان إلا امتدت يدها إليه، حتى بعض من ضعف إيمانهم، وتراخت عزائمهم، ولم يكتفوا باعتزال النشاط الدعوي، بل أوسعوا الإخوان ذمًّا وتجريحًا، عسى أن يشفع ذلك لهم، فلم يغنِ عنهم ذلك شيئًا، وشمت بهم من شمت ممن نالهم أذاهم وتطاولهم من إخوانهم.

 

ولهذا ينظر الإخوان إلى هذه "المحنة" الهائلة المريرة على أنها من جانب آخر كانت "منحة" ساقها الله تعالى للإخوان، الذين أرادوا أن ينشغلوا بهمومهم المعيشية عن همومهم الدعوية، وأن يقول كل منهم: نفسي نفسي، فشاء الله تعالى أن يريهم أن اعتزالهم لواجب الدعوة لن ينفعهم، وأنها قد أصبحت مكتوبة على جبينهم، مقروءة في وجوههم، موصولة بحياتهم، لا تنفصل عنهم، ولا ينفصلون عنها، فليحملوها بإرادتهم واختيارهم، بدل أن يُحمّلوها رغم أنوفهم، ففي الحالة الأولى يؤجرون على كل ما يصيبهم في سبيلها، وتجد أنفسهم السكينة والرَّوْح كلما مسهم قرح، أو نزل بهم بلاء، فهو في سبيل الله، أما في الحالة الأخرى، فلا أجر فيها ولا مثوبة في الآخرة، ولا سكينة ولا راحة في الدنيا.

 

أسباب المحنة

ولقد فكرت وتأملت في سبب هذه المحنة الهائلة التي فُتِحت فيها النار على جماعة الإخوان من كل جانب، وسلطت عليهم آلات التعذيب الجهنمية، تحطمهم ماديًّا، وتحطمهم نفسيًّا، آلات تأكل من لحومهم، وتشرب من دمائهم، وتهشم من عظامهم.

 

لقد قلت: إن جمهور الإخوان لم يمارسوا أي نشاط، وهذه حقيقة لا ريب فيها، وقد كان بعضهم لم يزل في سجون عبد الناصر يقضون المدد المحكوم عليهم فيها بالأشغال الشاقة بعيدًا في "الواحات" بعد أن وقع ما وقع في "ليمان طرة" من مذبحة تحدثنا عنها في الجزء الثاني.

 

ولكن أجهزة عبد الناصر، أعلنت أنها اكتشفت "تنظيمًا سريًّا" خطيرًا جدًّا، يقوده "سيد قطب" ومعه مجموعة من الإخوان، منهم: الشيخ عبد الفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش، وعدد قليل آخر، منهم شخص اشتروه بالإغراء، والتأثير بالوعد والوعيد، والعفو عنه من حبل المشنقة -وهو علي عبده عشماوي- فخارت قوته، وانهزمت إرادته، فسقط في أيديهم فريسة سهلة، وأمسوا يلقنونه ما يجب أن يقول، فيذعن لهم، ويصبح رجع الصدى لما يقولونه.

 

وهذا الطريق من وقع فيه، فقد وقع في حفرة لا ينجو منها إلا إلى حفرة أشد منها عمقًا، ومن مضى فيه خطوة لم يستطع الرجوع عنها، ومن سقط السقطة الأولى ظل يسقط ويسقط، إلى ما لا نهاية، فقد غدا لا يملك من أمره شيئًا، غدا مسيّرًا لا مخيرًا، زمامه بيد غيره؛ لأن الذي يبيع نفسه للطاغوت؛ قد خسرها بالمرة، وهذا لون من الشرك بالله، الذي ينحط به الإنسان إلى أسفل الدركات "وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" [الحج: 31].

 

هذا التنظيم المحدود العدد، المحدود الإمكانية -الذي يقوم في الأساس على التوعية والتثقيف والإعداد الفكري والنفسي- قد هوَّلت أجهزة عبد الناصر من أمره، وجعلت "من الحبة قبة"، و"من القط جملاً"، كما يقول المثل، وأعتقد أن هذه الأجهزة هولت الأمر لعبد الناصر نفسه، وعرضت عليه الأمر عرضًا يضخم الواقع أضعاف ما هو عليه، فكأنما يراه بمجهر مكبر (ميكرسكوب) ، وذلك لتستخرج منه القرار المشئوم بإشعال تنور الأذى والعذاب.

 

وكثيرا ما تصنع الأجهزة الأمنية ذلك للقادة السياسيين، فتضللهم، وتدفعهم دفعًا، ليشعلوا معارك حامية لا لزوم لها، ولا فائدة منها، والمشكِل في الأجهزة الأمنية أنها لا ترتاح إلى مناخ الهدوء والاستقرار، فهي لا تبرز ولا تعمل ولا تتحرك بقوة إلا في جو التوتر والسخونة، فإذا برد الجو اجتهدت أن توقِد تحته حتى يسخن وتشتد حرارته.

 

وهي دائما تُشعِر الحاكم والقائد السياسي بالخطر الواقع أو المتوقع، حتى يشعر أبدًا بحاجته إليهم، وأنهم الذين يحمونه من تغير الجو الهادئ، إلى جو الريح العاصف، والرعد القاصف، والبرق الخاطف، وأنهم الذين يعدون له في هذا الجو سفينة الإنقاذ، وطوق النجاة. حاولوا أن يضفوا المبالغات على هذا التنظيم المحدود، فقالوا: إنه كان يخطط "لنسف القناطر الخيرية"! وهل يفكر في ذلك عاقل؟ وماذا يستفيد من ذلك إلا الهلاك والخراب؟ وإذا كان يريد أن يحكم البلاد، فكيف يخربها قبل أن يستولي عليها؟

 

وقالوا: إنهم يريدون اغتيال "أم كلثوم".. وهل يفكر في ذلك من له ذرَّة من عقل؟ وماذا ارتكبت أم كلثوم من جرائم تستحق عليها القتل؟ وهل يقتل عاقل إنسانة يحبها جماهير الشعب المصري -بل العربي كله- ويعرض نفسه لسخط عام دون حاجة لذلك؟!

 

المهم أن الحكومة كانت تملك من أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ما تستطيع به أن تغير الرأي العام إلى صفها، ولا سيما أن الخصم لا يملك أية وسيلة إعلامية يستطيع بها أن يدافع عن نفسه، ولو بأدنى دفاع، ومن المعروف أن الصحف كلها في مصر قد "أمّمت" وأصبحت ملك الدولة، فهي الناطقة باسمها، والمدافعة عنها، والمهاجمة لخصومها، ولا يمكن أن يعيَّن رئيس تحرير، أو سكرتير تحرير، أو يظل في منصبه، إذا شُك في ولائه للثورة ورجالها، ولو مثقال ذرة.

 

ولا توجد أية صحف معارضة، إذ لا يسمح بوجود أي حزب أو قوى سياسية، غير الحزب الواحد الذي يحكم البلاد، وهو "الاتحاد الاشتراكي"، فلتقل الحكومة ما تشاء، فلن يعارضها أحد، ولن يسائلها أحد، والمثل المصري يقول: هل يستطيع أحد أن يقول للغولة: عينك حمراء؟!

 

وقد بدأت هذه الجولة بالقبض على الأستاذ محمد قطب يوم 30 يوليو سنة 1965، ثم القبض على الأستاذ سيد قطب في 9 أغسطس التالي، وانطلقت بعد ذلك جحافل عبد الناصر تلقي القبض على آلاف الإخوان، وافتخر عبد الناصر فيما بعد بأنه قبض على ثلاثين ألفا في نصف ساعة!

 

وكان القبض على الإخوان المسلمين بتهمة أنهم يدبرون مؤامرة للعدوان على عبد الناصر وقتله، ويذكر الأستاذ موسى صبري -وهو كمسيحي لا يمكن أن يكون ضالعًا مع الإخوان- أن كل الثقات يؤكدون أن قضية الإخوان التي أُعدم فيها سيد قطب كانت من اختراع شمس بدران، وزبانية البوليس الحربي، وأنها مؤامرة وهمية، وأن التعذيب في هذه القضية هو قمة المأساة[1].

 

ويقرر الأستاذ محمد حسنين هيكل أن المعتقلين في هذه القضية وصلوا إلى عدة آلاف، وأن زوار الفجر كانوا يجمعونهم بغير رحمة، وقد تعرض الكثيرون منهم للتعذيب، وكان عبد الناصر يعرف ذلك، وقد أشرت إلى ما كتبت في الأهرام آنذاك إلى زوار الفجر، وانتقدت أعمالهم، فاستاء عبد الناصر مما كتبته في هذا الشأن، واتصل بي ليذكر أنني كنت قاسيًا فيما كتبت، وأن شمس الدين بدران الذي كان يشرف على تحقيقات الإخوان المسلمين وقتها غضب وقدَّم استقالته[2].

 

ويتحدث الرئيس أنور السادات عما أصاب الإخوان المسلمين في هذا العام فيقول: هُيئ للسلطة الحاكمة في ذلك الوقت أن الإخوان يتآمرون ليقوموا بثورة مضادة، وقد ذهب ضحية هذا التصور الكثيرون ممن يحصون بالألوف، وصدرت ضد الكثيرين منهم أحكام، وظل الجميع في المعتقلات أو السجون إلى أن صفيتُ العملية كلها، فأغلقتُ مباشرة بعد القضاء على مراكز القوى في سنة 1971، أما المحكوم عليهم -سواء من الإخوان أو أية قضية سياسية أخرى- فقد أطلقت سراحهم مباشرة بعد معركة أكتوبر سنة 1973م[3].

 

ويورد سامي جوهر في كتابه "الصامتون يتكلمون" تفاصيل أوسع عن هذه الحركة الوهمية وعن التعذيب الذي ارتبط بها فيقول: في سبتمبر سنة 1965 كانت أجهزة المباحث الجنائية العسكرية التابعة للمشير عامر وعلى رأسها أحد أعوان شمس الدين بدران -وهو العقيد حسين خليل- ادعت أنها كشفت مؤامرة يدبرها الإخوان المسلمون برئاسة سيد قطب، لقلب نظام الحكم بعد القيام بعمليات تخريب وتدمير في مختلف أنحاء البلاد، وتم القبض على الآلاف وزُج بهم في السجون، وبدأت عمليات تعذيب بشع لهم ليعترفوا بكل ما يملى عليهم[4].

 

وتأكيدا لما نقلناه عن هيكل بأن عبد الناصر كان يعرف ما يجري من صور التعذيب، يؤكد موسى صبري أن عبد الناصر كان يعلم بصور التعذيب قبل وقوعها وبعد وقوعها، وكان يحاط علما بأن البعض مات خلال التعذيب!

 

وينقل موسى صبري عن صلاح الشاهد واقعة نقلها صلاح الشاهد إلى جمال عبد الناصر، وخلاصتها أن سيدة فاضلة وقع عليها تعذيب مرير، وجيء لها بوحش في صورة إنسان ليهتك عرضها... ويقول صلاح الشاهد: إن عبد الناصر لما سمع منه تلك الشكوى نظر إليه بضيق شديد، وقال له: مالكش دعوة بالحاجات دي. هو حد من أقاربك اتعذب. الحاجات دي يشوفها سامي شرف[5].

 

حملة إعلامية ضخمة

لم تكتف السلطات الحاكمة باعتقال عشرات الآلاف من الإخوان، وإيداعهم في السجون المختلفة، وتعريضهم لألوان شتى من التعذيب البدني والنفسي، ومحاكمة أعداد منهم أمام محاكم عسكرية، وإصدار أحكام جائرة وقاسية على الكثيرين.. لم تكتف بذلك، بل سلطت أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية -وكلها تملكها- على جماعة الإخوان ودعوتهم وتاريخهم، لتفتري عليهم الكذب، وتشوه صورتهم وسيرتهم، أمام الشعب، ولا سيما الأجيال الناشئة التي لا ترى ولا تسمع إلا ما تريده الحكومة، ولا يملك الإخوان أن يردوا ولا أن يكذبوا، ولا أن يدافعوا عن أنفسهم، فالحكومة هي الخصم وهي الحكم. وقد جعلت كل السلطات في يدها، وهي سلطات عسكرية مائة في المائة، من الادعاء والتحقيق والقضاء والتنفيذ.

 

وكنت أتابع هذه الحملة الظالمة، وأراها تتعمد الكذب على البرآء، والتزوير في الوقائع، ولا أملك إلا أن أحَوْقل وأسترجع، وأنشد قول الشاعر:

لي حيلة فيمن يسمّ، وليس في الكذاب حيلة

من كان يخلق ما يقو ل، فحيلتي فيه قليلة

 

حتى "منبر الإسلام"

وكان من أشد ما ساءني وآذاني: ما رأيته في مجلة "منبر الإسلام" التي كانت تصدر من وزراة الأوقاف قديمًا، وكنت أكتب فيها بتوقيع "يوسف عبد الله" وقد أمست تصدر الآن عن "المجلس الأعلى للشئون الإسلامية" الذي يديره الضابط المعروف توفيق عويضة أمينه العام، والذي كانت تعلو كلمته على كلمة وزير الأوقاف إذا تعارضتا.

 

أصدرت المجلة ملحقًا خاصًّا مثيرًا، عنوانه: "رأي الدين في إخوان الشياطين"! وقد كتب فيه عدد من العلماء والمشايخ، كنت أربأ ببعضهم أن ينساقوا في هذا التيار، ويُستخدَموا أدوات في أيدي الظلمة الجبارين[6]. وقد قال تعالى: "وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ" [هود: 113].

 

وجاء في حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء!" قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون بعدي، لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني، ولست منهم، ولا يردون على حوضي"[7] ؛ ولهذا كان السلف يحذرون من مجرد الدخول على الظلمة، أو السلام عليهم، أو الدعاء لهم، وقال الحسن البصري: من دعا لظالم بطول البقاء، فقد أحب أن يُعصَى الله في أرضه!.

 

ورأينا القرآن أشرك مع فرعون وهامان جنودهما، فقال: "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [القصص: 8] إذ لولا جنود فرعون، ما أمكنه التسلط على خلق الله، وقهرهم والتجبر عليهم، والجندية قد تكون بالسيف، وقد تكون بالقلم، ولعل جندي القلم أشد خطرًا من جندي السيف؛ لأنه بعلمه يضلل الكثيرين عن الحق، ويزين لهم الباطل.

رأيت من كتب كتابة علمية عن الحركات السرية والباطنية في التاريخ، ولم يذكر كلمة عن الإخوان، وهو الدكتور أحمد شلبي، وقد ذكر أنهم لاموه على ذلك، بل عنفوه، ورأيت من كتب كتابة يقارب فيها ويجامل، ويبدو أنه مضغوط عليه، وأنه تحت سياط الخوف كتب ما كتب. وكأنما يعتذر بقول الله تعالى: "إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ" [النحل: 106].

 

ورأيت من كتب طامعًا في رضا فرعون وملئه عنه، ولم يجعل لله ولا للآخرة نصيبًا فيما يذكر، فهو يقول السوء، ويشيع الزور، ويلبس الحق بالباطل، ابتغاء زينة الحياة الدنيا، ومتاعها الأدنى، وقد قال تعالى: "مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 15، 16].

 

كم غلى صدري، وتقطع كبدي، وأنا أقرأ لبعض هؤلاء الذين يلبسون لبوس علماء الدين، وحملة القرآن، وما لهم من الدين إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، ولا من العلم إلا قشوره، فليسوا من الراسخين في العلم، ولكن من الذين في قلوبهم زيغ.

 

هؤلاء هم الذين قال فيهم الحسن البصري: والله، لقد رأيناهم صورًا ولا عقول، وأجسامًا ولا أحلام، فَراش نار، وذِبَّان[8] طمع، يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز!![9] ، فويل لهؤلاء مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون!

 

تنبيه على أمرين مهمين

وأود أن أوضح هنا أمرين:

أحدهما: أن جماعة الإخوان التي يرأسها الأستاذ الهضيبي وقتها، لم تؤسس هذا التنظيم، وليست هي المسئولة عنه، وإنما يُسأل عنه العدد المحدود الذين دعوا إليه ونظموه،

ومن الظلم أن تحمَّل جماعة كبيرة كالإخوان وزر فئة محدودة منها، لم تلتزم بخطها، ولم تأخذ إذنًا من مرشدها العام، كما أن جماعة الإخوان غير موجودة قانونًا، ومحلولة رسميًّا، فلا يجوز أن يُنسَب إليها أي عمل، والأفراد ينبغي أن يحملوا جزاء ما عملوا بصفتهم الفردية.

 

والثاني: أن هذه الأشياء التي ذكروها في اتهام هذا التنظيم -إن افترضنا صحتها- لم يُنفَّذ منها شيء على أرض الواقع، وقد قيل: إن بعضهم كتبها على ورقة، باعتبارها أشياء يفكر فيها، أو مقترحات قد يعرضها على غيره، أو نحو ذلك.

 

والإنسان إنما يُسأل -شرعًا وقانونًا- عما يعمله بالفعل، أو يشرع في عمله، ويأخذ في ذلك خطوات للتنفيذ، أما أحاديث النفس وخواطرها، وما يدور بتفكيرها، فلا يحاسب عليها الدين، ولا يحاسب عليها القانون.

وفي الحديث الصحيح: "إن الله عفا عن أمتي ما حدثت بها أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم" رواه مسلم.

 

..................

 

[1] وثائق 15 مايو، ص 321.

[2] لمصر لا لعبد الناصر، ص43.

[3] البحث عن الذات، ص179.

[4] الصامتون يتكلمون، ص77.

[5] - وثائق 15مايو، ص 317، 318. وانظر موسوعة التاريخ الإسلامي للدكتور أحمد شلبي (9/679-687).   

[6] من الأسماء التي ساءني أن أراها في هذه القائمة: الشيخ عبد الله المشد، والأستاذ أنور الجندي، والمعروف أنه من الإخوان، ولكن يبدو أن الضغط كان شديدًا !.

[7] رواه أحمد واللفظ له، والبزار ورواتهما محتج بهم في الصحيح، ورواه الترمذي (2256) وقال: حسن صحيح غريب.

[8] ذِبَّان: جمع ذبابة، وهي التي ينطقها العامة: دبّان، بقلب الذال دالاً.

[9] ذكره أحمد في مسند النعمان بن بشير، تعليقًا على الحديث (18404).