(94) السنة الدراسية (1967 - 1968م)

نشر بتاريخ 01 Jan 2017 الزيارات 1091
د. توفيق الشاوي

د. توفيق الشاوي

ميلاد ابني محمد:

في هذه السنة، وفي منتصف شهر أكتوبر: ولد ابني محمد الذكر الأكبر من أبنائي، وكان لولادته فرحة عارمة، لا في قلب أسرتنا فقط، ولكن في الدوحة كلها، فقد كان الناس مهمومين بأمري، ويدعون لي أن يرزقني الله بإخوة لبناتي الأربع، ولقد استجاب الله الدعاء.

 

ولا أنكر أني - ووالدته - فرحنا بمقدمه، وسررنا له سرورًا خاصًّا، بحكم الطبيعة البشرية، فكل الناس يحبون أن يكون لهم أولاد من الجنسين وخصوصًا من الذكور، فهم الذين يخلدون اسم الأب، وبهم يضمن استمرار العائلة، وبدونهم تنقرض العائلة بعد جيل واحد، وهذا ما جعل الشاعر العربي يقول:

بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا         
 

 

بنوهن أبناء الرجال الأباعد!
 

 

 

 

 

 

على أن الأولاد جميعًا - بنين وبنات - إنما هم هبات المولى ززز لعباده، كما قال في كتابه: {لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ 49 أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} [الشورى: 49، 50].

 

وأذكر أن أحد مشايخي الذين كنت أعتز بهم، وأكن لهم الكثير من مشاعر الحب والتقدير، قد نصحني بعد أن رزقت بابنتي الرابعة أسماء: أن أكتفي بذلك، وأقف عند هذا الحد، ولا داعي لتكليف أم العيال بالحمل والولادة! ومما قاله لي: يبدو يا شيخ يوسف، أن حظك في البنات، وهن خير وبركة، فارض بما قسمه الله لك، وادع الله أن يبارك لك فيما أعطاك، ورُبَّ أنثى خير من عدد من الذكور.

 

ولم أشأ أن أعترض على شيخي، أدبًا واحترامًا، ولكني لم أقتنع بما قاله لي، ولا سيما قوله: «ارض بما قسمه الله لك»! فمن أين أعلم: أن الله قسم لي الإناث دون الذكور؟ وما زال باب الرجاء في فضل الله مفتوحًا، وأنا في الثلاثينات من العمر، وزوجتي في العشرينات، وما زلنا قادرين على الإنجاب؟

 

هذا إلى أن الامتناع عن الإنجاب قصدًا غير محمود في مثل سننا ووضعنا، وقد اختلف الفقهاء في حكم العزل عن الزوجة - وهو من أسباب عدم الحمل - فمنهم: من أباحه بشروط، ومنهم: من كرهه، ومنهم: من حرمه، وعَدَّ من «الوأد الخفي».

 

إنما يقال للإنسان: ارض بما قسم الله لك، فيما أصبح أمرًا ثابتًا، ولا يمكن تغييره، كما إذا خلقه الله أسود اللون، فلا ينبغي له أن يتحسر على أنه لم يولد أبيض البشرة! وكذلك إذا كان قصير القامة، أو مصابًا بعاهة دائمة مثل: العمى، أو كان محدود الذكاء، فهذه الأشياء وأمثالها هي التي يجب على المرء أن يرضى بها، فهي التي قسمها الله له، ولا يعيش متمنيًا ما لا يكون.

 

وقد ورد في أسباب نزول القرآن: أن النساء تمنين أن يكون لهن مثل ما للرجال في كل شيء، وهذا مخالف لمقتضى الفطرة، فنزل قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡ‍َٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} [النساء: 32].

 

على كل حال، كانت هذه نصيحة شيخي ححح، وقد قالها من باب الإشفاق عليَّ، ولكن القدر خيب ظنه، ورزقت بمحمد، ثم بعد محمد بابنين آخرين، هما: عبد الرحمن، وأسامة، فكما تتابع البنات الأربع، تتابع الذكور الثلاثة، والحمد لله على ما أعطى، اللهم ما أصبح وأمسى بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر.

 

ومما شرعه النبي صصص لأمته: العقيقة، وهي ذبيحة من الغنم تذبح تقربًا إلى الله تعالى، وشكرًا على نعمائه، يوسع المرء بها على أهله وأولاده، ويهدي منها لأقربائه وأصدقائه، أو يدعوهم للأكل منها، ويوزع جزءًا منها على الفقراء والمساكين، ليشركهم في أفراحه ومسراته.

وبعض المذاهب الإسلامية ترى أن يذبح عن الابن الذكر شاتين، وقد ورد في ذلك حديث نبوي شريف(1)؛ لأن الناس يفرحون بالذكر أكثر، فعليهم أن يبذلوا مقابل هذه الفرحة، فيما فيه خير للناس.

 

والحمد لله، كانت عقيقة محمد: أربع خراف، اجتمع عليها الأصدقاء والأحبة من المصريين والقطريين والفلطسينيين وغيرهم ممن يقيمون في قطر، حتى قال بعضهم: لقد دعينا إلى عقائق كثيرة، ولكن لم نذق ألذ ولا أحلى من هذه العقيقة! قلت: إنما حلّاها الحب، أما سمعتم المثل القائل: بَصَلةُ الْمُحِبّ خروف؟ فماذا يكون خروف المحب؟!!

 

وأود أن أقرر حقيقة هنا، وهي: أني - برغم شوقي إلى الأبناء الذكور وفرحتي الغامرة بابني الأول - لم ينل ذلك من حبي لبناتي الأربع، ولم يتغير قلبي من ناحيتهن، ولم أسرف في تدليل ابني الأول، كما هو المعتاد في مثل هذه الأحوال، التي يفقد فيها الآباء والأمهات فيها قيمة العدل والمساواة بين الأولاد، لا سيما مع المولود الأول، أو الابن «الذكر» الأول، أو المولود الأخير، الذي يقولون عنه: آخر العنقود، سكر معقود!

 

فأشهد الله تباركت أسماؤه: أني لا أحس بأي تفضيل لأحد من أولادي - ذكورًا وإناثًا - على أخيه أو أخته، وكثيرًا ما سألني الصحفيون في حوارتهم: أي الأولاد أحب إليك أو أقرب إلى قلبك؟ فأقول لهم: كلهم حبيب إلى، قريب إلى قلبي، لا يوجد «أفعل تفضيل» بين بعضهم وبعض، وهذه حقيقة أعلنها صراحة وأشهد الله عليها.

 

ولكني أشهد هنا شهادة مهمة أيضًا، وهي: أن البنات نالهن من اهتمامي أكثر مما نال الأبناء الذكور. وسبب ذلك: أن الذكور رزقت بهم، في فترة الانطلاق والانتشار في العالم، فلم أفرغ لهم كما فرغت لأخواتهم. وربما أردك محمد بعض هذا الاهتمام في سنواته الأولى أكثر من أخويه.

 

فقد كنت آخذه إلى المدرسة معي في سيارتي، وكانت مدرسة أبي بكر بجوار المعهد الديني، وكنت أسمع له القرآن في ذهابي به، بل كنت آخذه عدة مرات في المساء ليشارك في ألعاب «الجمباز» في المدرسة، وكان جسمه رياضيًّا، واستعداده جيدًا.

 

كما أعترف هنا بأمر آخر، وهو: أني خلال أسفاري، في بلاد العالم، وخصوصًا أوروبا وأمريكا والشرق الأقصى، كنت أحاول أن أعود حاملًا الهدايا لزوجي وأولادي. وكان الذي يزعجني دائمًا: أن (90%) من المحلات التجارية الكبرى، تخص البنات والنساء، فأشتري لهن ما شاء الله، ولا أكاد أجد ما يصلح للأبناء. وهو أمر كان يحز في نفسي كثيرًا، ولا أجد له حلًّا. وكثيرًا ما كنت أصارحهم بذلك، حتى لا أتهم بالتحيز للبنات، مع أن الآباء يتهمون عادة بأنهم أميل إلى الذكور منهم إلى البنات.

 

ولقد كانت طفولة محمد هادئة وسوية ومريحة بفضل الله تعالى، ولم يحدث فيها ما يزعج أو يقلق، بل مرت خفيفة لطيفة، كما تمر نسمات الصباح في أيام الربيع.

ولم يكن أخواته البنات يشعرن بغيرة منه، أو منافسة له، أو نحو ذلك، بل كن جميعًا يحببنه ويتنافسن على حمله، وفي أسفارنا كانت كل واحدة تحرص على أن يكون له حظ في حمل «ميمي» وهو اسم «الدلع» أو التدليل كما يقول المصريون، وكان محمد إذا سئل عن اسمه، يقول: أنا «ميمي ضاوي» أي محمد القرضاوي...

 

ومن الطرائف: أن إحدى صديقات الأسرة، كانوا ينادونها: «تانت ميمي» فاتصلت مرة بالهاتف، ورد عليها محمد، وقالت له: قل لماما: تانت ميمي، فقال محمد لأمه: تانت محمد تطلبك، ظن أن كل «ميمي» اختصار لمحمد!

 

ولا أجد مانعًا شرعيًّا في هذا التدليل الذي يستخدمه المصريون وغيرهم في مخاطبة الأطفال، وقد كان العرب قديمًا، يفعلون ما يشبه ذلك عن طريق تصغير الأسماء تصغير «تمليح» كما يقول العلماء، فيطلقون على عامر: عويمر أو عمير. وعلى زينب: زوينب، كما كان عندهم طريقة الترخيم في النداء بحذف آخر الكلمة، فبدل أن يقال: «يا صاحب»، يقال: يا صاح. وبدل «يا فاطمة» يقال: فاطم!

وكان الرسول يدلل بعض الأولاد بالتكنية كقوله لابن أبي طلحة: يا أبا عمير، ما فعل النّغير؟!

 

إجازة صيف (1968م):

كنا حين يحل موعد الإجازة الصيفية، نهرع للفرار من قيظ قطر، بعد أن جربته في صيف سنة (1965م)، وجر عليَّ ما جر من متاعب صحية، ووجدت الشفاء في جو لبنان المنعش الجميل، ولا سيما جو جبال لبنان.

وفي صيف هذه السنة (1968م) بادرنا منذ أول الإجازة بالسفر إلى لبنان، لنقيم بها أيامًا، ثم نحزم أمتعتنا إلى إستانبول التي أنسنا بجوها وبوسفورها وجبالها وخضرتها ونضرتها، كما استمتعنا بجوامعها وحدائقها وأسواقها ومتاحفها، وسعدنا أكثر بأهلها وسكانها؛ ولذا صممنا على أن نعود إليها مرة أخرى، وقد عرفنا الطريق إليها، وحفظنا مدخلها ومخرجها.

 

كتابان لي أعدا للنشر:

وأقمنا في سوق الغرب في فندق فاروق الذي ألفناه وألفنا، حتى نرتب السفر إلى تركيا، وحتى أتصل بدور النشر التي أتعامل معها، لنشر ما أعددته من كتب، وكان معي - على ما أذكر - أصول كتابين لي: الأول: كتاب سياسي: «درس النكبة الثانية: لماذا انهزمنا وكيف ننتصر؟» سلمته لدار الإرشاد لنشره، وقد نشرت لي من قبل: «الإيمان والحياة»، والطبعة الثانية من كتابي: «العبادة في الإسلام». والمقصود بالنكبة الثانية: نكبة (1967م)، ولم أشأ أن أسميها: «النكسة»، كما سمّاها الثوريون العرب، إذ لم ينتصروا قبل ذلك حتى ينتكسوا! وأما النكبة الأولى فهي نكبة (1948م). والكتاب الثاني: كتاب أدبي، وإن لم يكن موضوعه بعيدًا عن السياسة، وهو: مسرحية «عالِم وطاغية».

 

مسرحية «عالِم وطاغية»:

كنت قد كتبت قديمًا - وأنا في معتقل هايكستب والطور سنة (1949م) – مسرحية تاريخية تجسد قصة العالم الفقيه المؤمن المجاهد: سعيد بن جبير أحد أصحاب ابن عباس، مع الطاغية الجبار الظلوم: الحجاج بن يوسف، وكيف قتله سفاح بني أمية. وكنت تركتها مع بعض الإخوان في الطور، حيث كنت في أول فوج أفرج عنه. وعلمت أن الإخوان الذين بقوا في الطور مثلوها، وقد لاقت استحسانًا وقبولًا.

 

وكانت أصول هذه المسرحية قد ضاعت تمامًا، ولم أفكر في كتابتها من جديد، إلا بعد الحكم بالإعدام على سيد قطب، وتنفيذ هذا الحكم، برغم نداءات المسلمين، وشفاعات الشافعين، في كل مكان. فقام لدي دافع قوي لأعيد كتابة هذه المسرحية التاريخية، لإسقاط التاريخ على الواقع، وكأنما هي دفاع أدبي عن الشهيد سيد قطب ححح. فكتبتها ونشرتها بعنوان: «عالِم وطاغية» العالم هو: ابن جبير، والطاغية هو: الحجاج. وبعد كتابتها سلمتها إلى «دار الإرشاد» في بيروت لنشرها، في صيف (1967م) - على ما أذكر - وقد طبعت مرات عدة: في بيروت وفي مصر، وفي الجزائر وغيرها، كسائر كتبي.

 

وأحمد الله تعالى: أن قراءها استحسنوها وأثنوا عليها، وقد مثلت في عدد من البلدان، أولها: قطر، فقد مثلها طلاب المعهد الديني - الذي كنت مديره - وكان مخرجها الزميل أحمد اليازوري مدرس الإنجليزي، الذي كان يعرف شيئًا في فن الإخراج، وقد نجحت في ذلك الوقت. ثم مثلت بعد ذلك بسنوات على يد محترفين في المسرح التربوي، كما مثلت في عدد من الأقطار منها: اليمن، ولبنان، وغيرهما.

 

وكان هذا هو العمل الأدبي الثاني، الذي أكتبه في صورة «مسرحية». فقد كان العمل الأول «مسرحية شعرية» أنشأتها في عهد مبكر، وأنا في السنة الأولى الثانوية. وهي تمثل قصة سيدنا يوسف بن يعقوب سسسب، وسميتها: «يوسف الصديق»، وقد تحدثت عنها في الجزء الأول. ولم تمثل هذه المسرحية؛ لأنها تتعلق بنبي ورسول من أنبياء الله ورسله. وقد أجمع العلماء في مصر وغيرها من بلاد الإسلام على أن رسل الله لا يمثلون.

ولم أجرب قلمي في ميدان «القصة القصيرة» أو «الرواية»، وأظن أني حاولت ذلك في فترة مبكرة من عمري، فلم يسلس لي قيادها، وكان الشعر غالبًا عليَّ، وكل ميسر لما خلق له.

 

كما سلمت الجزء الأول من سلسلة: «حتمية الحل الإسلامي» لمؤسسة «الرسالة» التي أنشأها صديقنا الأستاذ رضوان دعبول، الذي جاء حديثًا من المملكة السعودية، وكان يعمل بها مدرسًا للرياضيات، ولكنه آثر أن يستقيل، ويعمل في مجال النشر، وكنت من أوائل من تعامل معه قبل أن تتضخم مؤسسته، ويذيع صيتها، وتنشر الموسوعات الحديثية وغيرها، مثل: «موسوعة مسند الإمام أحمد»، في (50) مجلدًا، و«تهذيب الكمال» في (35) مجلدًا، و«سير أعلام النبلاء» في (25) مجلدًا، و«صحيح ابن حبان» في (18) مجلدًا، وغيرها من كتب الفقه والتفسير والتاريخ اللغة، وغيرها من الفنون.

 

وبعد أيام من إقامتنا في لبنان: أخذنا الطائرة إلى «أضنه»، ولم نقم بها أكثر من ليلة واحدة، فقد زرنا معالمها السياحية في الإجازة الماضية، وفي الصباح أخذنا الحافلة السياحية، إلى أنقرة وبتنا بها ليلة، لنأخذ طريقنا في الصباح إلى إستانبول، ولم نخطئ كما أخطأنا في المرة الماضية، لننزل في البر الآسيوي، ولكنا نزلنا في البر الأوروبي، ونزلنا في فندق «كنت» في «أقصراي» بالقرب من «جامع بايزيد» وكانت تكفينا حجرتان: حجرة لنا، وحجرة للبنات.

 

ولكن تميزت هذه الزيارة عن زيارة العام الماضي: أن كان معنا ابننا محمد، وكان عمره نحو تسعة أشهر، فكانت أمه وأختاه الكبيرتان «إلهام وسهام» يتعاقبن على حمله.

وكان الأخ الحبيب د. مصطفى بلجه قد دعاني والأسرة، لنقيم في بيتهم الذي تملكه العائلة في منتجع «يكجك» الذي أقمنا فيه أيامًا في الصيف الماضي، وقد استجبت لدعوته، وقبلت ضيافته شاكرًا ومقدرًا ولكن لمدة شهر فقط، على أن نبدأ ذلك بعد عدة أيام.

 

ندوة إخوانية بحثية في إستانبول:

وكنا قد اتفقنا - أنا وعدد من الإخوان المصريين خاصة - أن نلتقي في مدينة إستانبول، لنتدارس بعض القضايا المهمة الخاصة بالدعوة، ونقدم فيها ورقات للبحث والمناقشة. وكان الغالب على هذه القضايا: الجانب الفكري وتأصيل المفاهيم. وخصوصًا بعد أن دار جدل حام بين الإخوان بعد محنة (1965م)، داخل السجون، وخارجها، وطار رذاذ منه إلى الخارج، وحدث التباس في عدد من القضايا، مثل: قضية «الجاهلية»، وقضية «الحاكمية»، وقضية «التكفير» وغيرها.

 

وقد مرت بالجماعة ثلاث محن كبيرة في تاريخها: محنة في عهد الملكية، ومحنتان أكبر منها وأقسى في عهد الثورة، كل محنة أكبر من أختها.

ومن حق الجماعة، بل من واجبها: أن تراجع نفسها، وتقوِّم مناهجها، على غرار ما تفعل وزارات التربية، والجامعات، والمؤسسات المختلفة، في ضرورة مراجعة فلسفتها ومناهجها وسياساتها كل مدة من الزمن، لعلها تجد خللًا فتسده، أو نقصًا فتكملة، أو عيبًا فتصلحه، أو خطأ فتصححه، وإن جماعة مضى على تأسيسها أربعون عامًا، لهي أجدر بأن تراجع نفسها، وتُقَوِّم مسيرتها، طلبًا للتصحيح والتصويب والتعديل والتكميل والتحسين، والمؤمن دائمًا ينشد الأمثل والأحسن، كما قال تعالى في وصف المهتدين من أولي الألباب: {ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُ} [الزمر: 18].

 

وقد شاركت في هذه الندوة بورقتين، إحداهما حول «التقليد والتمذهب في الفقه» والأخرى حول «التصوف والصوفية» ومحاولة تحرير موقفنا من هذين الأمرين.

وكان المشاركون في هذه الندوة على ما أذكر: د. توفيق الشاوي، والأستاذ هارون المجددي، والأستاذ عبد البديع صقر، والشيخ أحمد العسال، ود. صلاح شاهين، وآخرين لم أعد أذكرهم لطول الزمن.

وكان لقاءً خصبًا ونافعًا، نناقش فيه الموضوعات بكل حرية، بعيدًا عن ضغط السلطان، وعن ضغط الجماهير أيضًا، وكثيرًا ما يكون ضغط العامة على الخاصة، أو ضغط الجماهير على أهل العلم والفكر: أشد خطرًا من ضغط الحكومات.

 

ولذا كان التوجيه القرآني: {قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} [سبأ: 46]، ومعنى: {مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ}: أن يفكر كل فرد مع رفيقه أو يخلو إلى نفسه، أي بعيدًا عن تأثير العقل الجمعي، وهنا نحن في جوّ حر حرية تامة، لا ضغط علينا من الخارج، ولا من الداخل، أي لا ضغط من الحكومة، ولا من الجماعة.

 

وكان الذي دفعنا إلى هذا اللقاء: شعورنا المشترك بأن الجانب الفكري في الجماعة، يجب أن ينمَّى وأن يؤصل، وأن ننتقل من سيحان «النزعة العاطفية» إلى انضباط «العقلية العلمية»، وأن نساعد على أن تفرز الجماعة: أجيالًا من «العلماء»، الذين يتميزون بالتدقيق، لا من «الخطباء» الذين يُعرفون بالإثارة. وفي بعض الآثار الواردة: إنه «سيأتي على الناس زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه»! وحتى لا تفهم الجماعة بأنها تغلب عليها «ثقافة المنابر»!

وبعد لقائنا عدة أيام لا أذكر عددها، انصرفنا على أن نكرر هذه الندوة كلما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، ولكن المؤسف أننا لم نكررها، ربما لأن الظروف والأوضاع لم تساعدنا على ما نريد.

 

إلى منتجع يكجك:

بعد أن فرغنا من ندوتنا: أخذنا حقائبنا، لنذهب إلى «يكجك» في الجانب الآسيوي من تركيا، وهذا يقتضي أن نجتاز «البوسفور» بالباخرة، التي تنقلنا من شاطئ إلى شاطئ، أو من أوروبا إلى آسيا، من مرسى «قاضي كوي» إلى مرسى «كرا كوي».

 

وكان الذي تولى نقلنا الأخ الكريم الحبيب المعطاء دائمًا الدكتور طه الجوادي، الذي طالما وضع سيارته المرسيدس في خدمتنا، جزاه الله عنا خيرًا.

وبعد ذلك عرفنا الطريق من «يكجك» إلى إستانبول، وهو استئجار تاكسي، ليحملنا إلى «كرا كوي» ثم نأخذ الباخرة إلى البر الآخر، وهناك نكون في قلب إستانبول، وفي المنطقة الحية منها، فأحيانا نمشي على أقدامنا، وأحيانًا نستأجر سيارة.

وكنا ننزل في إستانبول معظم الأيام، لنتنزه في حدائقها، أو نتجول في أسواقها، أو نصلي في مساجدها، أو نتفرج على متاحفها، وفي آخر النهار نعود إلى منزلنا في يكجك.

 

ضياع ابنتي أسماء ثم وجدانها:

وفي أحد الأيام حدثت واقعة لا أنساها ولا تنساها أسرتي، وهي: ضياع ابنتي أسماء منا، ثم وجدانها. فقد كنا في مرة من مرات نزولنا إلى إستانبول، في إحدى الحدائق الشهيرة القريبة من جامع السلطان أحمد وجامع آيا صوفيا، وتسمى: «جول هانا»، ومعنى «جول»: الزهر، و«هانا»: خانة، أي مكان، ومعنى العبارة: حديقة الأزهار، وكانت الحديقة تحتوي أراجيح للعب الأطفال، وأدوات مختلفة للهوهم ولعبهم، وكان كثير من الأتراك يذهبون إليها في إجازة نهاية الأسبوع ليقضوا يومهم في رحابها، يتناولون طعامهم بها، ثم ينصرفون مساء اليوم عائدين إلى منازلهم.

قضينا نهارنا في الحديقة، ننعم بخضرتها، وتستمتع البنات باللعب والقفز والجري في الحديقة الرحبة تحت أعيننا ورقابتنا.

 

وبعد العصر، وبعد أن شبعت البنات لعبًا وتزحلقًا وركضًا، قمنا لنأخذ طريقنا للعود إلى مقامنا في يكجك، ومضينا نمشي رويدًا رويدًا في الحديقة الواسعة، وقبل أن نصل إلى باب الحديقة، عرجنا على صنابير للماء العذب، فقلنا: نتزود بالشرب منها قبل العودة، ومرت دقائق معدودة في هذه التعريجة، ثم انطلقنا، لنكتشف أن ابنتنا الصغرى أسماء غير موجودة. أين أسماء؟ التفتنا يمينًا وشمالًا، وبحثنا عنها هنا وهناك، وظللت أركض ركض الحصان في أنحاء الحديقة، وكنت لا أزال بقوتي، فلم نجد لها أثرًا، حاولنا أن نعلن عنها في ميكروفون الحديقة، ولكن كانت مشكلة اللغة، فوجدنا أحد الإخوة العراقيين الذين يعرفون التركية، ليعلن عن طفلة عمرها كذا، وتلبس ثيابًا لونها كذا ... ولم يرد علينا أحد.

 

يا للمأساة! أنأتي لنشم الهواء، فنضيّع ابنتنا وفلذة كبدنا؟ ما أقساه من شعور، وما أمرّه من إحساس! أخطفت البنت أم تاهت؟ وأين تاهت؟ وكيف نجدها؟ هل يمكن أن تضيع البنت منا ولا تعود؟ يا للهول! أنسافر بابنتنا وهي ملء السمع والبصر، ثم نعود بغيرها؟ والأدهى من ذلك والأمر: أننا لا نعرف مصيرها: أفي الأحياء أم في الأموات؟ لقد مر وقت عليَّ وعلى أمها لا يعلم إلا الله مدى صعوبته علينا، ومرارته في حلوقنا. اللهم رد إلينا ابنتنا يا ذا الجلال والإكرام. يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث. ودعوت بدعاء ذي النون حين نادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. وقد جاء في الحديث: «دعوة أخي ذي النون: ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه».

 

وقلنا: لم يبق إلا أن نبلغ الشرطة، لنشركهم معنا في البحث عنها، وكان قسم الشرطة قريبًا منا، فذهبنا إليه مشيًا على أرجلنا، وأبلغناه بالحادث، ورجوناهم أن يساعدونا في نكبتنا، وكان الأخ العراقي الذي يعرف التركية معي لم يفارقني، شهامة منه، وتقديرًا لحاجتنا إليه، ليقوم بالترجمة نيابة عنا، وبالفعل أرسلو إشارة إلى الأقسام المختلفة في المدينة، ليبلغوهم عن أي معلومات تتعلق بالطفلة المفقودة.

 

وعدت إلى أسرتي حيث بقيت منتظرة في الحديقة، وأخبرتهم بإبلاغنا للشرطة، ووعدهم بأنهم لن يدخروا وسعًا في البحث، وسيخبروننا بأي جديد يحصلون عليه.

 

وبقينا وقتًا ننتظر جوابًا، وأمست قلوبنا معلقة بهذا الأمل، ونحن دائمو التضرع إلى الله، ندعوه دعاء المضطر أن يرد إلينا ابنتنا الحبيبة، وأن لا يردنا عن بابه خائبين. وبعد مرور ما يقرب من الساعتين، مرتا كأنهما دهر طويل، ذهبنا - أنا والأخ العراقي الشهم - لنراجع القسم، فقال المسئول: أبشروا! البنت موجودة في قسم شهرمينا، وفي حالة طيبة، وقد أبلغناهم أن يحتفظوا بها، حتى تذهبوا إليها لتتسلموها، وسجدت لله تعالى شكرًا، وحمدًا لله جل شأنه أن استجاب لدعائنا، ورحم ضعفنا، فالحمد لله رب العالمين، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه.

 

عدت لأبشر زوجتي وأولادي؛ أننا وجدنا الحبيبة أسماء، وأن علينا أن نذهب لأخذها من القسم، وبعد ذلك نعود إلى منزلنا في منتجع يكجك.

ووصلنا - أنا والأخ العراقي - إلى قسم شهرمينا بسيارة أجرة، وكان بعيدًا كثيرًا عن المكان الذي نحن فيه، ودخلنا القسم، فوجدنا «أسماء» يداعبها بعضهم، ويحاولون أن يهدئوا من روعها، ويطمئنوها حتى يأتي أهلها، وقد وضعوا في يدها بعض القروش التركية.

 

وكان الأخ العراقي يترجم بيني وبينهم، وقد فهمت منه ماذا حدث. لقد كنا كلنا نمش خارجين من الحديقة، ثم توقفنا هنيهة لشرب الماء، ولكن أسماء لم تنتبه لتوقفنا، وظلت تمشي منطلقة إلى الباب، حتى خرجت من الحديقة، وبمجرد خروجها من الحديقة أحست أنها تمشي وحدها، وأن أحدًا ليس معها، فوقفت تبكي، فرآها أحد المارة تبكي، وكلمها فعرف أنها عربية ولا تحسن التركية، وكان الرجل طيبًا، فخاف عليها أن تقع في يد شريرة، فأخذها في يده، وكان هو عائدًا إلى منزله في شهرمينا، ومن هناك ذهب إلى قسم الشرطة ليسلمها إليهم، ويحكي لهم كيف وجدها، وكيف أخذها.

 

وعدت بابنتي أسماء - أنا والأخ العراقي - إلى الحديقة، حيث ينتظرنا الأسرة، فما أن رأوا أسماء حتى احتضنتها أمها باكية من الفرح، وسر بها أخواتها، وعاد الانتعاش والبهجة إلى الأسرة، وشكرنا أخانا العراقي الكريم الذي وضع نفسه في خدمتنا، وهو لا يعرف عنا شيئًا، إلا أني عربي مسلم. أسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته.

ثم بدأنا رحلتنا المعتادة من إستانبول إلى مقرنا في يكجك، فرحين بفضل الله ورحمته.

وبذلك ختمت هذه القصة الدرامية، التي أرهقتنا ساعات معدودة، ولكنها مرت بطيئة كأنها شهور!

 

....................

 

(1) رواه أحمد (6698)، والنسائي (4212) عن عبد الله بن عمرو.