الضرورات تبيح المحظورات

نشر بتاريخ 10 Jan 2017 الزيارات 678

د. يوسف القرضاوي

 

ضيق الإسلام دائرة المحرمات، ولكن بعد ذلك شدد في أمر الحرام، وسد الطرق المفضية إليه، ظاهرة أو خفية، فما أدى إلى الحرام فهو حرام، وما أعان على الحرام فهو حرام، وما احتيل به على الحرام فهو حرام. إلى آخر ما ذكرناه من مبادئ وتوجيهات. بيد أن الإسلام لم يغفل عن ضرورات الحياة وضعف الإنسان أمامها، فقدر الضرورة القاهرة، وقدر الضعف البشري وأباح للمسلم -عند ضغط الضرورة- أن يتناول من المحرمات ما يدفع عنه الضرورة ويقيه الهلاك.

 

 ولهذا قال الله تعالى -بعد أن ذكر محرمات الطعام من الميتة والدم ولحم الخنزير- "فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (البقرة:173). وكرر هذا المعنى في أربع سور من القرآن كلما ذكر محرمات الطعام، ومن هذه الآيات وأمثالها قرر فقهاء الإسلام مبدأ هاما هو: "إن الضرورات تبيح المحظورات".

 

 ولكن الملاحظ أن الآيات قيدت المضطر أن يكون (غير باغ ولا عاد) وفسر هذا بأن يكون غير باغ للذة طالب لها، ولا عاد حد الضرورة متجاوز في التشبع؛ من هذا القيد أخذ الفقهاء مبدأ آخر هو: "الضرورة تقدر بقدرها" فالإنسان وإن خضع لداعي الضرورة لا ينبغي أن يستسلم لها، ويلقي إليها بزمام نفسه، بل يجب أن يظل مشدودا إلى الأصل الحلال باحثا عنه، حتى لا يستمرئ الحرام أو يستسهله بدافع الضرورة.

 

 والإسلام بإباحته المحظورات عند الضرورات إنما يساير في ذلك روحه العامة وقواعده الكلية، تلك هي روح الميسر الذي لا يشوبه عسر والتخفيف الذي وضع به عن الأمة الآصار والأغلال التي كانت من قبلها من الأمم. وصدق الله العظيم "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة:185)، "مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (المائدة:6)، "يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" (النساء:28) .

 

.................

 

- من كتاب "الحلال والحرام في الإسلام" لفضيلة العلامة.