الصفحة الرئيسية:كتب:غير المسلمين في المجتمع الإسلامي :
ابحث في موقع القرضاوي
الثلاثاء 31 يوليو 2001
كتب: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي
ضمانات الوفاء بهذه الحقوق

لقد قررت الشريعة الإسلامية لغير المسلمين كل تلك الحقوق، وكفلت لهم كل تلك الحريات، وزادت على ذلك بتأكيد الوصية بحسن معاملتهم ومعاشرتهم بالتي هي أحسن.
ولكن مَن الذي يضمن الوفاء بتنفيذ هذه الحقوق، وتحقيق هذه الوصايا؟ وبخاصة أن المخالفة في الدين كثيرًا ما تقف حاجزًا دون ذلك؟
وهذا الكلام حق وصدق بالنظر إلى الدساتير الأرضية والقوانين الوضعية التي تنص على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ثم تظل حبرًا على ورق، لغلبة الأهواء والعصبيات، التي لم تستطع القوانين أن تنتصر عليها؛ لأن الشعب لا يشعر بقدسيتها، ولا يؤمن في قرارة نفسه بوجوب الخضوع لها والانقياد لحكمها.

ضمان العقيدة

أما الشريعة الإسلامية فهي شريعة الله وقانون السماء، الذي لا تبديل لكلماته، ولا جور في أحكامه، ولا يتم الإيمان إلا بطاعته، والرضا به . قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (الأحزاب: 36).
ولهذا يحرص كل مسلم يتمسك بدينه على تنفيذ أحكام هذه الشريعة ووصاياها، ليرضي ربه وينال ثوابه، لا يمنعه من ذلك عواطف القرابة والمودَّة، ولا مشاعر العداوة والشنآن ..قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (النساء: 135).
وقال سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون) (المائدة: 8).

ضمان المجتمع المسلم

والمجتمع الإسلامي مسئول بالتضامن عن تنفيذ الشريعة، وتطبيق أحكامها في كل الأمور، ومنها ما يتعلق بغير المسلمين ؛ فإذا قصَّر بعض الناس أو انحرف أو جار وتعدى، وجد في المجتمع مَن يرده إلى الحق، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويقف بجانب المظلوم المعتدَى عليه، ولو كان مخالفًا له في الدين.
قد يوجد هذا كله دون أن يشكو الذمي إلى أحد، وقد يشكو ما وقع عليه من ظلم، فيجد مَن يسمع لشكواه، وينصفه من ظالمه، مهما يكن مركزه ومكانه في دنيا الناس.
فله أن يشكو إلى الوالي أو الحاكم المحلي، فيجد عنده النُصفة والحماية، فإن لم ينصفه فله أن يلجأ إلى مَن هو فوقه ؛ إلى خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، فيجد عنده الضمان والأمان، حتى لو كانت القضية بينه وبين الخليفة نفسه، فإنه يجد الضمان لدى القضاء المستقل العادل، الذي له حق محاكمة أي مُدَّعىً عليه، ولو كان أكبر رأس في الدولة (الخليفة)! وضمان آخر: عند الفقهاء، الذين هم حماة الشريعة، وموجهو الرأي العام.
وضمان أعم وأشمل يتمثل في "الضمير الإسلامي" العام، الذي صنعته عقيدة الإسلام وتربية الإسلام، وتقاليد الإسلام.
والتاريخ الإسلامي مليء بالوقائع التي تدل على التزام المجتمع الإسلامي بحماية أهل الذمة من كل ظلم يمس حقوقهم المقررة، أو حرماتهم المصونة، أو حرياتهم المكفولة.
فإذا كان الظلم من أحد أفراد المسلمين إلى ذمي، فإن والي الإقليم سرعان ما ينصفه ويرفع الظلم عنه، بمجرد شكواه أو علمه بقضيته من أي طريق.
وقد شكا أحد رهبان النصارى في مصر إلى الوالي أحمد بن طولون أحد قوَّاده، لأنه ظلمه وأخذ منه مبلغًا من المال بغير حق، فما كان من ابن طولون إلا أن أحضر هذا القائد وأنَّبه وعزَّره وأخذ منه المال، ورده إلى النصراني . وقال له: لو ادعيتَ عليه أضعاف هذا المبلغ لألزمته به، وفتح بابه لكل متظلم من أهل الذمة، ولو كان المشكو من كبار القوَّاد وموظفي الدولة.
وإن كان الظلم واقعًا من الوالي نفسه أو من ذويه وحاشيته ؛ فإن إمام المسلمين وخليفتهم هو الذي يتولى ردعه ورد الحق إلى أهله.
وأشهر الأمثلة على ذلك قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر ؛ حيث ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين! فما كان من القبطي إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وشكا إليه، فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي وقال له: اضرب ابن الأكرمين، فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له: أدرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطانه، فقال القبطي: إنما ضربتُ مَن ضربني . ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة: "يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"؟.
ومما يستحق التسجيل في هذه القصة: أن الناس قد شعروا بكرامتهم وإنسانيتهم في ظل الإسلام، حتى إن لطمة يُلطَمها أحدهم بغير حق، يستنكرها ويستقبحها، وقد كانت تقع آلاف مثل هذه الحادثة وما هو أكبر منها في عهد الرومان وغيرهم، فلا يحرك بها أحد رأسًا، ولكن شعور الفرد بحقه وكرامته في كنف الدولة الإسلامية جعل المظلوم يركب المشاق، ويتجشم وعثاء السفر الطويل من مصر إلى المدينة المنوَّرة، واثقاً بأن حقه لن يضيع، وأن شكاته ستجد أذنًا صاغية.
وإذا لم يصل أمر الذمي إلى الخليفة، أو كان الخليفة نفسه على طريقة واليه، فإن الرأي العام الإسلامي الذي يتمثل في فقهاء المسلمين، وفي المتدينين كافة يقف بجوار المظلوم من أهل الذمة ويسانده.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك: موقف الإمام الأوزاعي من الوالي العباسي في زمنه، عندما أجلى قومًا من أهل الذمة من جبل لبنان، لخروج فريق منهم على عامل الخراج . وكان الوالي هذا أحد أقارب الخليفة وعصبته، وهو صالح بن عليٍّ بن عبد الله بن عباس . فكتب إليه الأوزاعي رسالة طويلة، كان مما قال فيها: "فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى: (ألا تزر وازرة وزر أخرى) (النجم: 38)، وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به . وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال: "من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه"… إلى أن يقول في رسالته: "فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حل من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة" . (انظر: فتوح البلدان للبلاذري ص 222، والأموال لأبي عبيد ص 170 - 171).
ولم يعرف تاريخ المسلمين ظلمًا وقع على أهل الذمة واستمر طويلاَ، فقد كان الرأي العام والفقهاء معه دائمًا ضد الظلمة والمنحرفين، وسرعان ما يعود الحق إلى نصابه.
أخذ الوليد بن عبد الملك كنيسة "يوحنا" من النصارى، وأدخلها في المسجد . فلما اسْتُخْلِفَ عمر بن عبد العزيز شكا النصارى إليه ما فعل الوليد بهم في كنيستهم، فكتب إلى عامله برد ما زاده في المسجد عليهم، لولا أنهم تراضوا مع الوالي على أساس أن يُعوَّضوا بما يرضيهم . (فتوح البلدان ص 171 172 . وقصة هذه الكنيسة كما يحكيها البلاذري أن خلفاء بني أمية منذ عهد معاوية، ثم عبد الملك، حاولوا أن يسترضوا النصارى ليزيدوا مساحتها في المسجد الأموي، واسترضوهم عنها، فرفضوا، وفي أيام الوليد، جمعهم وبذل لهم مالاً عظيمًا على أن يعطوه إياها فأبوا، فقال: لئن لم تفعلوا لأهدمنها فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، إن مَن هدم كنيسة جُنَّ وأصابته عاهة! فأغضبه قولهم، ودعا بمعول وجعل يهدم بعض حيطانها بيده، ثم جمع الفعلة والنقاضين، فهدموها . وأدخلها في المسجد، فلما اسْتُخْلِف عمر بن عبد العزيز شكا إليه النصارى ما فعل بهم الوليد في كنيستهم . فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاده في المسجد عليهم! (أي بهدمه وإعادته كنيسة) فكره أهل دمشق ذلك وقالوا: نهدم مسجدنا بعد أن أذَّنَّا فيه وصلينا دبر نبيه وفيهم يومئذ سليمان بن حبيب المحاربي وغيره من الفقهاء وأقبلوا على النصارى يسترضونهم . فسألوهم أن يعطوا جميع كنائس الغوطة التي أُخذت عنوة (أي عند الفتح) وصارت في أيدي المسلمين، على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا، ويمسكوا عن المطالبة بها، فرضوا بذلك وأعجبهم . فكتب بذلك إلى عمر فسره وأمضاه).
وأجلى الوليد بن يزيد مَن كان بقبرص من الذميين، وأرسلهم إلى الشام مخافة حملة الروم، ورغم أنه لم يفعل ذلك إلا حماية للدولة، واحتياطًا لها في نظره، فقد غضب عليه الفقهاء وعامة المسلمين واستعظموا ذلك منه . فلما جاء يزيد بن الوليد وردَّهم إلى قبرص، استحسنه المسلمون، وعدوه من العدل وذكروه في مناقبه . كما يروي ذلك المؤرخ البلاذري . (نفس المرجع ص 214).
ومن مفاخر النظام الإسلامي ما منحه من سُلطة واستقلال للقضاء، ففي رحاب القضاء الإسلامي الحق، يجد المظلوم والمغبون -أيّاً كان دينه وجنسه- الضمان والأمان، لينتصف من ظالمه، ويأخذ حقه من غاصبه، ولو كان هو أمير المؤمنين بهيبته وسلطانه.
وفي تاريخ القضاء الإسلامي أمثلة ووقائع كثيرة وقف فيها السلطان أو الخليفة أمام القاضي مُدَّعيًا أو مُدَّعىً عليه، وفي كثير منها كان الحكم على الخليفة أو السلطان لصالح فرد من أفراد الشعب، لا حول له ولا طول، ونكتفي هنا بمثال واحد له دلالته الواضحة في موضوعنا.
سقطت درع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فوجدها عند رجل نصراني فاختصما إلى القاضي شريح . قال علي: الدرع درعي، ولم أبع ولم أهب .فسأل القاضي ذلك النصراني في ما يقول أمير المؤمنين، فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب.
فالتفت شريح إلى علي يسأله:يا أمير المؤمنين، هل لك من بيِّنة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح، ما لي بيِّنة . وقضى شريح للنصراني بالدرع، لأنه صاحب اليد عليها، ولم تقم بينة عليّ بخلاف ذلك . فأخذها هذا الرجل ومضى، ولم يمش خطوات، حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق.
فقال علي رضي الله عنه: أما إذ أسلمت فهي لك! (البداية والنهاية لابن كثير ج ـ 8 ص 4 - 5).
وهي واقعة تغني عن كل تعليق.

كتب
تصويت
Powered by
Best experienced using

MS Internet Explorer 6