الصفحة الرئيسية:كتب:مدخل لمعرفة الإسلام :
ابحث في موقع القرضاوي
الثلاثاء 9 فبراير 2010
كتب: مدخل لمعرفة الإسلام
وجود الله

العقيدة الإسلامية هي خاتمة العقائد السماوية، وقد تكفل بيانها والتدليل عليها القرآن الكريم، وسنة الرسول العظيم، متمثلة في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.

هذه العقيدة هي التي تحل لغز الوجود، وتفسر للإنسان سر الحياة والموت وتجيب عن أسئلته الخالدة: من أين؟ والى أين؟ ولم؟ هذه العقيدة ليست من متحدثات الإسلام، ولا مما ابتكره محمد عليه الصلاة والسلام، إنها العقيدة المصفاة، التي بعث بها أنبياء الله جميعا، ونزلت بها كتب السماء قاطبة، قبل أن ينال منها التحريف والتبديل، إنها الحقائق الخالدة التي لا تتطور ولا تتغير، عن الله وعن صلته بهذا العالم.. ما يبصره منه وما لا يبصره، وعن حقيقة هذه الحياة ودور الإنسان فيها وعاقبته بعدها. إنها الحقائق التي علمها آدم لبنيه، وأعلنها نوح في قومه، ودعا إليها هود وصالح، عادا وثمود، ونادى بها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وغيرهم من رسل الله، وأكدها موسى في توراته، وداود في زبوره، وعيسى في إنجيلهكل ما فعله الإسلام، هو أنه نقى هذه العقيدة من الشوائب الدخيلة، وصفاها من الأجسام الغريبة، التي أدخلتها العصور عليها، فكدرت صفاءها، وأفسدت توحيدها بالتثليث والشفاعات، واتخاذ الأرباب من دون الله، وأفسدت تنزيهها بالتشبيه والتجسيم، ونسبة ما في البشر من قصور ونقص إلى الله تعالى علوا كبيرا، وشوهت نظرتها إلى الكون والحياة والإنسان، وعلاقته بالله ووحيه وما جاء به من تعاليم، كما عرض الإسلام هذه العقيدة عرضا جديدا، يليق بالرسالة التي اقتضت حكمة الله أن تكون خاتمة الرسالات الإلهية، وأن تكون غاية لكل الشر، إلى قيام الساعة.

جاءت عقيدة الإسلام فنقت فكرة التوحيد وكمال الألوهية مما شابها على مر العصور، ونقت فكرة النبوة والرسالة مما عراها من سوء التصور.

ونقت فكرة الجزاء الأخروي مما دخل عليها من أوهام الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين؟ ودجل المشعوذين.

والعناصر الأساسية لهذه العقيدة هي: الإيمان بالله، والإيمان بالنبوات، والإيمان بالآخرة.

ويكن أن تجمل في: الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده، والإيمان بوحدانيته، والإيمان بكماله.

وجود الله تعالى:

لقد قامت الأدلة على أن وراء هذا الكون قوة عليا تحكمه وتديره وتشرف عليه، سماها أحدهم "العلة الأولى"، وسماها غيره "العقل الأول"، وسماها ثالث: "المحرك الأول"، وسماها القرآن العربي المبين، وكتب السماء بهذا الاسم الجامع لصفات الجمال والجلال: "الله"

هذه القوة العليا، وبعبارة أخرى: هذا الإله العظيم، ليس في استطاعة العقل البشري إدراك كنهه، ولا معرفة حقيقته، كيف وقد عجز عن معرفة كنه ذاته وعن كنه النفس وحقيقة الحياة وكثير من حقائق الكون المادية من كهربية ومغناطيسية وغيرها؟ وما عرف إلا آثارها، فكيف يطمع في معرفة ذات الله العلي الكبير؟ (ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل

شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).

هذا الإله ليس إله فصيلة محدودة، ولا إله شعب خاص، ولا إله إقليم معين. وإنما هو (رب العالمين).. (رب السموات والأرض)… (رب المشرق والمغرب)… (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء).

ولنستمع إلى ما قصه القرآن علينا من حوار موسى وفرعون ليتبين لنا شمول ربوبيته سبحانه وتعالى:

( قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما، إن كنتم موقنين، قال لمن حوله ألا تستمعون، قال ربكم ورب آباؤكم الأولين، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعقلون).

وقد دلل القرآن على وجود الله بطرق عديدة:

1- فهو يلفت العقول والأذهان إلى ما في الكون من آيات تنطق بأن وراءها صانعا حكيما. وهو قانون بديهي عند العقل الذي يؤمن بمبدأ "السببية" إيمانا طبيعيا لا يحتاج إلى اكتساب أو تدليل: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).

هذا الخلق لا بد له من خالق، وهذا النظام لا بد له من منظم:

(أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات والأرض)، (قال فمن ربكما يا موسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى).

2- ويستثير الفطرة الإنسانية السليمة التي بها يدرك المرء إدراكا مباشرا أن له ربا وإلها قويا عظيما يكلؤه ويرعاه: (فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرت الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

وإذا اختفت هذه الفطرة في ساعات الرخاء واللهو فإنها تعود إلى الظهور عند الشدة والبأساء، وسرعان ما يذوب الطلاء الكاذب، وينكشف المعدن الأصيل للنفس البشرية، فتعود إلى ربها داعية متضرعة: (هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم

أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين).

وتبدو هذه الفطرة حين يفاجأ الإنسان بالسؤال عن مصدر هذا الكون ومدبره فلا يملك بفطرته إلا أن ينطق معلنا "الله": (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله).

(قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون).

3- ويتشهد القرآن بالتاريخ الإنساني على أن الإيمان بالله وبرسله كان سفينة النجاة لأصحابه، وأن التكذيب به وبرسله كان نذير الهلاك والبوار، ففي نوح يقول: (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوما عمين).

وفي هود يقول: (فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين).

وفى صالح وقومه ثمود يقول: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون، وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون).

وفى رسل الله جميعا يقول تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا، وكان حقا علينا نصر المؤمنين).

 

كتب
تصويت
Powered by
Best experienced using

MS Internet Explorer 6