الإنسان يجتمع فيه عنصران، عنصر أرضي طيني، وعنصر رباني
توبة الله على الإنسان أسبق من توبته إلى الله
بعض الناس يحاسب الناس على صغائر الأمور بل على الشبهات منها المختلف فيها ويقيم المعارك بينه وبين خلق الله
هناك حمامات كثيرة تغسل الذنوب، على الإنسان أن يستفيد منها ولا يبقي ذنوبه متراكمة عليه حتى تثقل ظهره وترديه في النار
الذنوب خطر على الفرد، خطر على الأسرة، خطر على المجتمع، خطر على الأمة، خطر على البشرية كلها
مقدمة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرفنا بالإسلام وهدانا للإيمان وأكرمنا بالقرآن وبمحمد عليه الصلاة والسلام، الذي بعثه رحمة للعالمين ونعمة للمؤمنين، وحجة على الناس أجمعين، (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمداً عبد الله ورسوله أرسله ربه بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فعلّم الناس من جهالة وهداهم من ضلالة وأخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، فتح الله برسالته أعيناً عمياً وآذانا صما وقلوباً غلفا وكان كما قال الله عز وجل مخاطباً له (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقال عليه الصلاة والسلام عن نفسه "إنما أنا رحمة مهداة"، اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم، وعلى آله وصحابته، وأحينا اللهم على سنته وأمتنا على ملته واحشرنا في زمرته مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، أما بعد،،،،
إلى الأعلى
الذنوب من خصائص الإنسان، لابد للإنسان أن يذنب ويتوب الله عليه
فيا أيها الأخوة المسلمون...
لا زال حديثنا موصولاً عن تزكية الأنفس وعن التوبة إلى الله وأركان التوبة إلى الله وشروط التوبة إلى الله وآثار التوبة إلى الله ومعوقات التوبة إلى الله، التوبة أيها الأخوة فريضة وفريضة فورية وهي واجبة على الناس كل الناس على المؤمنين كل المؤمنين وصدق الله العظيم إذ يقول (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)، تحدثنا في الخطبة الماضية عن الذنوب وآثار الذنوب في النفس وفي الحياة، واليوم نتحدث عن مكفرات الذنوب، الذنوب من خصائص الإنسان، لابد للإنسان أن يذنب فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان ملكاً مطهراً وإنما خلقه بشراً والبشر جزء من خلقه من طين وجزء من نفخة الروح كما ذكر الله لنا في خلق آدم (إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)، فالإنسان تجتمع فيه هاتان الصفتان أو هذان العنصران، العنصر الأرضي الطيني والعنصر الرباني الروحي، فكثيراً ما يغلب أحد العنصرين على الآخر ولكن لابد لكل عنصر منهما أن يكون له أثره في سلوك الإنسان، هذا أمر لابد منه ولا عجب أن يذنب أبو البشر (وعصى آدم ربه فغوى) وإذا كان أبو البشر قد أذنب فلا عجب أن يذنب أبناؤه فالولد على سنة أبيه ومن يشابه أباه فما ظلم (ذرية بعضها من بعض)، الإنسان بطبيعته لابد أن يقع في الذنوب والمعاصي.
إلى الأعلى
لابد لأسماء الله الحسنى أن تعمل عملها ولا تكون عاطلة
وهناك أمر آخر، من شأن أسماء الله الحسنى أن يعصي الناس ويذنبوا فإن من أسماء الله تعالى: الغفار والعفو والتواب، فإذا كان الإنسان متطهراً لا يذنب فعمن يعفو الله وعلى من يتوب الله ولمن يغفر الله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" لابد لهذه الأسماء أن تعمل عملها ولا تكون عاطلة، أن يغفر الغفار ويعفو العفو ويتوب التواب، ولهذا كانت الذنوب طبيعية من الإنسان، غير الطبيعي أن يستمرئ الإنسان المعاصي وأن يفجر في غلوائه وأن يستمر في طريق الذنوب ولا يرجع إلى الله، هذا هو الخطر، الخطر الاستمرار في الخروج عن الله، الخطر في عدم اليقظة التي ترد الإنسان إلى الله بعد شروده، ولهذا كان هناك أشياء جعلها الله مطهرات، ومكفرات للذنوب التي تقع من الإنسان، أول هذه المطهرات هو التوبة التي تحدثنا عنها في الجمع الماضية، والتوبة تغسل الإنسان من الذنب كما يغسل الماء الجسم من الوسخ، إذا صحت بأركانها وشروطها فمن تاب تاب الله عليه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد ذكر الله تعالى عن المشركين والزناة والقتلة بأن من تاب منهم وآمن وعمل عملاً صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما، (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)، التوبة لابد أن يكون لها أثرها حسب سنن الله وحسب أحكام الله، ولذلك سئلت المرأة الصالحة رابعة العدوية سألها سائل: هل إذا تبت تاب الله عليّ؟ قالت: بل يا جاهل إذا تاب الله عليك تبت، أي أن توبة الله عليك أسبق من توبتك إليه، معنى توبة الله عليك أن يوفقك إلى التوبة، أن يحركك إلى التوبة، ما دام قد حركك لتتوب وتندم وترجع إليه فهذا دليل على أنه قد تاب عليك، قالت له: أما قرأت قول الله تعالى (ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم)، تاب عليهم ليتوبوا، توبته عليهم أسبق، فأول المكفرات هي التوبة.
إلى الأعلى
أنواع مكفرات الذنوب
الاستغفار ثاني المكفرات، كثيراً ما يجمع القرآن بين الاستغفار والتوبة (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) وليس الاستغفار دائماً مقارناً للتوبة، قد يكون الاستغفار مع التوبة وقد لا يتوب الإنسان ويستغفر، لازال مستمراً في طريق المعصية ولكنه يسأل الله أن يغفر له ما وقع فيه، هذا لا يضيع عبثاً، الاستغفار معناه أن تطلب المغفرة من الله، علماء اللغة يقولون "السين والتاء" دليل على الطلب "استغفر" أي اطلب المغفرة، "استفهم" أي اطلب الفهم، "استأذن" أي اطلب الاستئذان، فالاستغفار طلب المغفرة من الله، ولماذا لا يطلب الإنسان المغفرة من الله وهو الغفار الرحيم العفو التواب وقد قال لعباده في الحديث القدسي "يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم" وقال (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما)، وجاء في أوصاف المتقين (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)، هذا في أوصاف المتقين، المتقون ليسوا أنبياء معصومين ولا ملائكة مطهرين، يمكن أن يسقطوا في المعصية، ولكن مزيتهم على غيرهم أنهم سرعان ما يقفون على باب الله ويقرعون هذا الباب مستغفرين، ذكروا الله، ذكروا عظمة الله وجلال الله فرجعوا إلى أنفسهم، ذكروا مغفرة الله ورحمته الذي قال (لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) ذكروا هذا فاستغفروا الله، الذين إذا فعلوا فاحشة، كبيرة من الكبائر أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ هل هناك أحد يغفر الذنوب غيره؟ الله هو الذي يغفر الذنوب جميعاً استغفره يغفر لك، الأنبياء جميعاً استغفروا الله من ذنوبهم، آدم وحواء حينما أكلا من الشجرة قالا (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، نوح حينما شفع في ابنه ورد عليه رداً حاسماً (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم، قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين)، إبراهيم دعا ربه أن يغفر له ولوالديه (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)، موسى عليه السلام قال (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له)، (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين)، داوود استغفر ربه وخر راكعاً وأناب، سليمان (قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي)، كل الأنبياء والصالحين والربانيين دعوا الله أن يغفر لهم، أولوا الألباب دعوا ربهم.. أدعية .. عدة دعوات كان منها (ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) يستشفعون إلى الله بإيمانهم يتوسلون إلى الله بالإيمان لا بفلان ولا بعلان (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار)، أعظم المستغفرين هو محمد عليه الصلاة والسلام الذي أمره الله أن يستغفر لنفسه ولأمته (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات) أمره في القرآن المكي وفي القرآن المدني أن يستغفر لذنبه، وهو الذي أخبره الله بعد غزوة الحديبية أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومع هذا ظل يستغفر الله، وهو الذي لا يغفل عن ربه طرفة عين، ويرقب ربه في غدواته وروحاته في حركاته وسكناته ومع هذا قال ابن عمر كنا نعد له في المجلس الواحد سبعين مرة وقال بعضهم مئة مرة "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" يعمل بقول الله تعالى (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، أكثر الناس استغفاراً من قرأ في صيغ الاستغفار التي جاءت عن محمد صلى الله عليه وسلم يعجب، يقول "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت"، اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري؟ وما أنت أعلم به مني؟ وبعضنا لأنه يصلي ركعات أو يذهب إلى العمرة في رمضان يظن أنه أصبح من أولياء الله الصالحين وإذا قلت له استغفر الله يقول مم أستغفر؟ كأنه لا ذنب له، ومحمد يقول هذا الكلام ويقول سيد الاستغفار، أعظم صيغة للاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
الإنسان عليه أن يديم الاستغفار، قال بعض السلف: القرآن علمكم الداء وعلمكم الدواء، الداء في الذنوب والدواء في الاستغفار، فاستغفر الله كثيراً لا تمل من الاستغفار أبداً، أفضل أنواع الاستغفار أن يواطئ قلبك لسانك، استغفر الله بلسانك وبقلبك، معناها أن تشعر بحرارة الذنب وخطورة الذنب عليك في دنياك وآخرتك وتبتهل إلى الله أن يغفر لك ما وقعت في من خطاياً، ولكن حتى العلماء قالوا لو قال بلسانه وقلبه حاضر فإن هذا لن يضيع عند الله لأن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولأن يعود لسانه الاستغفار أفضل من أن يتحدث بغيبة أو نميمة أو كذب أو سخرية بالناس، فالاستغفار نافع دائماً وتخيّر الأوقات التي تستغفر فيها، إذا عفرت جبهتك ساجداً لله فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد اسأل الله أن يغفر لك، قبل السلام بعد أن تنتهي من التشهد استغفر الله بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أن يقول قبل السلام: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.. وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، استغفر الله بعد السلام: استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، واستغفر الله في السحر شأن المحسنين الذين وصفهم الله بقوله (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون) في الليل قوام مصلون قراء للقرآن ومع هذا كأنهم كانوا مذنبين فيستغفرون، لا يشعرون بأنهم أدوا لله كل حقه، المؤمن دائماً يشعر بالتقصير في حق مولاه لأنك مهما قدمت من طاعات وحسنات فحق الله عليك أكبر وأعظم ولذلك يشعر المؤمن دائماً بأنه مقصر فيستغفر الله، إذا كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول "إنه ليغال على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" يشعر بشيء يغشي قلبه وهذا يشعره بأنه مقصر في حق الله فيستغفر الله فما بالنا نحن.
الاستغفار أيها الأخوة من مطهرات الذنوب، مكفرات الذنوب، الإمام ابن القيم سماها أنهاراً، الأنهار التي يغتسل فيها الإنسان من ذنوبه ليخرج طاهراً مطهراً، ولكني أسميها حمامات، الأنهار في عصرنا أصبحت ملوثة، فلم تعد مجالاً للتطهير، يحذرون كثيراً من الاستحمام في الأنهار لما يصب فيها من نفايات وقاذورات وكيماويات وغيرها، هناك حمامات يدخلها الإنسان ليتطهر، حمام التوبة، حمام الاستغفار.
اجتناب كبائر الذنوب يكفر صغائرها
هناك شيء آخر ذكره القرآن وهو اجتناب الكبائر، اجتناب كبائر الذنوب يكفر صغائرها، عجيب هذا والله، اجتنب الكبائر الموبقات المهلكة الله سبحانه وتعالى يغفر لك الصغائر، هذا نص القرآن الكريم يقول مخاطباً للمؤمنين (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما)، نكفر عنكم سيئاتكم أي الصغائر، اجتنبوا الكبائر ربنا يكفر عنكم، إذا كنت تقدر على أن تزني ولكنك تركت الزنا واكتفيت بالنظر واللمس لوجه الله رجاء فيما عند الله وخوفاً من عقوبة الله فإن الله يغفر لك هذه المقدمات التي فعلتها، وهذا أمر مهم جداً في سياسة النفس وفي سياسة الآخرين، في نفسك أن تعتبر بعظيم فضل الله عليك وواسع كرمه، وواسع رحمته، حيث غفر لك ما دون الكبائر كما قال سيدنا أنس رضي الله عنه: إن الله سبحانه وتعالى غفر لنا ما دون الكبائر فما لنا ولها، نستطيع أن نستغني عن الكبائر، الله لا يريد منا أن نترك كل شيء لأنه يعلم أن هذا ليس في إمكاننا، يقول الله تعالى في وصف المؤمنين (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون)، يجتنبون الكبائر، لم يقل يجتنبون الكبائر والصغائر، ووصف الذين أحسنوا من عباده فقال (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) اللمم تفسر بأمرين أن يلم الإنسان بالمعصية في طريقه ولا يعاوده يغلبه الشيطان مرة فيقع في الزنا أو في شيء من هذا ولا يعاود هذا سقطة سقطت في حياته، هذا من اللمم، والأمر الآخر هو صغائر الذنوب كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يناجي ربه ويقول "إن تغفر اللهم تغفر جمّا وأي عبد لك ما ألمّ؟" من الذي لم يصب اللمم من الذنوب؟ (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض)، الله أعلم بنا حينما أنشأنا من الأرض ومن طين الأرض والطين لا يخلو من الكدر، لم يخلقنا من النور كما خلق الملائكة إنما خلقنا من الطين، ولذلك لابد للإنسان أن ينزع إلى الأرض ويخلد إلى الطين، (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم)، فلا عجب أن يغفر لنا ما دون الكبائر، (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، هذا في معاملة الإنسان مع نفسه ومع ربه.
وهذا أيضاً في معاملة الإنسان مع الآخرين، ألاّ يشدد على الناس إذا ارتكبوا الصغائر وتركوا الكبائر، بحسبنا أن يؤدي الإنسان الفرائض ويجتنب الكبائر لنعده في صفوف المؤمنين، بعض الناس يحاسب الناس على صغائر الأمور بل على الشبهات من الأمور المختلف فيها ويقيم المعارك بينه وبين خلق الله على هذه الأمور، لا، ليس هذا هو المهم، المهم هو الكبائر، الكبائر أن يترك الصلاة أن يمنع الزكاة أن يفطر في رمضان أن يشرب الخمر أن يرتكب الزنا، أن ينهب أموال الناس أن يظلم عباد الله وخصوصاً الضعفاء منهم، هذه هي الكبائر، فإذا أدى الإنسان الفرائض واجتنب الكبائر فضمه إلى صفك واقترب منه، سيدنا عمر جاء جماعة من أهل مصر يشكون عمرو بن العاص وكان معهم عبدالله بن عمرو نفسه، قال: ما الذي جاء بك يا عبدالله؟ قال: هؤلاء القوم قالوا نريد أن نشكو إلى أمير المؤمنين أشياء نراها ليست في كتاب الله، يريدون أن يشكون أباه الوالي على مصر عمرو بن العاص، قال: هل علم بكم أحد، قال: لا، قال: فاجمعهم لي، فجمعهم في بهو، ساحة، ثم سألهم عمر، أمسك بهم واحداً واحداً وسألهم: ماذا تأخذ على الأمير؟ قال: إنه لا يقيم كل كتاب الله، فسأله: هل قرأت كتاب الله؟ قال: نعم، قال: هل أحصيته في نفسك؟ يعني استقصيت العمل به في نفسك في نيتك في قلبك؟ قال: اللهم لا، قال: هل أحصيته في لسانك؟ تجنبت كل معاصي اللسان؟ قال: اللهم لا، في عينك؟ في سمعك؟ وظل بهم واحداً واحداً، قال لهم إذا كنتم لم تحصوا هذا في أنفسكم فلماذا تريدون من الرجل أن يكون كاملاً في شيء، عودوا من حيث شئتم لو سمع الناس بكم لنكلت بكم، أراد عمر أن يسد هذا الباب، المبالغة واستقصاء الصغائر هذا من أبواب الفتنة، وعمر كان سياسياً وكان مربياً فسد هذا الباب الذي فتح بعد ذلك في عهد عثمان ولم يسد، وكان من وراءه فتنة عظيمة.
أيها الأخوة، اجتناب الكبائر يكفر الصغائر، ثم هناك شيء آخر، الحسنات، من حمامات الذنوب ومطهراتها: الحسنات، فعل الحسنات والطاعات، كل حسنة تعملها تذهب سيئة كما قال الله تعالى (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) وقال لأبي ذر "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" نور الحسنة يطارد ظلام المعصية فيذهبها ويمحوها، والحسنات كثيرة، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنواعاً من الحسنات، الوضوء، الإنسان إذا أذنب ذنباً – كما روى سيدنا أبو بكر – ثم تطهر ويصلي ركعتين لله هذا الوضوء يكفر عنه ما مضى من سيئاته، الصلوات الخمس شبهها النبي صلى الله عليه وسلم بنهر يغتسل فيه الإنسان كل يوم خمس مرات، قال "هل يبقى من درنه شيء؟، قالوا: لا، قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" هناك حمام يومي الإنسان يتطهر فيه ويغتسل خمس مرات، هناك أيضاً حمام أسبوعي: صلاة الجمعة هذه أيضاً مكفرة من مكفرات الذنوب، هناك حمام سنوي: شهر رمضان وما فيه من صيام وقيام، "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" ولكن هذه الحسنات تكفر الصغائر لا الكبائر، جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" الكبائر مهلكة احذر من الكبائر، رمضان مغسلة من الذنوب، الإنسان يخرج من رمضان إذا أحسن الصيام والقيام وقد تطهر من سيئات العام التي يقع الإنسان فيها يومياً، سيئات العين وسيئات اللسان وسيئات الأذن وهي كثيرة جداً.
الصدقة من مطهرات الذنوب
هناك الصدقة مطهرة من المطهرات، خصوصاً إذا كانت في السر "إن الصدقة لتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" وصنائع المعروف إلى خلق الله كلها تمحو السيئات، كل إحسان إلى خلق الله، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أن امرأة بغياً تتكسب بالزنا غفر الله لها لأنها سقت كلباً، امرأة بغي يعني عاشت عمرها في هذه المهنة الدنيئة ولكنها رحمت كلباً يلهث من العطش فبذلت جهداً في سقيه فشكر الله لها فغفر لها، على حين دخلت امرأة النار في هرة حبستها، الحسنات كثيرة جداً كل حسنة تقدمها، العمرة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول "العمرة إلى العمرة مكفرات لما بينهما" الحج "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، بر الوالدين، صلة الأرحام، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله أذنبت ذنباً فهل لي من توبة؟ قال: ألك أم؟ قال لا، قال ألك خالة، قال نعم قال اذهب فبرها" بر الأمهات وبر الخالات وصلة الأرحام تخفف من ذنوب الإنسان، هناك حمامات ومطهرات كثيرة أيها الأخوة، على الإنسان أن يستفيد منها ولا يبقي ذنوبه متراكمة عليه حتى تثقل ظهره وحتى ترديه في النار وأمامه هذه الفرص متاحة.
الصبر على المصائب كفارة للذنوب
هناك المصائب التي تنزل بالإنسان، وهي ليست باختياره ولكن مع هذا إذا صبر عليها واحتسبها كانت كفارة لخطاياه، لما نزل قول الله تعالى (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) بكى سيدنا أبو بكر حينما سمع الآية وقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا أبا بكر قال أكلما عملنا من سوء يا رسول الله جزينا به؟ فقال له يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن أليس يصيبك الأذى في كذا وكذا؟ قال بلى يا رسول الله، قال فذلك كفارة لك، هذا من فضل الله عز وجل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما من مسلم يصيبه هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" كل ما يصيبك من آلام مادية أو آلام نفسية حتى الهم والغم والحزن ومهما كانت صغيرة حتى الشوكة تشاكها، تصاب بشوكة في رجلك هذا يكفر الله بها من خطاياك، ولذلك كان أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء فالأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، حتى يمشي المؤمن على الأرض وليس عليه خطيئة من كثرة ما أصابه من بلاء ومن أذى ومن أشياء نفضت عنه ذنوبه كلها، هذه كلها من فضل الله تبارك وتعالى.
فيا أيها الأخوة لا تيأسوا من رحمة الله، لا تيأسوا من فضل الله أبدا، الله سبحانه وتعالى لم يجعل الإنسان معصوماً وقدّر له أن يذنب ولكنه أعطاه فرصاً كثيرة ليغتسل من ذنوبه، والسعيد من وفق لاغتنام هذه الفرص وتطهر من هذه الذنوب أولاً بأول، لا تسوّف، لا تؤخر إلى الغد، فإنك لا تدري أيأتي عليك الغد أو لا؟ هذا ما أنصح به إخواني المؤمنين وأخواتي المؤمنات، الذنوب خطر على الفرد خطر على الأسرة خطر على المجتمع خطر على الأمة خطر على البشرية كلها، الذنوب خطر على البشرية، ما نسمعه الآن من تلوث البيئة وفساد البيئة واختلال التوازن في الكون، ثقب الأوزون وهذه الأشياء، كلها من المعاصي من إسراف الإنسان ومن خروج الإنسان عن حبل الاستقامة والاعتدال الذي رسمه الله له، وليس هناك أولى من الاستقامة على أمر الله (فاستقم كما أمرت ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير).
أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم وادعوه يستجب لكم.
إلى الأعلى
عن مؤتمر الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي
الحمد لله، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسبح له ما في السماوات وما في الأرض، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، أما بعد،،،
فيا أيها الأخوة المسلمون...
افتتح أمير البلاد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بالأمس مؤتمراً وألقى فيه خطاباً هاماً، هذا المؤتمر عن الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي، وذكر الأمير في خطابه أموراً لو أن العرب اهتموا بها وعملوا على ضوء هذه الأمور لاستقام حالهم، وأنا أريد أن أركز على أمرين من الأشياء التي ذكرها الأمير حفظه الله.
الأمر الأول هو أن أمتنا جميعاً في حاجة إلى إصلاح، قد سبق أن تحدثت عن الإصلاح في خطبتين سابقتين من فوق هذا المنبر ولا يدعي أحد أنه في غنى عن الإصلاح كل أنظمتنا ملكية أو جمهورية يمينية أو يسارية مشرقية أو مغربية في حاجة إلى الإصلاح، الإصلاح ضروري والشعوب كلها تنادي بالإصلاح، ولذلك أنا أرى أن الإصلاح فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع، على أمتنا أن تستيقظ من سباتها وأن تعلم أنه لا مكان في هذا المجتمع العالمي لأمة تعيش منعزلة عن نفسها، لشعب يقول أنا مالي والناس، أو لحاكم يسوق شعب كأنما هو قطيع من الأغنام، يسوقهم بعصاه أو بهراوته، لا، العالم كله يتنادى بالإصلاح والديمقراطية، لابد لأمتنا أن تقدر هذه الحقيقة، أن الجميع في حاجة إلى الإصلاح، والإصلاح ليس عيباً، لأن أحداً لا يدعي أنه كامل مئة في المئة الكل يقول هناك نقص، لماذا لا نستكمل هذا النقص؟ المتنبي قال قديماً
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
إذا كنا نقدر على أن نتمم نقصنا ونصلح ما فسد من حياتنا فلماذا نؤجل هذا ولماذا ندع الآخرين أن يطالبونا بالإصلاح ونحن أولى الناس بأن نصلح أنفسنا، نصلح أنفسنا بأيدينا ولأهدافنا لا لأهداف غيرنا ومن منطلقاتنا الخاصة بنا لنراعي خصوصيتنا الدينية وخصوصيتنا الثقافية وخصوصيتنا الحضارية، هذا ما لابد منه، بعض الناس يرى أن الديمقراطية ضد الإسلام وقد ذكر الأمير في خطابه أن هؤلاء الناس يضادون الإسلام نفسه وأنا شخصياً سمعت ورأيت وناقشت هؤلاء الناس في مصر وفي الجزائر وفي أفغانستان بعضهم يقولون أن الديمقراطية ليست من الإسلام وبعضهم يقول الديمقراطية كفر، وناقشت هذا في إحدى فتاواي كتاب (فتاوى معاصرة) ورددت على هذا الباطل.
إلى الأعلى
الديمقراطية الحقيقية هي من روح الإسلام
بعض الناس يقول: الديمقراطية حكم الشعب ونحن نريد حكم الله، وأحب أن أقول أيها الأخوة أن كلمة حكم الشعب ليست في مقابلة حكم الله، إنما حكم الشعب في مقابلة حكم الفرد المطلق المستبد، ولذلك قال الأمير في كلامه: نحن نريد ثقافة جديدة، لا نريد عملية تجميلية أو إجراءات شكلية، نريد ثقافة تطرد ثقافة الهيمنة والاستبداد والجبروت بالشعوب، الإسلام لا يقبل حكم الجبابرة (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد)، (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)، الذين يستبدون بالشعوب، هذا شأن فرعون الذي لعنه الله، استخف قومه فأطاعوه، (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار)، (الذي علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم) هذا حكم فرعوني مرفوض، الإسلام يريد أن تحكم الشعوب بحاكم يحبونه ويختارونه "خير أمراءكم الذين تحبونه ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم" أي تدعون لهم ويدعون لكم "وشرار أمراءكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" ليس هناك أي ثقة بين الطرفين، يجب أن يكون الحاكم محبوباً من شعبه مختاراً منهم مبايعاً مبايعة عامة، هذا ما يريده الإسلام، أما أن يدعى أن الديمقراطية ضد الإسلام من قال هذا؟ قال بعضهم إن الديمقراطية بدعة مستوردة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار قلت لهم لا جوهر الديمقراطية ليس مستورداً، جوهر الديمقراطية هي الشورى هي النصيحة في الدين هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي حرية النقد والتعبير، هذه كلها قضايا إسلامية وتعاليم إسلامية واضحة، الجديد هو الآليات والأساليب والضمانات، ما المانع أن نأخذ أسلوب الانتخاب من الديمقراطية الغربية؟ هل هناك مانع من هذا؟ أن يكون هناك هذه الصناديق وكل شخص يدلي برأيه، ما المانع من هذا؟ المسلمون استوردوا بعض الأشياء، سيدنا عمر أخذ نظام الدواوين من الروم وأخذ نظام الخراج من الفرس والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ حفر الخندق من الفرس أشار به سلمان الفارسي، لا مانع أن تقتبس من غيرك ما ينفعك إذا كنت محتفظاً بشخصيتك وهويتك وروحك وخصوصيتك، ناقشني كثير من الأخوة السلفيين والأخوة التحريريين الذين يرفضون هذا كله ولم يكن لهم حجة فيما يقولون، قالوا نظام التصويت هذا والأخذ بالأغلبية ليس من الإسلام قلت لهم لا بل هو نظام إسلامي صميم، الأخذ بالأكثرية، برأي الجمهور كما يقول الفقهاء، النبي أخذ برأي الأكثرية في غزوة أحد ونزل على رأيهم وكان خلاف رأيه، سيدنا عمر قال في قضية الستة أصحاب الشورى قال إذا اتفق خمسة وواحد خالف فإما أن يتبع لرأي الخمسة أو اضربوا عنقه حتى لا يحدث فتنة، أربعة واثنين يجب أن يخضع الاثنين للأربعة ثلاثة وثلاثة فيأخذون مرجحاً من الخارج عبدالله بن عمر فإن لم ترضوا به فالثلاثة الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، اعتبر له ميزة ترجيحية كأنما اعتبر صوته هذا بالعدل، من قال أن التصويت بالأغلبية ليس من الإسلام؟ النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه أحاديث يقول "اتبعوا السواد الأعظم" الأغلبية، وقال لأبي بكر وعمر "لو اتفقتما على رأي ما خالفتكما" لأنه سيكون رأيين ضد واحد أما إذا اختلفتما فمن حقي أن آخذ برأي أي واحد منكما، هذا هو الإسلام. لماذا يقولون إن الإسلام يرفض الديمقراطية؟ وهل يريد الإسلام الاستبداد؟ أن يوجد حاكم يتحكم في رقاب الناس وفي أموال الناس وفي حقوق الناس وفي حريات الناس؟ هذا هو الفرعون المتأله في الأرض الذي يرفضه الإسلام.
ولكني أيها الأخوة أريد أمراً آخر مهماً، ليس المهم هو شكل الديمقراطية، المهم هو حقيقة الديمقراطية، جوهر الديمقراطية، هناك ديمقراطيات كثيرة في بلادنا العربية والإسلامية ولكنها للأسف ديمقراطيات زائفة، ديمقراطيات التسعات الأربع (99.99) هل هذا كلام معقول؟ هل هناك بشر يأخذ هذه النسبة كأنه لا يعارضه أحد؟ هذا ما نجده في بلادنا، وأخذنا عن الاشتراكيين أن الانتخابات أو الاستفتاءات التي قال فيها أحد الكتاب الماركسيين إنها سباق يعدو فيه حصان واحد، السباق المفروض أنه لعدة أحصنة ولكن هنا حصان واحد فقط فمن سيسابق؟، يعني تنتخب فلان أم لا؟ ليس هذا نظاماً ديمقراطياً بل تنتخب فلان أم فلان أم فلان؟ هذه هي الديمقراطية أن تخير بين عدة أشخاص، هذا للأسف ما نجده في كثير من البلاد.
ثم أصبحت هناك بدعة، هذه البدعة الحقيقية التي حدثت في بلادنا العربية والإسلامية، الجمهوريات الدائمة، الأنظمة الملكية والأميرية لها نظامها الخاص المتوارث المعروف وله حدوده وقيوده وضوابطه، ولكن الجمهورية والأخذ بالنظام الجمهوري هو تداول السلطات والرؤساء ولكن عندنا الرئيس مخلد لا يزول عن ملكه أبداً، في كثير من البلاد يوجد في حفل واحد عدة رؤساء سابقين، في أمريكا في أحد المحافل كان يوجد بوش الحالي وكلينتون وبوش الأب وريجان وكارتر أربعة أو خمسة من الرؤساء السابقين، هاتوا لي فيما عدا لبنان أي بلد جمهوري فيه رئيس سابق؟ لا يوجد، لابد أن يموت الرئيس أو انقلب عليه، ثم هناك بدعة جديدة في بلادنا العربية والإسلامية هو توريث الرئاسة الجمهورية، أن تورث الرئاسة من الآباء إلى الأبناء كأنها عزبة يرثها الخلف عن السلف والابن عن الأب والحفيد عن الجد، ليست هذه هي الديمقراطيات التي نريدها، إذا كنا نريد ديمقراطيات نريد ديمقراطيات حقيقية تقوم على الشفافية والمصالحة وإعطاء الحرية للناس، وإعطاء حق النقد والمعارضة، عليّ ابن أبي طالب وقف أحد معارضيه من الخوارج الذين قالوا فيه ما قالوا وقال هذا الخارجي لا حكم إلا لله فقال علي رضي الله عنه "كلمة حق أريد بها باطل" صحيح لا حكم إلا لله ولكن هل سينزل الله يحكم بين البشر، ولذلك قال في شؤون الأسرة (وابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) وقال في شؤون الصيد في الحج (يحكم به ذوا عدل منكم) فقال كلمة حق يراد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث: أن لا نمنعكم مساجد الله أن تصلوا فيها معنا، وأن نعطيكم حقكم من الفيء إذا كانت سيوفكم مع سيوفنا – تأخذوا حقكم من الغنائم ما دمتم تجاهدون معنا – وأن لا نبدأكم بقتال، لابد أن تبدأوا بقتال حتى نقاتلكم فحفظ لهم حق الوجود وهم كانوا يمثلون حزب المعارضة لأن الخوارج جماعة لها رؤساءها ولها فكرها ولها مبادئها فهي حزب وحزب مسلح في ذلك الوقت لأن العرب كانوا يحملون السلاح، ومع هذا ما داموا لا يشهرون السلاح فمن حقهم أن يعيشوا، هذا هو الإسلام.
نريد لبلادنا الإسلامية أن تتحرر تحرراً حقيقياً من سلطان الجبارين والمستبدين والقاهرين للشعوب، نريد لهذه الشعوب أن تتنفس وأن تقدر أن تقول (لم؟) وأن تقول (لا)، لا يمكن أن تحيا هذه الأمة إذا كانت تساق بالعصا وتعامل معاملة العبيد، سوق الناس بالعصا لا ينشئ أحراراً وإنما ينشئ أمة من العبيد والعبيد لا يستطيعون أن ينشئوا حضارة ولا أن يقيموا استقلالاً ولا أن يحموا دولة، نريد حرية هذه الشعوب، لقد قلت في أكثر من مرة إننا قبل أن نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية نريد تحرير هذه الشعوب، نريد إعطاء الحرية لشعوبنا، وإذا أعطيت الحرية انتعش الإسلام وانتعشت الدعوة الإسلامية وانتعش الفكر الإسلامي والسلوك الإسلامي لأن الإسلام هو فكر هذه الشعوب، هذه الشعوب مؤمنة بربها وبقرآنها وبمحمدها ولم تكفر يوماً بذلك ولذلك نحن مطمئنون إلى أن هذه الشعوب على الخير وإلى الخير ولكن الضعف في القيادة.
نريد أيها الأخوة لأمتنا أن تسير مسيرة الحرية والديمقراطية، وإن كنت أنا لا أحب استعمال الكلمات الأجنبية ولكن إذا فهمنا معنى الديمقراطية في ضوابطها وقيودها وهي ديمقراطية المجتمع المسلم الذي يؤمن بالإسلام مرجعاً له ويؤمن بالشريعة حاكمة له ويؤمن بالقيم الإسلامية موجهة له ويؤمن بالعقيدة الإسلامية أساساً لهويته، هذه الديمقراطية لهذا المجتمع، هذا المجتمع لا يمكن أن يحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله أو يسقط ما فرض الله أو يشرع ما لم يأذن به الله.
إلى الأعلى
دعاء الخاتمة
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع كلمة هذه الأمة على الهدى وقلوبها على التقى ونفوسها على المحبة ونياتها على عمل الخير وخير العمل، اللهم اجعل يومنا خيراً من أمسنا واجعل غدنا خيراً من يومنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم انصر أخوتنا في فلسطين وانصر أخوتنا في العراق وانصر أخوتنا في كشمير وانصر أخوتنا المضطهدين والمجاهدين في كل مكان، اللهم افكك بقوتك أسرهم واجبر برحمتك كسرهم وتول بعنايتك أمرهم، اللهم عليك بأعدائك أعداء الإسلام، اللهم عليك باليهود الغاصبين الظالمين المتجبرين اللهم عليك بحلفائهم من الصليبيين الكائدين الحاقدين، اللهم خذهم ومن ناصرهم ووادهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أزل دولتهم وأذهب عن أرضك سلطانهم ولا تدع لهم سبيلا على أحد من عبادك المؤمنين، اللهم يا منزل الكتاب ويا مجري السحاب ويا سريع الحساب ويا هازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا واجعل هذا البلد آمنا مطمئناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين.
عباد الله، يقول الله تبارك تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
إلى الأعلى
|