الصفحة الرئيسية:كتب:غير المسلمين في المجتمع الإسلامي :
ابحث في موقع القرضاوي
الإثنين 09 يوليو 2001
كتب: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي
الضريبة التجارية
 أما الضريبة التجارية فقد فرضها عمر بن الخطاب على أهل الذمة بمقدار نصف العشر في المال الذي يَتَّجرون به مرة في السنة إذا انتقلوا به من بلد إلى بلد آخر، فهي أشبه بالضريبة الجمركية في عصرنا.
هكذا روى عنه أنس بن مالك رضى الله عنه، وزياد بن حدير: أنه كان يأخذ من تجار المسلمين ربع العشر، ومن تجار أهل الذمة مثلي ما يأخذ من تجار المسلمين، أي نصف العشر، ومن تجار أهل الحرب العشر .
(الأموال للإمام أبى عبيد القاسم بن سلام بتحقيق محمد خليل هراس . ط دار الشروق بالقاهرةص 710- 712).
أما ما فُرض على تجار المسلمين فهو مقدار الزكاة الواجبة في عروض التجارة، سواء انتقل بها أم لم ينتقل، ولا إشكال فيه.
وما فرض على التجار أهل الحرب فهو من باب المعاملة بالمثل، فقد سُئل زياد ابن حدير: من كنتم تعشرون ؟ أي تأخذون العُشر قال: ما كنا نعشر مسلمًا ولا ذميًا . . كنا نعشر تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا آتيناهم .
(المصدر السابق ص706).
فكان سبيله في هذين الصنفين بينًا واضحًا، كما قال أبو عبيد . (المصدر نفسه ص 709).
وأما فرض نصف العشر على تجار أهل الذمة فهو الذي اختلف فيه تعليل الفقهاء.
فالإمام أبو عبيد رد ذلك إلى أنه من شروط الصلح، التي التزموا بها مع عمر . قال: (وكان الذي أشكل عليّ وجهه، أخذه من أهل الذمة، فجعلت أقول: ليسوا بمسلمين فتؤخذ منهم الصدقة (يعنى ربع العشر) ولا من أهل الحرب فيؤخذ منهم مثل ما أخذوا منا (يعنى العشر) فلم أدر ما هو حتى تدبرت حديثًا له (أي لعمر) فوجدته إنما صالحهم على ذلك صلحًا، سوى جزية الرؤوس، وخراج الأرضين، وذكر أبو عبيد هذا الحديث أو الأثر ثم قال: فأرى الأخذ من تجارهم في أصل صلح، فهو الآن حق للمسلمين عليهم.
(الأموال المصدر السابق ص 709 710).
أما الإمام ابن شهاب الزهري الفقيه التابعي الشهير، فكان له تفسير آخر، ذكره عنه أبو عبيد وقال: غيره أحب إليّ منه. قال: حدثنا إسحاق بن عيسى عن مالك بن أنس: سألت ابن شهاب الزهري: لِمَ أخذ عمر العشر من أهل الذمة ؟ فقال: كان يؤخذ منهم في الجاهلية، فأقرهم عمر على ذلك.
قال أبو عبيد: والوجه الأول ذكرناه من الصلح أشبه بعمر وأولى، وبه كان يقول مالك نفسه .
(نفس المصدر ص 713).
ومن علماء الحنفية من علل تضعيف ما يؤخذ من الذمي بأن الجباية بالحماية، وحاجة التاجر الذمي إلى الحماية أكثر من المسلم، لأن طمع اللصوص في أموال أهل الذمة أوفر .(شرح العناية على الهداية ج ـ 1 ص 532).
ويذهب الأستاذ أبو الأعلى المودودي مذهبًا آخر في التعليل، فيرى أن معظم المسلمين في ذلك الزمان كانوا منتظمين بالدفاع عن الوطن الإسلامي، فأصبحت التجارة كلها بأيدي الذميين، فرأى الفقهاء أن ينقصوا من الضريبة على التجار المسلمين، حفزًا لهم على التجارة، وحفظًا لمصالحهم التجارية .(حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية للأستاذ أبى الأعلى المودودي نشر دار الفكر ص 25).
والمعروف أن الفقهاء قرروا هذا الحكم استنادًا إلى فعل عمر. فالأولى أن ينسب الحكم إليه لا إلى الفقهاء، ولو ترخصنا في التعبير بالفقهاء فإن الأولى أيضًا أن يقال: فرأى الفقهاء أن يزيدوا من الضريبة على غير التجار المسلمين، حفزًا للمسلمين على التجارة، وحفظًا لمصالحهم التجارية، لأن الذي استحدث ليس هو النقص مما وجب على المسلمين، بل الزيادة على غيرهم.
ومرد هذا الاختلاف في التعليل أن الأمر يرد فيه نص معصوم، وإنما فعله عمر رضى الله عنه، بناء على اجتهاد مصلحي، اقتضته السياسة الشرعية . حتى لو أخذنا بما رجحه أبو عبيد من أن فعل عمر بناء على صلح صالحهم عليه. فإن بنود الصلح عادة تُبنى على مصالح واعتبارات زمنية وبيئية قد تتغير.
وأرجح التعليلات عندي من جهة النظر، ما ذكره الدكتور عبد الكريم زيدان: أن السبب في هذا التضعيف هو أن الذمي لا يؤخذ من أمواله شيء سوى ما يؤخذ من أمواله التجارية التي ينتقل بها من بلد إلى بلد. أما أمواله التجارية التي في بلده، وأمواله الباطنة كالذهب والفضة، وزروعه وسوائمه فلا يؤخذ منها شيء بخلاف المسلم، إذ يؤخذ منه زكاة هذه الأموال جميعًا وعلى هذا تكون التكاليف المالية على المسلم أكثر منها على الذمي . ولم يمكن جعل ضريبة المسلم كضريبة الذمي ؛ لأن المأخوذ من المسلم زكاة حقيقية، وهذا هو مقدارها، فلا يمكن أن يُزاد عليه (أي لأنها عبادة).
وقد يقال: إن الذمي تؤخذ منه الجزية، كما يؤخذ منه خراج أرضه، مما يجعل التكاليف المفروضة عليه مساوية لما على المسلم!
والجواب: أن الخراج لا يختص به الذمي إذا أسلم بقي الخراج مفروضًا عليه، وأن المسلم إذا كانت تحت يده أرض خراجية لزمه الخراج . أما الجزية فإنها -وإن كانت خاصة بالذمي- إلا أن مقدارها زهيد جدًا، ولا تجب على كل ذمي، وإنما على القادر على حمل السلاح، وتسقط عنه إذا دعي إلى الخدمة العسكرية .
(أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام ص 186).
وعلى هذا لو تغير الوضع بالنظر إلى الذمي، وأصبح يؤخذ منه ضرائب على أمواله الظاهرة والباطنة (من أنعام وزروع وثمار ونقود وعروض وتجارة) مساوية للزكاة التي تؤخذ من المسلم، فيمكن حينئذ أن يؤخذ من التاجر الذمي مثل ما يؤخذ من المسلم ولا حرج.
كتب
تصويت
Powered by
Best experienced using

MS Internet Explorer 6