الدوحة - د. حسن علي دبا / 14-4-2007
استنكر فضيلة د. يوسف القرضاوي الأعمال والأحداث الدموية التي قام بها بعض الشباب في الجزائر مؤخرا وقال إنه لا يسعه السكوت ولا يسع أي عالم أن يسكت علي ما جري من جرائم وحشية وتساءل مستنكرا: أي قلوب يملكها هؤلاء ويهون عليها ان تقتل العشرات وتهدم البيوت علي أصحابها الآمنين المسالمين، وأضاف بأي شرع يقيمون حجتهم، وعلي أي دليل من كتاب أو سنة يعتمد هؤلاء متعجباً: كيف يسمون هذا جهادا ويعتبرون عملهم هذا غزوة بدر؟ وشرح طبيعة القتال في زوة بدر وأنه كان بين المسلمين والمشركين، لا بين مسلمين ومسلمين كما هو حادث الآن، وقال ان الاسلام يشدد في الدماء كما لا يشدد في امر آخر، مشيرا الي ان من مقاصد الشريعة الخمسة حفظ الدين وحفظ الأنفس، وحفظ الدماء، ومذكرا بأن حفظ الدماء يكون ايضا في الحروب العلنية بين الاسلام والمشركين والوثنيين، فلا يقتل إلا من يقاتل ويحمل السيف، في تأكيد علي احترام الاسلام حق الحياة سواء أكان للإنسان أم الحيوان، وحتي الجنين الذي نشأ من الزنا في اشارة الي زنا المرأة الغامدية وحفظ الرسول صلي الله عليه وسلم لحياتها الا بعد ان تضع الجنين.
ودعا فضيلته هؤلاء الشباب الي ترك عزلتهم في السراديب المظلمة والنزول الي الناس ومخالطتهم ومناقشة العلماء، معتبرا عزلتهم ليست حلا، وقال ليأتوا لنتناقش معا، يناقشون العلماء ويجالسونهم، قال: أما استباحة الدماء فهذا فكر الخوارج الغلاة الذين جاءت الأحاديث بذمهم من عشرة أوجه.
ورأي القرضاوي في خطبته امس بجامع عمر بن الخطاب، بعد عودته من عدة أسفار ان آفة هؤلاء الشباب في عقولهم وليست في ضمائرهم، ووصفهم بأنهم أساءوا فهم الإسلام فأساءوا التطبيق، متسائلا: الي متي تظل بلاد المسلمين مسرحا لهذه الاحداث، ويستهين هؤلاء الشباب بالحياة الانسانية، كأنما الناس ذباب أو بعوض، لا يبالون بمن يقتل، فان اعداء الاسلام يتخذون من هذه الأحداث تكئة لاتهام الاسلام بأنه دين العنف ودين الارهاب، وكان فضيلته قد بدأ خطبته الأولي قائلا:
مازلنا نعيش في صحبة النبي، الجيل القرآني، تلاميذ مدرسة محمد صلي الله عليه وسلم الذين آمنوا به وعذروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل عليه، خير اصحاب الأنبياء فهو الجيل الذي أو ذي فصبر، والذي جاهد فانتصر، والذي أُعطي فشكر، والذي حكم فعدل والذي فتح الفتوح وأقام في الدنيا دولة العدل والاحسان.
واختار فضيلته الزبير بن العوام رضي الله عنه، احد السابقين الأولين من المهاجرين احد العشرة المبشرين بالجنة، احد الستة اصحاب الشوري، احد اهل بدر، احد الذين بايعوا تحت الشجرة، بيعة الرضوان لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة أسلم الزبير، وهو أسدي قرشي، عمته خديجة بنت خويلد، وهو ابن ثماني سنين، الراجح ان هؤلاء الأربعة وكانوا اترابا، ولدوا في سنة واحدة: علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، أسلموا صغارا قبل العاشرة من اعمارهم علي يد أبي بكر الصديق.
قال فضيلته:
الزبير يعذبه ويعلقه ويدخن عليه ليرجع عن الاسلام ،فيقول له والله ياعم لا أرجع الي الكفر ابدا.. وعن اسلامه قال: أسلم الزبير في اوائل الذين أسلموا ودخلوا هذا الدين وتحملوا الأذي في سبيله وكان الزبير من الشجعان أمة صفية بنت عبدالمطلب عمة رسول الله التي عرفت بالشجاعة والقوة وفي يوم الخندق قد قتلت يهوديا اقترب من المنطقة النسائية ضربته بعمود فقتلته، ربت ابنها علي الخشونة، وكان يتيما وكانت تضربه وتشتد عليه حتي قال لها الجيران قتلت الغلام فردت انما اضربه كي يتأدب ويهزم جيش العدو ويأتي بالسلب، تريد أن تعوده الخشونة من صغره حتي انه تصارع مع غلام في صغره فكسر يده من شدة بأسه وكان الزبير يعتبر من الاربعة الاشداء من الصحابة عمر وعلي والزبير وسعد وكان يعتبر من اصحاب النجدة وقالوا نجدة الصحابة حمزة وعلي والزبير بن العوام.
جهاد مستمر
وتحدث عن حياة الزبير ونشأته فقال:نشأ في الاسلام من صغره حتي انه سمع ان رسول الله صلي الله عليه وسلم اخذ خطف في اعلي مكة فحمل الزبير سيفه وهو ابن اثني عشر عاما ومر والناس يقولون: غلام يحمل سيفا وذهب حتي وجد رسول الله صلي الله عليه وسلم ووجد معه السيف قال ماذا؟ قال سمعت انك اخذت يارسول الله قال : فكنت صانعا ماذا؟ قال اضرب بسيفي هذا من اخذك فدعا له الرسول صلي الله عليه وسلم ولسيفه هذا السيف الذي أبلي بلاء حسنا في سبيل الله في الغزوات كلها هذا السيف الذي ورثه ابناؤه من بعده قال عروة ابنه قومناه بكذا ألف واخذه بعضنا ولكم وددت لو انه كان لي..
في كل الغزوات
وعن هجرته قال: هاجر الزبير الي الحبشة ولم يطل الاقامة بها وعاد ليهاجر مع من هاجر من الصحابة الي المدينة واخي النبي بينه وبين بعض الانصار وشهد الغزوات كلها مع رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يتخلف عن واحدة منها ففي بدر كان في المسلمين فارسان والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر ليس معهم الا فارسان الزبير بن العوام علي فرس في الميمنة والمقداد بن الاسود علي فرس في الميسرة وقتل الزبير احد المشركين بضربة سيفه فقيل له: ما اجود سيفك فغضب الزبير لان الفضل ليس لسيفه انما ليده واصيب من بدر بضربتين احدهما في عاتقه وكانت لها نقرة قال ابنه عروة: كنت العب فيها وبعد غزوة احد خشي النبي صلي الله عليه وسلم او لعله سمع ان المشركين يريدون العودة للمدينة مرة اخري فانتدب بعض اصحابه ليلحقوا به ليمضوا في اثرهم فكان علي رأسهم أبوبكر والزبير ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها لعروة بن اختها اسماء وكان الزبير زوج اسماء قالت له كان ابواك -أبابكر والزبير- ممن انطبق عليهم قول الله تعالي.
الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.
من يأتيني بخبرهم؟
وفي غزوة الخندق تحدث فضيلته عن موقف الزبير فقال:
هاجم المشركون فيها رسول الله وأصحابه في عقر دارهم، يريدون استئصال جذورهم وإبادتهم عن آخرهم، وانضم الي هؤلاء المغيرين من الخارج اليهود من الداخل، يهود بني قريظة، الذين كان بينهم وبين رسول الله معاهدة واتفاقية مكتوبة، أن يكونوا مع الرسول وأصحابه إذا هاجمهم مهاجم، يمدونه بالمال وبالرجال وبالسلاح ولكن هؤلاء انتهزوها فرصة، والمغيرون أكثر من عشرة آلاف مسلحون، متحمسون قالوا فرصة نقضي علي محمد وأصحابه وغدروا برسول الله.. وعرف الرسول ذلك فقال من يذهب الي القوم: بني قريظة ليأتيني بخبرهم؟ فسكت الصحابة ولكن واحدا نطق وقال أنا يا رسول الله، كان هذا هو الزبير فذهب وأتاه بخبرهم.. وبعد فترة أراد أن يتتبع أخبارهم، من يأتيني بخبر القوم، فسكت الصحابة ونطق واحد منهم وكان هو الزبير وذهب وأتي بخبرهم.. وفي المرة الثالثة قال ذلك وكان الزبير هو الفارس الذي يعد نفسه للملمات، يعتبر من أشجع الناس.. وحينما قام الزبير بذلك دعا له النبي وقال: إن لكل بني حواريا، أي ناصراً مخلصا له، وإن حواري الزبير، كما كان لعيسي حواريون، كان لمحمد حواريون وقال: الزبير حواريي من أمتي وابن عمتي.
فرح بالمدينة
وقال: كان للزبير أربع نساء أولاهن أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين هي التي زوجها له أبوبكر أولا، ثم تزوج عاتكة بنت عمرو، ثم أم خالد، ثم أم مصعب الكلبية.. وكان له من أسماء: عبدالله وعروة وعبدالله يعتبر أول مولود في المدينة أشاع المشركون ان المسلمين لا ينجبون، لأنهم ظلوا عدة أشهر لم يلد منهم أحد فقالوا إن المسلمين أصيبوا بالعقم، ثم ولد عبدالله فكبر أهل المدينة، وفي غزوة الخندق كان عمره أربع سنين أو نحو ذلك فقال لأبيه: يا أبت لقد رأيتك وأنت تفعل كذا وكذا وتحمل سيفك.. وكان معه عمر بن أبي سلمة يرفع أحدهما الآخر ليري من فوق السور الصحابة لا يستطيعان لصغرهما، قال رأيتني يا بني، قال نعم يا أبي، قال لقد جمع لي رسول الله صلي الله عليه وسلم أبويه في ذلك اليوم، قال: ارم فداك أبي وأمي، قالها لسعد بن أبي وقاص، وقالها للزبير بن العوام، وفي فتح مكة كان الزبير يحمل لواء وأعطاه الرسول لواء آخر، لواء سعد بن عبادة الأنصاري، فدخل الزبير بلواءين.. ومما قاله أصحاب السيرة أن الزبير رضي الله عنه في غزوة بدر كان يلبس عمامة صفراء، فنزلت الملائكة تلبس
عمامة صفراء واعتبروا هذا منقبة للزبير.. وتابع:
موضع ثقة الصحابة
عاش الزبير حياته كلها أقرب الي رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثم عاش بعد رسول الله يشارك في الفتوح: شارك فتح مكة، وفي غزوة اليرموك، وكان له بلاء حسن، كان يشق جيش الروم، من أوله الي آخره لأنه كان اشجع الناس، لايبالي كان له موقف عظيم في الفتوح كلها، وكان نعم المشير والعون للخلفاء بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم، لأبي بكر صهره، ولعمر وكان لعثمان: ممن دافعوا عن عثمان يوم حوصر، وكان موضع ثقة الصحابة، فأوصي سبعة من الصحابة الي الزبير ان يرعي ذريتهم من بعدهم منهم عبدالرحمن وعثمان ابن مسعود، قالوا: فكان ينفق علي هؤلاء الذرية من ماله ويحفظ لهم اموالهم، كان كثير الصدقة في سبيل الله، قالوا: كان له ألف مملوك يدرون عليه الخراج، فلم يكن يدخل في بيته من خراجهم درهما، بل كان يتصدق بها كلها، وكان من اقل الناس حديثا عن رسول الله، قال له ابنه عبدالله أكبر ابنائه، وهو له ابناء أربعة: عبدالله وعروة أحد الفقهاء السبعة في المدينة والرواية عن عائشة رضي الله عنها، ومصعب وجعفر، عبدالله رضي الله عنه سأله مالك يا أبي لماذا لاتكثر من الرواية عن رسول الله كما يفعل فلان وفلان قال والله يابني، مافارقت رسول الله منذ أسلمت، ولكني سمعت منه كلمة قال صلي الله عليه وسلم: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فأخشي الا اضبط، ما أرويه فأكذب علي رسول الله.
أحب الناس
وابرز القرضاوي نقطة هامة في حياة الزبير فقال...
بعد ان استشهد عمر رضي الله عنه، بعد ان ضربه أبو لؤلؤة المجوسي، اوصي عمر الي ستة من الصحابة، ان تكون الخلافة في واحد منهم، احدهم الزبير بن العوام، عثمان وعلي وعبدالرحمن وسعد، وطلحة والزبير، ولكن الزبير وسعد وعبدالرحمن، تنازلوا عن الترشيح، وتركوا الامر بين اثنين عثمان وعلي، فكان الزبير ممن رشحوا للخلافة، وهو أهل لها، وكان الستة هم الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض لا خلاف عليهم في ذلك الوقت، وكان ان اختار معظم الصحابة سيدنا عثمان.. مات عبدالرحمن وبقي الزبير وطلحة وسعد وعلي، وجاء مرة بعض الناس الي عثمان وقالوا له يا أمير المؤمنين استخلف، فسألهم: ذلك يقولون؟ قالوا نعم، قال: من؟ وجاء رجل آخر وقال له ذلك، قال من: قال الزبير، قال اما قلت ما قلت فانه كان أخير أصحاب النبي وكان أحب الناس الي رسول الله صلي الله عليه وسلم..
بدء الفتنة
وقال: هذا هو الزبير الذي عاش ما عاش للإسلام، ثم بعد الفتنة وبعد ان قُتل عثمان وبعد ان ولي علي، كانت الفتنة الكبري، وأول الفتنة وقعة الجمل التي كانت فيها عائشة رضي الله عنها، وكان فيها طلحة، والزبير رضي الله عنهما..
عائشة أم المؤمنين، وطلحة والزبير من المبشرين بالجنة، ذهبوا ليطالبوا بدم عثمان، ويلاقوا عليا في معركة هي أول معارك الفتن في الاسلام، ولكن عليا رضي الله عنه كما تروي الروايات لقي الزبير وأخبره بأن النبي صلي الله عليه وسلم قال بأنه سيقاتله وهو ظالم له، فترك الزبير المعركة ورجع، كانت هذه الفتنة من عمل الدسائس اليهودية التي تكيد كيدها للمسلمين، كلما اتفق الطرفان علي أن يكف بعضهما عن بعض قام من هؤلاء الفتانين والدساسين من يرمي سهماً علي الآخرين فتشتعل المعركة.
وتابع: ترك الزبير المعركة وعاد، لكن أحد الناس قتله، قالوا قتله وهو نائم، وقالوا قتله وهو يصلي، قالوا تجمع عليه بعضهم فقتلوه.. واحد اسمه ابن جرموز وقالوا انه جاء لعلي يبشره بأنه قتل الزبير، فقال لا تدخلوه علي، وبشروه أنه في النار وقال سمعت رسول الله يقول: قاتل الزبير في النار.
ديون ولكن
وذكر القرضاوي أنه وقبل ان يقتل، وهو في المعرركة، دعا ابنه عبدالله أكبر بنيه وقال له يابني ما أظنني إلا مقتولاً في هذه المعركة، وليس يقتل فيها إلا ظالم أو مظلوم وأحسب أني سأقتل مظلوماً، وإن الذي يهمني هو ديني، الدين الذي عليّ، وكان عليه دين كبير ألفا ألف ومائتا ألف (2 مليون ومائتا ألف درهم) وهذا مبلغ كبير بلغة تلك الأيام وبالقوة الشرائية للدرهم التي تشتري (5) دراهم منه شاة. وكان دين الزبير كما يقول ابنه عبدالله أن الرجل يأتيه يستودعه ماله، كان ثقة عند الصحابة فيقول اجعله سلفا، فإني أخشي عليه الضياع، لأن الوديعة إذا ضاعت لا يضمنها المودع، أما السلف -القرض- فهو علي صاحبه، إن ضاع يتكفل به، فقال قرضا فتكاثرت السلف عنده حتي بلغت هذا المبلغ، وكان كثير الصدقات، فصار عليه هذا المبلغ الكبير، ولم يترك دينارا ولا درهما، ولكنه ترك عقارات، ترك أرضابالغابة في المدينة، ودارا بالمدينة، ودارا بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر، وشاء الله ان ترتفع هذه العقارات، كما يحدث في عصرنا، فقال له يا بني ليكن همك سداد ديني، فإن عجزت فاستعن بمولاي، قال عبدالله ولم أدر بماذا تمني، قلت له يا أبت من مولاك؟ قال يا بني إن مولاي هو الله الذي يتولي الصالحين، فكنت اذا وقعت في كربة من كرب دين الزبير أقول: يا مولي الزبير..
تقسيم الميراث
وحين جاء وقت تقسيم تركته ورغبة أبناء الزبير في ذلك قال عبدالله ابنه: لا والله إلا بعد أربع سنين، أنادي في الموسم: من كان له علي الزبير دين فليأت فليأخذه، وبعدها أعطيكم حقكم.
وعن تولية عبدالله بن الزبير الخلافة قال فضيلته: انه تولاها بعد وفاة يزيد بن معاوية، قام وقال أنا أولي الناس بالخلافة وادعي الخلافة وبويع له بها ونودي بأمير المؤمنين تسع سنوات، في مكة وفي العراق وما حولها، وكان واليه علي العراق أخوه مصعب بن الزبير، وجيء بابن جرموز قاتل أبيه، فحبسه وأرسل الي أخيه عبدالله: ان ابن جرموز في السجن عندي أفأقتص منه بما قتل الزبير؟
فقال له: لا والله، لا يقتص بابن جرموز بالزبير، ولابشسع نعله، خل سبيله فخلي سبيله،
______________
نقلا عن جريدة الراية القطرية |