الصفحة الرئيسية:مقالات:
ابحث في موقع القرضاوي
الأحد 19 أغسطس 2007
مقالات
العلاّمة القرضاوي اقتصادياً

أ . د . علي محيي الدين القره داغي** - موقع القرضاوي/ 19-8-2008

مقدمة

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى اخوانه من الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الطيبين ، وصحبه الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

وبعد

فإن الكتابة عن مثل فضيلة الامام شيخنا يوسف القرضاوي حفظه الله ، ليست سهلة ، بل هي صعبة للغاية سواء كانت الكتابة تتعلق بسيرته التي كتب هو بنفسه جزءاً منها في ثلاثة مجلدات ، وربما يستغرق الباقي عدة مجلدات ، أم كانت في علومه ومؤلفاته المتنوعة التي تكاد تصل إلى مائتي كتاب ، فالشيخ موسوعي من الطراز الأول ، بل هو عبقري امام ، لا يستطيع أن يفي بحقه إلاّ امام كما قال الشيخ الغزالي رحمه الله ، كما أنه لا يحسن الكتابة عن العباقرة إلاّ عبقري كما قال العقاد رحمه الله ، وأنىّ لي أن أدعي الامامة ، او العبقرية ؟! ..

ولكن الذي شجعني للاستجابة للكتابة ببحث عن الشيخ القرضاوي هو أن التكليف الذي جاء من اللجنة المنظمة لمؤتمر حول الشيخ ، قد خصص موضوع بحثي بجانبه الاقتصادي الذي ربما أستطيع أن أدلو بدلوي في هذا المجال المتيسر بإذن الله تعالى ، كما أنني سبق لي أن تشرفت بكتابة بحث عن فقه القرضاوي في الزكاة ، الذي ساهمت به في الكتاب الذي أصدرته لكلية الشريعة والقانون بجامعة قطر بمناسبة بلوغه سن السبعين .

وقد كتب فضيلة شيخنا القرضاوي منذ وقت مبكر عن الاقتصاد الاسلامي ، فقد ألف في النظام المالي الاسلامي في المالية الاسلامية كتابه القيم " فقه الزكاة " الذي يعد بحق أفضل كتاب ألف في هذا الركن العظيم على مرّ العصور ، فهو كتاب هذا القرن ، وأنه موسوعة فقهية في الزكاة .....[1] .

وألف الشيخ كذلك في فرع من فروع الدراسة الاقتصادية هو الرفاهية في كتابه الذي سماه " مشكلة الفقر وكيف عالجها الاسلام " كما ألف في موقف الاسلام من النشاط الاقتصادي من خلال كتابه القيم " دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي " .

وهكذا نجد الشيخ قد كتب عن معظم مسارات الاقتصاد الاسلامي كما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى .

وقد قسمت البحث إلى قمسين : قسم نتحدث فيه عن الجانب النظري المتمثل في كتبه وبحوثه الخاصة بالاقتصاد ، وقسم نتحدث فيه عن الجانب العملي شدوره في المؤسسات المالية الاسلامية ، ولأجل توضيح هذا الدور قمت بمقابلة خاصة مع فضيلته في هذا المجال .

والله تعالى أسأل أن يكسو عملنا ثوب الاخلاص ، وأن يلهمنا الصواب ، ويعصمنا من الزلل والخلل في العقيدة والقول والعمل، إنه حسبنا ومولانا، فنعم المولى ونعم الموفق والنصير .

تمهيد في التعريفات ،،،

وأسباب عناية الشيخ بالاقتصاد الاسلامي :

التعريف بالاقتصاد الاسلامي :

الاقتصاد : مصدر اقتصد ، وأصله من القصد ، وله عدة معان مثل الوسط ، واستقامة الطريق ، فيقال : قصد الطريق قصداً : استقام ، وقصد في الأمر : توسط ، فلم يُفرِط ، ولم يفرّط ، وقصد في الحكم : عدل ولم يمل ناحية ، وقصد في النفقة : لم يسرف ولم يقتر ، وقصد في مشيه : اعتدل ، وكذلك الحال في لفظ اقتصد ، حيث يقال : اقتصد في أمره : توسط ، واقتصد في النفقة : لم يسرف ولم يقتر ، ويطلق القصد على التوجه إلى الشي عمداً أي مع النية ، فيجمع على القصود ، ومنه المقصد والمقاصد[2] .

وفي القرآن الكريم ورد ( قصد ) ومشتقاته عدة مرات منها قوله تعالى : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ )[3] أي اعتدل دون إسراع ، ولا بطء ، ومنها قوله تعالى : (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ .... ) أي المتوسط في الطاعات[4] ، وقوله تعالى :  (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) أي عادلة [5] ، وقوله تعالى : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ )[6] ومنها قوله تعالى : (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً.....) أي سهلاً مقتصداً [7] ، ومنها قوله تعالى : (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ) أي استقامة الطريق ، والاعتدال[8] .

وقال الأصفهاني : ( والاقتصاد على ضربين أحدهما : محمود على الاطلاق ، وذلك فيما له طرفان : إفراط وتفريط كالجود فإنه بين الإسراف والبخل .... ، والثاني : يكنّى به عما يتردد بين المحمود والمذموم .... وعلى ذلك قوله تعالى : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)[9]  .

ولا يختلف معنى القصد والاقتصاد في السنة عما ذكرناه ، فقد ترجم البخاري : باب القصد والمداومة على العمل ، قال الحافظ ابن حجر : ( القصد : هو سلوك الطريق المعتدلة .. وفسّروا السداد بالقصد ، وبه تظهر المناسبة )[10] وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أحمد بالقصد[11] ( أي التوسط والاعتدال ) فقال : ( عليكم القصد )[12] وروى مسلم ، وأحمد ، وأصحاب السنن بسندهم عن جابر بن سمرة قال : ( كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً ، وخطبته قصداً ) أي وسطاً بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق .

وقصدي من هذا العرض أن الاقتصاد لم يرد بمعنى الأنشطة الاقتصادية في عرف اللغة ، ولا في الكتاب والسنة ، ولكن معناه يسع للمعنى الاصطلاحي المعاصر الذي يقصد به النشاط أو التعامل المادي التجاري والصناعي ، والزراعي ، والعقاري ، وما يتصل به من خدمات مالية[13] .

علم الاقتصاد[14] :

تعددت تعريفات علم الاقتصاد لدى الاقتصاديين وبين الغربيين ، فعرفه آدم سميث (ت1790هـ) بأنه العلم الذي يدرس الكيفية التي تمكن الأمة من أن تغتنى[15] وعرفه الفريد مارشال (ت1924م) بأنه علم يبحث في كيفية حصول الإنسان على دخله ، وكيفية استعمال هذا الدخل[16] وعرفه بيجو بأنه الدراسة التي تعنى بزيادة الرفاهية[17] وقال آخرون : أنه دراسة لسلوك الإنسان من جهة تعلقه باستعمال الموارد النادرة في إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها واستهلاكها[18] .  

والخلاصة أن علم الاقتصاد يدور حول دراسة الحياة الاقتصادية من جميع نواحيها[19] أو بعبارة أخرى فهو يبحث عن أساليب إنتاجية وتوزيعية تمكن المجتمع من استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة له بكفاءة لإنتاج مختلف السلع التي يرغب فيها[20] .

فعلى ضوء ذلك فإن علم الاقتصاد يختلف عن المذاهب والنظم الاقتصادية ، إذ أن النظام الاقتصادي هو الطريقة التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية ، وحل مشاكلها العملية ، فالنظام الاقتصادي يرتبط بأيدلوجية المجتمع للعدالة الاجتماعية فيما يخص الملكية ، ووسائل التملك ، والحرية ونحوها[21] .

إن مهمة علم الاقتصاد هي ما يأتي :

1) استنباط القوانين والنظريات الاقتصادية التي يعتقد أنها تحكم العلاقات التي تربط مختلف الظواهر الاقتصادية[22] .

فعلم الاقتصاد عام ولكنه يتخصص ويتلون بلون العقيدة (الأيدولوجية) أو الفلسفة التي ينبثق منها علم الاقتصاد ، والمبادئ العامة التي تتحكم فيه ، فإن كانت رأسمالية فيقال : علم الاقتصاد الرأسمالي ، وإن كانت اشتراكية فيقال : علم الاقتصاد الاشتراكي ، وإن كانت إسلامية فيقال علم الاقتصاد الإسلامي .

2) تحقيق أنسب قدر مستطاع من الإنتاج عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد .

3) توزيع هذا الإنتاج للوصول إلى تحقيق قدر ممكن من الرفاهية[23] .

الاقتصاد الاسلامي[24] :

النظام الاقتصادي الإسلامي هو التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية ، الذي يتضمن مجموعة من المبادئ الأساسية والمعطيات الأولية ، ثم تحليل كيفية تفاعل المتغيرات الاقتصادية في إطار هذه المبادئ والمعطيات[25] ، وبعبارة أخرى فإن الاقتصاد الإسلامي هو الانتفاع المشروع بالموارد الطبيعية المنتجة وحسن استثمارها[26] ، لذلك يتسم بمجموعة من الخصائص ، من أهمها  :

1 ـ ارتباطه بالإسلام عقيدة وشريعة من حيث الالتزام بعدم تعارض أحكامه ونظرياته وحلوله مع الكتاب والسنة الصحيحة ، فهو اقتصاد رباني ، أخلاقي قائم على الدين والأخلاق وأن مرجعيته إلى الإسلام ،وهذا لا يعني غلق باب الاجتهاد أبداً ، بل الالتزام بالثوابت ، أما المتغيرات القابلة للاجتهادات في عالم الاقتصاد فأكثر من أن تحصى .

وعلى ضوء العقيدة الإسلامية فإن الملك الحقيقي لله تعالى ، وان الإنسان مستخلف في الأرض بأمر الله تعالى ، وبعبارة أخرى فملكيته ليست مطلقة دون قيود من المالك الحقيقي .

وهذا الارتباط تترتب عليه آثار كبيرة على مستوى العلاقات المتنوعة بين الإنسان والمال ، وبينه وبين ربه ، وبينه وبين أخيه الإنسان ، كما يترتب على ذلك أن هذا الاقتصاد اقتصاد أخلاقي واقعي إنساني وعالمي واقتصاد اجتماعي يتوخى المصالح التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الغراء .

2 ـ ارتباطه بالإسلام من حيث التصورات الخاصة باستخلاف الإنسان ، ودوره ، وبالملكية ، حيث التوازن بين الملكية الخاصة والعامة وبين الحرية المطلقة والجبرية المطلقة وبين تدخل الدولة وحرية السوق ، وبين المنافسة المنضبطة والمنافسة دون أي قيد .

3 ـ ان التوازن هو منهج الإسلام في كل تشريعاته ، وهو النهج الوسط الذي نزل به القرآن فقال تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )[27] وهو يعني المكان بين اليمين واليسار ، كما قال سيدنا علي رضي الله عنه:(اليمين واليسار مضلة،والوسط هو الجادة... )[28] .

ومن هذا المنطلق فقد اعترف الإسلام بالمكلية الخاصة ، وبسط لها ظل حمايتها الكاملة ، ولكنه قيدها ببعض القيود التي تعود بالمصلحة على المجمتع من خلال قيدين :

1.   قيد على حرية امتلاك الفرد ، يخص منع امتداد الملكية الخاصة للموارد ذات النفع العام أو ما يعدّ ضرورياً لعامة الناس مثل مياه البحار ، والغابات ، ونحوهما .

2.   وقيد خاص يتعلق بتحريم بعض أنواع الكسب ، والإنتاج والانفاق ، أي أنه يوجد بجانب الملكية الخاصة بنوعان آخران من الملكية هما : الملكية العامة ، أي ملك للمجتمع ، أو الأمة على سبيل الشيوع ، وبالتالي فلا يجوز لأحد أن يطغى وحده عليها ، وإلاّ تضرر الآخرون وهي ملكية المياه العامة (كالبحار والأنهار) والغابات.

والملكية الأخرى : هي ملكية بيت المال أو الدولة لمشاريعها الخاصة بها مثل الطرق العامة ونحوها .

وقد استطاع الفقه الإسلامي أن يجعل الملكية الخاصة والملكية العامة في مجال التكامل والتعاون وليستا في مجال التضاد والتناقض ، فالملكية العامة تتجه نحو الموارد العامة ، والخاصة تتجه نحو الموارد الخاصة دون أن يتضرر أحد من ذلك .

إن التجارب الإنسانية مع الرأسمالية والشيوعية تدل بوضوح على أن الملكية الخاصة وحدها مع حريتها أدت إلى ظلم شديد وتعسف لمعظم طبقات الشعب الكادحة ، وان الغاءها في النظام الشيوعي لم يعالج فقر الفقراء ، بل قضى على الأغنياء فجعلهم فقراء ، ثم انتهى النظام بالفشل الذريع كما شاهدنا في انهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار نظامه الاقتصادي الذي أرجع إليه فشل نظامه السياسي أيضاً .

فالملكية فطرة من فطر الله تعال التي فطر الناس عليها ، لذلك لا يمكن كبتها وحرمان الناس منها كما قال تعالى : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)[29] .

لذلك لا بدّ من تهذيبها وتحريكها نحو الخير والبناء ، وضبطها بالقيم الدينية والأخلاقية كما فعله الإسلام .

وكذلك الأمر بالنسبة لدور الدولة حيث إنه ليس دور التدخل والتحكم ، وإنما دور الرقابة والاشراف ـ كما سبق ـ .

وهكذا الأمر بالنسبة للمنافسة حيث أجاز المنافسة الشريفة وحرم الاحتكار والاستغلال .

وهكذا الإسلام يجمع في النظام الاقتصادي بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ، والمصالح المادية والحاجات الروحية ، وبين الثبات والتطور[30] .

أسباب عناية  الشيخ القرضاوي بالاقتصاد الاسلامي :

قد يتبادر إلى الذهن منذ أول وهلة التساؤل حول أسباب اندفاع الشيخ القرضاوي نحو العناية بالاقتصاد الاسلامي والكتابة فيه ، وهو ليس خريج كليه لها صلة مابشرة بالاقتصاد مثل كليات التجارة والادارة والاقتصاد ، بل هو خريج كلية أصول الدين التي تولي عنايتها القصوى بالعقيدة وعلم الكلام ، وبالكتاب الكريم والسنة المطهرة؟

للاجابة عن هذا السؤال نقول :

أولاً ـ إن من يختار لأطروحته العلمية ورسالته للعالمية ( الدكتوراه ) أن يكون موضوعها وعنوانها " فقه الزكاة " ليتبين له الجواب بوضوح ، لأن الزكاة هي الركن الاقتصادي للاسلام ، فدراسة الزكاة من حيث آثارها الاجتماعية دراسة اقتصادية ، ودراسة الزكاة من حيث وعاؤها أو نصابها ، ونسبها ، دراسة اقتصادية ، ودراسة الزكاة من حيث قيام الدولة بتحصيلها وتجميعها ، ثم صرفها وتوزيعها على المستحقين : دراسة اقتصادية ، لأنها تتعلق بدور الدولة في الجباية والانفاق ، وإعادة التوزيع ، وكذلك دراسة الأموال التي تجب فيها الزكاة وشروطها ، وتحديد نصبها ، وأزمنتها وكيفيتها ، كل ذلك دراسة اقتصادية ، ودراسة الانفاق وآثاره على مختلف فئات المجتمع أغنياء وفقراء دراسة اقتصادية[31].

وثانياً ـ ان الشيخ القرضاوي تصدى للدعوة في مقتبل عمره ، وتبنى الفكر الشمولي الوسطي من خلال مدرسة الامام البنا رحمه الله ، وآمن بالاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة ، وازداد ايماناً بانه صالح للتطبيق في كل زمان ومكان ، ثم بذل كل جهده للبرهنة على ذلك بالأدلة المعقولة والمنقولة ، ويؤلف عدة كتب في تهافت الحلول المستوردة ، وبينات الحل الاسلامي .

من كان هذا عقيدته ، وإيمانه ودعوته وجهاده وجهوده فلا شك أنه يحتاج إلى أن يوضح الجانب الاقتصادي في الاسلام ، ويثبت أن الاسلام فيه العلاج الشامل لكل جوانب الحياة ، وأن الاقتصاد هو من أهم هذه الجوانب المهمة على الاطلاق ، ولا سيما أن الدعوة الاسلامية منذ بداية القرن العشرين قد ابتليت بمن يسمون بالعلمانيين الذين يبذلون كل جهودهم لتجريد الاسلام من نظمه ، وحصره في دائرة ضيقة لا تتجاوز أسوار المساجد بمعناها الخاص .

فهؤلاء العلمانيون قد وجهوا سهامهم المسمومة إلى الاسلام واتهموه زوراً وبهتاناً بانه سبب تخلف الأمة وكبوتها ، وأنه على أحسن تقدير مجرد دين روحاني بين الانسان وربه دون أن يكون له واقع في الحياة .

وأمام هذه الهجمات الشرسة تصدى الشيخ للرد عليها بالبراهين والبينات ، وقام بالحوار والمناظرات فكتب في الجانب الاقتصادي ، موضحاً ومبيناً ومثبتاً العلاج للقضايا الاقتصادية ، والمشكلات المالية من صيدلية الاسلام .

وثالثاً ـ أن الصحوة الاسلامية التي ظهرت منذ السبعينات قد احتاجت إلى الترشيد والتوضيح وبيان الأحكام الشرعية لكل تصرفات الانسان في مختلف مجالات الحياة ، ولذلك كثر التساؤل حول القضايا الاقتصادية والمسائل المالية ، فكان من الطبيعي أن يتصدى الشيخ للاجابة عنها بشيء من التفصيل والتأصيل ، وقد يستدعي الأمر أن يكتب في بعضها بحثاً أو مؤلفاً خاصاً .

ورابعاً ـ بعد إنشاء البنوك الاسلامية في عام 1975 كثرت الهجمات عليها من قبل المتربصين بها والمناوئين لأصل فكرتها ، فحاولوا التشكيك في مصداقيتها ، وبيان أنها حيلة وأنه لا فرق بينها وبين البنوك الربوية ، حيث ركزوا على عقود المرابحة للآمر بالشراء ، وأنها مثل القرض بفائدة مع زيادة في التكاليف فتصدى الشيخ لهؤلاء المشككين بتفنيد حجتهم من خلال كتابه القيم " بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الاسلامية " .

والخلاصة أن من سنن الله تعالى أن ييسر كل شخص لما خلق له ، ولذلك كان القدر يدفعه نحو الجمع بين تخصص الكتاب والسنة ، والفقه العميق لهما ليتجه نحو الفقه الدقيق من خلال فقه الزكاة على ضوء الكتاب والسنة بدل أن يتجه نحو دراسات قرآنية في مجال القراءات وعلوم القرآن ، أو دراسات في الحديث حفظاً ومتناً وسنداً ، ودرسات فلسفية وكلامية حسب تخصصه الأولي .

فقد ساعده تخصصه الأكاديمي ورسالته الدكتوراه للوصول إلى منهج جامع بين الحديث سنداً ومتناً ودراية ورواية ، والفقه العميق الذي انفصلا لدى معظم الدارسين في أحد هذين الفرعين ( الفقه ، والحديث ) .

وهذا المنهج الجامع هو الذي ميز الكتاب حتى سماه بعض كبار العلماء " كتاب العصر " .

وأخيراً فإن الشيخ القرضاوي قد أجاب عن سبب اهتمامه بالجانب الاقتصادي فقال : ( إن اهتمامي بالاقتصاد الاسلامي جزء من اهتمامي بالشريعة الاسلامية ، والدعوة إلى تحكيمها في جميع مجالات الحياة ، وإحلال أحكامها ، محل القوانين الوضعية ، والأنظمة المستوردة ، وقد زاد اهتمامي بالاقتصاد الاسلامي ، منذ شرعت أبحث في الزكاة ( منذ بضع وثلاثين سنة ) وتبين لي أن فرض الزكاة وتحريم الربا يمثلان العمود الفقري للاقتصاد الاسلامي ، ولهذا كانت الأولى        ( الزكاة ) من أركان الاسلام الخمسة ، وكان الثاني ( الربا ) من الموبقات السبع ، ولا غرو أن كانت الدعوة إلى تطهير الاقتصاد من الربا والمعاملات المحظورة ، وإقامة مصارف ( بنوك ) اسلامية تحل محل البنوك الربوية ، أمراً ضرورياً لاقامة الحياة الاسلامية المنشودة ، وهو فرع من دعوتنا إلى الاسلام كله )[32] .

القسم الأول : مؤلفات الشيخ في غير الاقتصاد الاسلامي :

إذا عمقنا النظر في معظم كتب الشيخ الثرة والثرية لوجدنا أنها جميعاً لا تخلو من آراء اقتصادية قيمة واضاءات تنير الدروب ، ونظرات اقتصادية ثاقبة استفاد منها من جاء بعده من الاقتصاديين المعاصرين ، ولذلك نستطيع تقسيم دور الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي في الجانب النظري من خلال كتبه القيمة إلى قسمين أساسين هما :

1.     الكتب والدراسات الخاصة في نطاق الاقتصاد الاسلامي

2.     الكتب والدراسات الخاصة بغير الاقتصاد الاسلامي

دور الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي في غير نطاق الاقتصاد :

وهذا القسم يشمل عدداً يفوق العشرات التي ألف فيها الشيخ وأجاد وأبدع فيها ، وهي كثيرة متنوعة شملت دراسات وتأصيلات لمختلف مجالات الفكر والفقه ، والحضارة والصحوة والنهضة الاسلامية ، بدءاً بكتاب الحلال والحرام إلى الكتاب الأخير الذي يحمل رقم        ضمن سلسلة كتب الشيخ ، وفي معظم هذه الكتب تناول الشيخ قضايا اقتصادية مثل كتاب الحلال والحرام الذي تناول فيه بعض أحكام المعاملات المالية الاسلامية ، حيث تطرق إلى التأمين ، والمسابقات المالية ، والربا ، وغير ذلك .

هذه الكتب القيمة التي ألفها الشيخ في غير الاقتصاد الاسلامي كان لها أثرها في الاقتصاد الاسلامي ، وفيمن كتبوا عنه في المجالات الآتية :

أولاً ـ وضع المنهج :

ساهمت كتب الشيخ القرضاوي ومؤلفاته القيمة بعطائها الفكري المتجددد ، وثرائها الفقهي المتأصل في وضع منهج متميز لدراسة المستجدات ، قائم على ما يأتي :

1 ـ الاعتماد على الينبوع الصافي : الكتاب والسنة الصحيحة ، ثم على بقية الأدلة الأصولية .

2 ـ الاستفادة من تراثنا الفقهي العظيم من خلال اجتهاد انتقائي ، حيث دعا الشيخ في كتابه " الاجتهاد " إلى الاستفادة من تراثنا الفقهي العظيم من خلال الاجتهاد الانتقائي أي النظر إلى كل ما فيه من آراء فقهية لفقهاء الصحابة والتابعين ، وتابعيهم ، ولفقهاء المذاهب الأربعة ، وغيرهم من الظاهرية والزيدية ، و الاباضية ، بل للمذاهب المندثرة ، ثم بعد النظر القيام بالمقارنات القائمة على المناقشات ، والترجيح المدعم بالأدلة ، إضافة إلى الاجتهاد الانشائي لحالات عدم وجود اجتهاد سابق .

وهذا الذي دعاء إليه الشيخ في الفقه بصورة عامة قد استفاد منه الذين كتبوا عن الاقتصاد علماً ونظاماً ونظرية وتطبيقاً ، بل إنهم أحوج ما كانوا إلى العودة إلى التراث الفقهي الشامل لاستنباط المبادئ والنظريات والحلول الاقتصادية للمشكلات الاقتصادية المعاصرة .

3 ـ اتباع منهج التيسير في الفقه ، والتبشير في الدعوة ، وبناء على هذا المنهج اختار من الآراء الفقهية ما يتناسب مع اليسر ورفع الحرج ما لم يكن اثماً واضحاً ، ومن هنا رجح الوعد الملزم في عقد المرابحة وان كان هذا مخالفاً للجمهور[33] ، كما اختار كذلك جواز دفع القيمة بدل العين في الزكاة[34] .

4 ـ اعتبار المقاصد والمبادئ والكليات مع رعاية الأدلة النصية الجزئية ، بمنهج وسط موزون ، حيث يجمع بين كل واحد من المقاصد والأدلة النصية الجزئية في إطار منهجي قائم على التوفيق دون الالغاء لأحدهما ، أو الترجيح حيث لا مفرّ منه ، ولكنه ترجيح معتمد على المرجحات المبينات ، وليس على الأهواء والمصالح الموهومة او الملغاة ، وعلى هذا الأساس رجح جواز دفع القيمة بدل العين في الزكاة ، ورجح جواز نقلها لاعتبارات مهمة باعتبار أن المسلمين أمة واحدة .

5  ـ اتباع منهج الوسط في كل المجالات الاجتهادية ، وبخاصة في مجال ما يؤخذ من القديم ، أو المعاصر ، وما يؤخذ من القوانين والأنظمة ونحوها ، مع وضع الضوابط المطلوبة ،  ولقد انعكس هذا المنهج في كثير من آرائه الاقتصادية ، كما تأثر به الكثيرون .

هذا المنهج الوسطي المتكامل الجامع بين القديم الصالح والجديد النافع ، وبين الأصالة والمعاصرة ، وبين المقاصد والمبادئ العامة والأدلة الجزئية ، استفاد منه الاقتصاديون الذين اتخذوا من فكره منطلقاً ، وجعلوا منه زاداً ومرجعاً ينهلون منه للوصول إلى فكر اقتصادي مستنير ، وتأصيل علمي عميق للنظريات الاقتصادية يعتمد على الثوابت في علاج النوازل والمستجدات ، وعلى المتغيرات لمزيد من التطوير والتحديث ، يستلهم الماضي المشرق ويستشرف المستقبل المأمول للوصول إلى مستقبل زاهر لهذه الأمة العظيمة .

القسم الثاني : مؤلفات الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي :

قبل البدء بالحديث عن مؤلفات الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي فإنني أود أن أبين حقيقة وهي أن الشيخ القرضاوي لم يلزم نفسه بالكتابة وفق التقسيمات الاقتصادية بل لم يخص فرعاً من فروع الاقتاصد بالكتابة فيه بذاته ، وبالتالي : (فإننا لا ندعي تخصص الشيخ في الاقتصاد الاسلامي ، أو فرع من فروعه )[35] وإنما كانت كتابات الشيخ جاءت حسب حديثه عن نظام الاسلام الشامل للحياة كلها ، الذي يشمل الجانب الاقتصادي بصورة واضحة ، ولكن الذي نقرره في هذا التمهيد ـ كما سيتضح فيما بعد أكثر ـ أن للشيخ آثاراً واضحة على المتخصصين في الاقتصاد الاسلامي أيضاً الذين وجدوا بغيتهم لديه في كثير من الأحيان ، بل أستطيع القول : ان كتابه " دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي " شمل النشاط الاقتصادي بمنظور اسلامي أخلاقي ـ كما سيأتي ـ .

ولا يسع المجال للحديث عن كل ما كتبه الشيخ وألفه حول فروع الاقتصاد الاسلامي ، وإنما نركز على أهم كتبه في هذا المجال ، وهي :

1ـ فقه الزكاة الذي اتفق معظم المعاصرين على أنه لم يؤلف مثله في هذا الباب ، وقد خصصته ببحث مستقل نشر في الكتاب المخصص للشيخ القرضاوي بمناسبة بلوغه سن السبعين ، لذلك أحيل القارئ الكريم إليه[36] .

2ـ مشكلة الفقر ، وكيف عالجها الاسلام .

3ـ دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي .

وهذان الكتابان الأخيران نحاول ـ بقدر الامكان ـ تسليط بعض الأضواء عليهما.

كتاب : مشكلة الفقر ، وكيف عالجها الاسلام :

وهو كتاب يقع في حدود 143 صفحة ، ألفه في شعبان 1386هـ الموافق نوفمبر 1966م ، وقد نشرته مكتبة وهبة بالقاهرة ، وطبع عدة طبعات ، وترجم إلى عدة لغات حية في العالم .

ونحن هنا نتناول أسباب تأليفه ، ومحتواه بإيجاز ، وما يتضمنه من أفكار ، وما يمتاز به من حيث الأسلوب والعلاج .

أولاً ـ أسباب تأليفه :

أشار الشيخ في مقدمته إلى أن أسباب تأليفه لكتاب " مشكلة الفقر وكيف عالجها الاسلام " تكمن في أن مشكلة الفقر قد استغلت من قبل المخربين والهدامين ،      ( فاتخذوها أداة لاثارة الجماهير والتأثير عليها ، وكسبها إلى جانب مذاهبهم الالحادية الباطلة بايهامهم أنها في صف الضعفاء ، وفي خدمة الفقراء ، وساعد على ذلك جهل المسلمين بنظام الاسلام ، وتأثرهم بالدعايات المضللة التي مسخت صورته وشوهت جماله ، مستغلة في ذلك الواقع الكئيب لحياة المسلمين ، والافهام الخاطئة لبعض علمائهم في عهود الانحطاط )[37] .

وهذا ما حدث فعلاً للشيوعية التي انتشرت في العالم الاسلامي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ( قرن العشرين ) حيث اكتسحت الساحة الاسلامية بحجة أنها تنقذ الفقراء من فقرهم ، وتسعف حاجات المحتاجين ، وتجعلهم أغنياء ، فقد رفعت الشيوعية لواء الاشتراكية والشيوعية في الأموال وفي غيرها ، وجعل الناس متساويين في كل شيء من خلال الغاء الملكية الخاصة وجعلها ملكية شائعة للجميع تديرها الدولة وتملكها ، فأغرت الفلاحين بأن سبب فقرهم هو وجود الملاك ، فثاروا عليهم ، ووزعت الأراضي تحت لواء الاصلاح الزراعي ، ولكن النتيجة كانت مخيبة للآمال ، حيث خربت الزراعة ، ونقص الانتاج ، وقلت نسبة الأراضي الموزعة والمستصلحة ، وازداد الفقراء فقراً وكآبة .

والشيوعية ليست قكراً اقتصادياً فحسب بل هي عقيدة أيدولوجية تقوم على الالحاد ، وعلى أن الدين خرافة وأفيون للشعوب .

ولذلك نشر دعاتها الالحاد تحت غطاء الاصلاح الاقتصادي ، والزراعي ، وعلاج مشكلة الفقر والبطالة ، وتأثر بها الكثيرون إلى أن انهارت مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م .

فكان هذا الكتاب رداً على هؤلاء ، ودحضاً لأفكارهم ، وزهقاً لباطلهم ، وكشفاً لحيلهم ، وقطعاً لزيغهم ، وهو في الوقت نفسه بيان لمنهج الاسلام في الاصلاح ، ولهدي محمد صلى الله عليه وسلم في العلاج ، حيث استطاع الكتاب بجدارة أن يوضح موقف الاسلام من هذه المشكلة العويصة ، كيف عالجها علاجاً يقتلع الداء من الجذور ، وليس مجرد علاج سطحي بمسكنات وقتية ، تخفف الألم ساعة من الزمن ، ولا تستأصل جرثومة المرض .

ثانياً ـ محتوى الكتاب :

يحتوي الكتاب على خمسة مباحث ، خصص المبحث الأول : لبيان مواقف الناس أمام مشكلة الفقر ، والثاني : لبيان نظرة الاسلام إلى الفقر ، والثالث : لوسائل الاسلام الست في معالجة الفقر ، وهي العمل ، وكفالة الموسرين للفقراء الأقارب ، والزكاة ، والصدقات الاختيارية ، والاحسان الفردي ، وفرض حقوق أخرى غير الزكاة  .

وأما المبحث الرابع فقد خصص لشروط النجاح ، والمبحث الخامس : لانتصار الاسلام على الفقر من الناحية الواقعية والتجريبية .

ونحن لانخوض في غمار التفاصيل لما في هذه المباحث من مسائل مهمة ، وقضايا علمية ، وآراء ومناقشات ، وجهود لا يسعنا إلاّ أن ندعو للشيخ بأن يجزيه الله عن الاسلام خير الحزاء ، وإنما نتحدث عن أهم أفكاره التي يمتاز به الكتاب .

ثالثا ـ ما يتضمنه الكتاب من أفكار مميزة :

يمتاز الكتاب بجوانب عديدة ، نوجز القول في أهمها :

1ـ ان هذا الكتاب يعد في نظري أول كتاب ألف في علاج مشكلة الفقر في الاسلام ، ويشكل نظرية متكاملة في موضوع الرفاهية الاقتصادية حسب مصطلح الاقتصاديين ، حيث عالج فيه هذه المشكلة من جميع جوانبها وأطرافها المختلفة ، وقد تبين لنا من خلال عرض محتوى الكتاب أنه يتضمن التعريف بحقيقة الفقر ، وأسبابه وآثاره النفسية والاجتماعية ، والاقتصادية ، ثم أفاض في بحث الوسائل التي يمكن من خلالها علاجه علاجاً جذرياً للوصول إلى مجتمع " تمام الكفاية " وليس " حدّ الكفاية " لكل فرد عمله المناسب ، او نصيبه من الحقوق الاجتماعية ليتحقق له مستوى مناسب من العيش الكريم .

ولذلك فكل من جاء بعد الشيخ وكتب عن علاج مشكلة الفقر في الاسلام فهو قد اعتمد على كتابه هذا ، واستفاد منه ، وبخاصة الاقتصاديون الاسلاميون الذين كتبوا عن موضوع ( الفقر ، أو الرفاهية الاقتصادية )[38] حيث وجدوا فيه مادة غزيرة تعطيهم معلومات قيمة حول موقف الاسلام من الفقر والرفاهية ، وتفتح لهم آفاقاً جديدة واسعة ، وتيسر لهم أموراً ومجالات ربما يتيهبون ولوجها لولا ما قدمه الشيخ فيها من هذه المعلومات القيمة ، والأفكار النيرة ، والحلول والمناهج والمقترحات ، فقد وضع الكتاب أيدي الاقتصاديين الاسلاميين على أرض خصبة ، ولم يبق لهم إلاّ ان يغرسوا الأفكار الاقتصادية لتنمو وتزدهر وتغطي ثمارها الطيبة[39] .

2ـ ومما يمتاز به الكتاب أنه كتاب يعتمد في أحكامه وعلاجه على الأدلة المعتبرة من الكتاب والسنة ، والاجماع ، حيث يقول الشيخ في مقدمة كتابه : ( و ما عرضناه هنا من علاج الاسلام لمشكلة الفقر قد رددناه إلى أصوله ومصادره الاسلامية الخالصة من الكتاب والسنة ، وأقوال الأئمة المجتهدين من فقهاء الاسلام ، حتى لا يتهمنا امرؤ متحيز ، أو جامد بأننا نقدم إسلاماً جديداً ليس هو الاسلام الذي عرفه الصحابة ، وفهمه أبو حنيفة ومالك وغيرهما من الأئمة ، كما زعم ذلك بعض المستشرقين فيما يكتبه الدعاة إلى الاسلام اليوم )[40] .

3ـ ان الكتاب أظهر بوضوح المذهب الاقتصادي الاسلامي المتميز ، وأنه لا يمكن وصفه بالاشتراكية ، أو الرأسمالية ، بل الوصف الوحيد له هو الاسلام ، فقال تعالى : ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً )[41] يقول الشيخ : ( وسنبين للقارئ وسيتبين للقارئ في هذه الصحائف : أن نظرة الاسلام إلى الفقر وعلاجه له ، ووسائله في علاجه ، ورعايته لحقوق الفقراء ، وكفالته لحاجاتهم المادية والأدبية تجعله مذهباً متميزاً عن كل مذهب أخر يروج له المروجون في بلادنا وغير بلادنا في هذا الزمن .

وبتبين له أن من الخطأ البين أن ينسب الاسلام إلى أحد هذه المذاهب ، أو ينسب أحدها إليه ، فيقال مثلاً : ان الاشتراكية من الاسلام أو الاسلام من الاشتراكية ، أو يقال : أن الاسلام رأسمالي ، أو الرأسمالية اسلامية !

إن للاسلام نظرة إلى الحياة وإلى الانسان ، وإلى العمل وإلى المال ، وإلى الفرد وإلى المجتمع ، تخالف في مجموعها نظرة المذاهب الأخرى يمينية ويسارية ، انها نظرة متفردة مستقلة ، لا شرقية ولا غربية ، بل ربانية انسانية ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)[42] .

فلندع للاسلام أصالته وشموله ، وعمقه واتزانه ، وسبقه وتفوقه ، وليكن أكرم علينا من أن نخلطه بفلسفة أو فكرة أخرى ، ولندع إليه وحده ـ بكل يقين وشجاعة ـ علاجاً لكل مشكلاتنا ، وحلا لكل عقدنا ، فهو حده الدواء لكل داء والمصباح في كل ظلمة ، وما عداه من المبادئ ، والأنظمة التي يروج لها الخادعون والمخدوعون ، ان هي إلاّ أوهام مضللة ، وأفكار متضاربة ، وتجارب فاشلة ، حسبنا منها أنها ـ جلها أو كلها ـ من صنع اليهود الخبثاء ، وعمل الكفار الماكرين " وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ" )[43] .

4ـ ان الكتاب أثبت بأن الفقر الذي يعاني منه العالم الاسلامي ليس من صناعة الاسلام ، ولا من آثار تطبيقه ، وإنما من صناعة أعدائه ، فهو صنع مستورد في الخارج .

نعم ان عالمنا الاسلامي في معظمه فقير ، بل تحت خط الصفر ، ويعود فقره إلى أن أعداءه قاموا بنهب ثرواته وأخذ خبراته ، والسيطرة على ممتلكاته العامة ، بل القيام باحتلال أرضه ومياهه وأجوائه ، فالعالم الاسلامي يعاني من الاحتلال المباشر وغير المباشر منذ أكثر من قرنين ، وبالتالي فإن ثراء الغرب جاء على حساب فقر الشرق ، أو كما يقول  الفيلسوف المسلم رجاء جارودي : ان الحضارة الغربية قامت على ثروات ثلاث قارات لمدة قد تصل إلى ثلاثة قرون[44] .

ثم بعدما خرج المحتلون من معظم البلاد الاسلامية تركوا عليها في معظم الحالات والبلاد من يقودها لا عن كفاية وكفاءة واخلاص ، وإنما لأجل الولاءات وتحقيق مصالح الغير في سبيل البقاء على الكرسي ، ان معظم السياسين الذين حكموا العالم الاسلامي طبقوا على المسلمين بالقوة أيدولوجيات تتعارض مع أيدولوجية الاسلام ، وسياسات تتعارض مع السياسية الشرعية ،  ومناهج وأفكاراً ومذاهب لا تمت إلى الاسلام بشيء ، من العلمانية ، والشيوعية والاشتراكية ، بل هؤلاء بسياساتهم الرعناء في مختلف مجالات الحياة دمروا البنية التحتية لشعوبهم ، وقضوا على التنمية الاقتصادية ، ومرزقوا شعوبهم بالحروب والاختلافات .

فهؤلاء عاثوا في الأرض فساداً بدل الاصلاح ، واهتموا بأنفسهم وتحقق لهم الثراء على حساب فقر شعوبهم ، فتجد معظم المليارديرين منهم في حين أن شعوبهم يموتون بسبب الفقر وقلة الغذاء والدواء .

فهؤلاء الأعداء المحتلون يتحملون مسؤوليتهم اثناء احتلالهم ، ثم بعد خروجهم من البلاد ، ولكن هذا لا يعني إعفاءنا من المسؤولية الكاملة فنحن المسلين نتحمل القسط الأكبر كما قال تعالى : ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[45] .  

الكتاب الثاني المتخصص في الاقتصاد الاسلامي : دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي ،  نشر مكتبة وهبة                            بالقاهرة سنة 1415هـ /1995م  :

سار الشيخ في هذا الكتاب على منهج الاقتصاديين إلى حد جديد في تقسيم النشاط الاقتصادي أو وظائف النظام الاقتصادي إلى مراحل حصرها الشيخ في أربعة مجالات ،   هي : مجال الانتاج ، ومجال الاستهلاك ، ومجال التداول ، ومجال التوزيع ، وفسر هذه المجالات بنفس المعاني التي فسر بها الاقتصاديون تقريباً إلاّ ما يتعلق بالتوزيع ، حيث وسع دائرته لتشمل معظم ما يتعلق بإعادة التوزيع حسب تقسيمات الاقتصاديين ، فحينما تحدث عن قيمة العدل في التوزيع أضاف إليه : (ومن العدل إقامة تكافل اجتماعي شامل ) ثم تحدث عن هذا التكافل من خلال : ضمان اجتماعي للضعفاء والعاجزين في المجتمع ، وتأمين ذوي الحاجات الطارئة ، ثم بين موارد تمويل هذا الضمان من الزكاة ، والضرائب المشروعة ، وموارد الدولة الأخرى مثل الغنى ، والصدقات والنفقات ، والكفارات ونحوها[46] .

وهذا الاختلاف بين منهج الشيخ في حصر النشاط الاقتصادي في أربعة مجالات ، ومنهج معظم الاقتصاديين في اضافة ( إعادة التوزيع ) يدل بوضوح على أن الشيخ سار على منهج اختاره لنفسه ، وهداه إليه اجتهاد دون تقليد لهؤلاء .

وإضافة إلى ذلك فإن الشيخ سار على منهجه الفقهي في تأصيل الموضوعات بالأدلة المعتبرة من الكتاب والسنة والأدلة الأخرى ، ولم يَسْرِ على منهج الاقتصاديين في التحليل الاقتصادي ونحوه .

محتوى الكتاب :

الكتاب يتضمن مجموعة من الأفكار والآراء القيمة يمكن إيجازها فيما يأتي :

1ـ المقدمة ، تتضمن تمهيداً للكتاب ، تناول فيه الاقتصاد الاسلامي ، وأنه حقيقة واقعة ، وليس وهماً ، وأنه قد طبق في عصر الرسالة ، والخلافة الراشدة ، وان لم يكن تحت هذا الاسم ، بل كان تحت اسم : فقه المعاملات ، وفقه السياسة الشرعية ، وفقه الأموال ، أو الخراج ...

وقد كان الشيخ في دفاعه عن الاقتصاد الاسلامي منصفاً ووسطياً حيث قال :   ( ان كان المقصود بالمنهج والنظام الصورة التفصيلية التي تشمل الفروع والجزئيات والتطبيقات المتنوعة فالاجابة عندي بالنفي ، وان كان المقصود ، الصورة الكلية التي تتضمن الأسس الهادفة ، والقواعد الحاكمة ، والتوجيهات الاساسية الضابطة وبعض الفروع ذات الأهمية الخاصة ، فالاجابة عندي بالايجاب)[47] .

وقد أزاح الشيخ في هذه المقدمة الغطاء عن بعض شبهات أثيرت حول الاقتصاد الاسلامي ، حيث كان رده مقنعاً وموفقاً [48]

2ـ تناول الشيخ بعد المقدمة والتمهيد ، القيم وخصائص الاقتصاد الاسلامي ، وأوضح بجلاء أن الاقتصاد الاسلامي ما دامت خصائصه تكمن في أنه اقتصاد رباني ، وإنساني ... فإن الأخلاق لا يمكن أن تنفك عنه ، فكونه ربانياً يقتضي أن يكون اقتصاداً قائماً على القيم والأخلاق الربانية .

3ـ ثم تناول الشيخ القيم والأخلاق في المجالات الأربع ، وهي الانتاج ، والاستهلاك ، والتداول ، والتوزيع .

4ـ وضم الشيخ كتابه بمبحث حول دور الدولة في الالتزام بالقيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي .

منهج الكتاب :

أ ـ  الكتاب باعتباره يتحدث عن القيم والمبادئ فإنه يصنف اقتصادياً ضمن ما يسمى : الاقتصاد الكلي ، ولكنه في داخله أحكام وتفاصيل تدخل فنياً ضمن الاقتصاد الجزئي .

وبذلك يختلف منهج الشيخ عن منهج الاقتصاديين الذين يحصرون كتاباتهم داخل دائرة واحدة ، أما الشيخ فهو فقيه موسوعي يريد ان يعرض الاسلام بشموليته دون الفصل بين المبادئ والتطبيقات ، والأخلاق والسلوكيات ، والكتاب يستفيد منه من يريد الكتابة عن النظام المالي في الاسلام ، إذ يتضمن معلومات قيمة عندما يتحدث عن التوزيع وغيره ، ويستفيد منه من أراد أن يكتب عن الاقتصاد الاجتماعي لأنه تحدث كثيراً عن هذا الجانب في كتابه عندما تحدث عن الضمان الاجتماعي ، وموارد تمويله .

كما ان الكتاب يستفيد منه من أراد الكتابة عن التنمية الاقتصادية عندما يتحدث عن مجال الانتاج ، ويستفيد منه كذلك من اراد أن يكتب عن الرفاهية عندما تحدث الكتاب عن الخصائص ، والانتاج والتوزيع .

لذلك نستطيع القول : بأن منهج الشيخ في كتابه هذا منهج فريد مبدع وشامل ، ولا غرو في ذلك ، فهو فقيه موسوعي يصول ويجول في دوائر متنوعة لخدمة شيء واحد ، وهو تقديم الاسلام بصورته الجميلة في مجال الاقتصاد بشموله وكماله .

ب ـ  التزام الشيخ بمنهجه الاكاديمي من حيث التوثيق ، والتخريج ، والحكم على الأحاديث من حيث الصحة والحسن والضعف ، وقد التزم الشيخ بأن لا يذكر إلاّ الأحاديث الثابتة .

المميزات والأفكار المهمة التي تناولها الكتاب :

يشتمل الكتاب على مجموعة من الأفكار والآراء المهمة في نطاق الاقتصاد نوجز أهمها فيما يلي :

1 ـ تأصيل الفكر الاقتصادي في المجالات الأربعة للنشاط الاقتصادي وذلك بالاعتماد على الأدلة النصية من الكتاب والسنة الصحيحة أو الحسنة ، ثم الاعتماد على بقية الأدلة المعتبرة من الاجماع والقياس ، والمصالح والمقاصد ...

فالشيخ لا يذكر الآراء دون تنقيتها ، وبيان ما فيها من قوة أو ضعف ، وإذا أيدها فإنه يؤيدها بمجموعة من الأدلة المعتبرة من الكتاب والسنة ، والاجماع ، أو القياس ، أو المقاصد .

فالشيخ له القدح المعلّى في هذا المجال ، فما يذكر رأياً أو مبدءاً ، أو قيمة ، أو خلقاً إلاّ ويؤيده بالمؤيدات الشرعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة ، أو الحسنة ، حيث يقول : ( وهو بحث موثق بأدلته من القرآن والسنة ... وقد التزمت في هذا الكتاب ألا أستدل إلاّ بحدث صحيح ، أو حسن ، إذ لا حجة في غيرهما )[49] .

وله في ذلك مقصدان أساسيان هما :

الأول ـ أن يثبت أن هذا العلاج هو من صيدلية الاسلام ، وليس من أفكار البشر ، وبالتالي يعود الفضل في ذلك إلى الاسلام ، ويثبت أن الاسلام عالج المشاكل الاقتصادية بمنهج فريد رباني أخلاقي .

الثاني ـ أن لا يقال : ان هذه الأفكار ظهرت بسبب التأثر بالأفكار الاقتصادية الحديثة ، أو كما يقول هو عن نفسه : ( حتى لا يتهمنا امرؤ متحيز ، أو جامد بأننا نقدم إسلاماً جديداً ليس هو الاسلام الذي عرفه الصحابة ، وفهمه أبو حنيفة ومالك .... )[50] .

2ـ الكتاب جديد في بابه ، فلم أر قبل الشيخ القرضاوي من أفرد هذه المجالات الأربعة للنشاط الاقتصادي ببيان قيم كل مجال وأخلاقياته ، ودور الدولة في الالزام بالقيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي .

فالكتاب فريد من نوعه يساعد الباحثين والكتاب الاقتصاديين في كل من يكتب في أي مجال من هذه المجالات الأربعة ، حيث يجد كماً وفيراً من التأصيلات ، والأدلة والبراهين والبينات ، اضافة إلى ما يتضمنه في داخل كل مجال من الأفكار النيرات في مجالات أخرى تتعلق بالاقتصاد الاسلامي .

3ـ فكرة ( تمام الكفاية ) :

يكتفي معظم الاقتصاديين الاسلاميين بان يصل المجتمع إلى ( حد الكفاية ) بحيث يخلو المجتمع من الفقر ، ولا يوجد شخص إلاّ وله مستوى مناسب من المعيشة ، وهذا ما يسميه الفكر الاقتصادي الاسلامي المعاصر ( حد الكفاية ) .

ولكن الشيخ القرضاوي لا يكتفي بحد الكفاية ، وإنما يشترط أن يصل الضمان الاجتماعي ، ويرتقي التكافل الاجتماعي لكل فرد إلى مستوى تمام الكفاية ، حيث يقول الشيخ : ( إن هذا التكافل لا يقصد به مجرد اسعاف سريع يقضي به الفقير بعض حاجاته المادية أو المعيشية ، ثم يظل محتاجاً إلى كثير من الأشياء الأخرى ، إنما المقصود به : كفالة مستوى للمعيشة لائق به ، يحقق المطالب أو الحاجات المادية والنفسية فلكل انسان أن يعيش في المجتمع الاسلامي ـ مسلماً أو غير مسلم ـ عن طريق اتاحة العمل للقادر عليه ، او تدريبه عليه ان كان يحتاج إلى تدريب ، أو سد حاجته ، ان كان من أهل العجز .

وهذا المستوى اللائق له صفة الديمومة ، وهو لا يقتصر على أن يوفر للفرد في المجتمع المسلم ( حد الضرورة ) أو ( مستوى الضرورة ) الذي لا يعيش الانسان إلاّ به .... كما لا يقتصر هذا الضمان على توفير ( مستوى الكفاف ) أو ( حد الكفاف ) للفرد ، وهو يعني الحد الأدنى للمعيشة ..... .

إنما يعمل الضمان الاجتماعي في الاسلام على توفير مستوى ( تمام الكفاية ) كما يعتبر الفقهاء في مبحث ( ما يعطاه الفقير والمسكين ، من الزكاة ... ) وقد ذكر الفقهاء أن من تمام كفاية المرء كتب العلم ان كان من أهله ، وأثاث البيت المناسب ، والفرس الذي يركبه ، كما ذكروا أن الزواج يدخل في تمام الكفاية ، بل رأينا الفقهاء ـ كما هو مذهب الشافعي ـ من يرى وجوب اعطاء الفقير من الزكاة كفاية العمر الغالب لأمثاله ، بحيث يغنيه الزكاة غنى دائماً ... بأن يعطى أدوات الحرفة ان كان محترفاً ، أو رأس مال التجارة ان كان تاجراً .... ، بهذا انتقله الزكاة من يد آخذة إلى يد معطية .... )[51] .

وهذا المصطلح الفقهي القديم جدده الشيخ بضخ أفكاره الجديدة فيه وربطه بالواقع المعاصر ، وهو رأي له وجاهته ، وقوته ، وهو جدير بتبنيه بدل ( حد الكفاية ) .

وأكتفي بهذا المقدار وإلاّ فالكتاب مليئ بالأفكار الجديدة الجيدة الممتازة ، فجزى الله مؤلفه خير الجزاء ..

آثار مؤلفات الشيخ القرضاوي في الاقتصاد الاسلامي :

فهناك آثار عامة وآثار خاصة لهذه المؤلفات الخاصة بالاقتصاد الاسلامي ، وبغيره ، يمكن تلخصيها فيما يأتي :

أولاً ـ المساهمة بكتبه الكثيرة الموصلة ـ مع غيره من العلماء المفكرين  والفقهاء ـ في فتح باب الاجتهاد في القضايا الاقتصادية الجديدة[52] من خلال اجتهاد منضبط بضوابط الشرع ، فقد أفاض الشيخ في التعريف بالمجتهد والمفتي ، وشروطهما ، ومنها المعرفة بواقع العصر في كتابه ( الاجتهاد في الشريعة الاسلامية ) : الصفحات ( 5 – 49 ) ، وفي كتابه ( الفتوى بين الانضباط والتسيب ) : الصفحات ( 27 – 59 ) .

ولا سيما أن الشيخ تطرق إلى مغزى الاجتهاد ، وبالتالي يستطيع الاقتصادي العالم أن يجتهد في تخصصه إذا أحاط بأصول الاستدلال وقواعد الترجيح .

ثانياً ـ القيام بالتأصيل الشرعي والفقهي ، للاقتصاد الاسلامي علماً ونظاماً ونظرية وتطبيقاً من خلال كتابه القيم : ( دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي ) وفي كتابه : ( مشكلة الفقر وكيف عالجها الاسلام) .

ثالثاً ـ المساهمة في الدراسة والتفكير في تطبيقات الاقتصاد الاسلامي من خلال البنوك الاسلامية ، حيث ساهم الشيخ مع غيره من علماء الاقتصاد أمثال الدكتور أحمد النجار ، ود. عيسى عبده ( رحمه الله ) ، ومن رجال المال أمثال الحاج سعيد لوتاه في إنشاء أول بنك إسلامي وهو بنك دبي الاسلامي .

رابعاً ـ المساهمة في هذه النهضة المعاصرة من خلال كتبه الخاصة والعامة ، ومن خلال ما قام به من تطبيقات عملية لا اجتهادية ، حيث قرن القول بالعمل ، فدعوته إلى الاجتهاد ـ مثلاً ـ لم تقف عند باب النظر والقول ، بل تجاوزته إلى باب العمل والتطبيق ، فقد قام فعلاً بالاجتهاد في معظم القضايا التي تصدى لها في كتابه القيم ( فقه الزكاة ) وكذلك غيره من كتبه الفقهية والفكرية والتربوية والاجتماعية .

خامساً ـ المساهمة في تأصيل الفكر الاقتصادي ، حيث ذكر الشيخ في القضايا الاقتصادية التي تناولها : الأصول التي ترجع إليها بوضوح ، حتى لا يقال : إنه أتى بشيئ يخالف أصول الاسلام ، بل تشهد له ، حيث يقول في مقدمة كتابه (مشكلة الفقر وكيف عالجها الاسلام ) : ( و ما عرضناه هنا من علاج الاسلام لمشكلة الفقر قد رددناه إلى أصوله ومصادره الاسلامية الخالصة من الكتاب والسنة ، وأقوال الأئمة المجتهدين من فقهاء الاسلام ، حتى لا يتهمنا امرؤ متحيز ، أو جامد بأننا نقدم إسلاماً جديداً ليس هو الاسلام الذي عرفه الصحابة ، وفهمه أبو حنيفة ومالك وغيرهما من الأئمة ، كما زعم ذلك بعض المستشرقين فيما يكتبه الدعاة إلى الاسلام اليوم )[53].

وقد أشار الشيخ في ذلك إلى الرد على بعض المستشرقين الذين يريدون أن يحصروا الاسلام في دائرة ضيقة وفي حدود الروحانيات دون أن يكون منهج حياة كما أراده الله تعالى فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[54] ولا يريدون للاسلام الشمولية ولا اعتباره رحمة وخيراً للعالمين أجمعين كما أنزل في ذلك عدد من الآيات ، فقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[55] وقال تعالى : ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً )[56] .

فقد بين الشيخ القرضاوي في كتبه ( حقيقة ما بعث الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم من الهدى والرحمة وما شرع على يديه من أحكام تعالج مشكلات الفرد والمجتمع علاجاً يقتلع الداء من الجذور ، لا مجرد علاج سطحي بمسكنات وقتية ، تحفف الألم ساعة من الزمن ، ولا يستأصل جرثومة المرض )[57] .

فقد حاول هؤلاء المستشرقون أن يشككوا في كل جديد في الاسلام ، بل هم أساساً شاكون ويشككون في الاسلام نفسه ، ولذلك إذا وجدوا شيئاً نافعاً في الاسلام ، قالوا : إنه إسلام جديد لم يعرفه الصحابة ولا أصحاب المذاهب الأربعة ، علماً بأن هذا ليس حباً منهم في الصحابة أو أصحاب المذاهب الفقهية ، بل محاولة جادة لتجريد الاسلام من صلاحيته للتطبيق في كل عصر ، ولكن أنى هم قادرون على ذلك والله تعالى قد جعل هذا الدين خاتماً وخالداً وصالحاً إلى يوم الدين .

دور الشيخ القرضاوي في نشأة البنوك الاسلامية :

للشيخ القرضاوي دور مبارك في نشأة البنوك الاسلامية من الجوانب الآتية :

أولاً ـ العضوية ، والرئاسة لعدد من هيئات الفتوى والرقابة الشرعية :

يقول أ.د. جمال الدين عطية : ( بدأت صلة الشيخ بهذا المجال حين كان مستشاراً لبنك دبي الاسلامي في سنواته الأولى ثم دعي إلى المشاركة في ندوة تلفزيون قطر مع الأمير محمد الفيصل بخصوص طرح شركة استثمار الخليج لشهادات المضاربة ، فقد نتج عن تشجيع الشيخ لهذا النشاط أن اكتتب القطريون بسبعة ملايين دولار في اليوم التالي لهذه الندوة ، مما جعل الأمير محمد الفيصل يحرص على دوام صلة الشيخ بالمشروعات الأخرى التي كان الأمير بسبيل تأسيسها فاختاره عضواً في مجلس ادارة بنك فيصل المصري عند انشائه ، ثم عضواً في الهيئة الشرعلية العليا لدار المال التي أسست في البهاما وانطلق نشاطها من جينيف بسويسرا كشركة قابضة لمشروعات الأمير في مجالات البنوك والاستثمار والتكافل " التأمين " )[58] .

ولم يقف دور الشيخ عند مجموعة الأمير فيصل ، بل اختير رئيساً لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية لمصرف قطر الاسلامي الذي أنشئ في عام 1982 ، ولبنك قطر الدولي الاسلامي فيما بعد ، ولبنك التقوى ، ثم مؤسسة الراجحي ، ومجموعة البركة ، والبنك الاسلامي الأول ، فكان الشيخ هو القاسم المشترك بين معظم هذه المصارف إلى وقت متأخر .

ومن خلال مشاركتي مع فضيلته في عدد من الهيئات الشرعية التي كان يرأسها مثل بنك التقوى وبنك قطر الدولي الاسلامي ، والبنك الاسلامي الأول وغيرها ، وجدت الشيخ محترماً الآخرين بشكل كبير ، مرناً في مناقشته الآراء واسع الصدر عند الاختلاف لا يحاول فرض آرائه ـ مهما كان ـ على الآخرين ، وإنما يستعين بالحجة والبرهان لاقناع الآخرين ، ويستمع إلى أدلتهم مع استعداده الكامل لقبول آرائهم ، بل رأيناه يترك ما هو الراجح لديه لأجل صدور القرار بالاجماع ، أو لما فيه مصلحة البنك .

ولكن هذا فيما فيه مجال للاجتهاد والاختلاف ، أما إذا كان الاختلاف حول الثوابت ، أو حول ما يخالف مقاصد الشرعية في الاقتصاد فقد كان الشيخ يرفضه رفضاً مطلقاً .

ثانياً ـ المساهمة في التأسيس :

والحقيقة أن دور الشيخ القرضاوي لم يكن محصوراً في كونه مستشاراً شرعياً لبنك دبي الاسلامي ( البنك الاسلامي الأول ) ولا كونه رئيساً لعدد من الهيئات الشرعية ، وإنما دوره كان أكثر من ذلك ، حيث ساهم ( من خلال مؤلفاته الخاصة بفقه الزكاة ، وعلاج مشكلة الفقر ، وبيع المرابحة ، وتحريم الفوائد البنكية ، وغير ذلك ) في التهيئة لأجواء القبول بالبنوك الاسلامية ، بل بضرورة وجودها ، والابتعاد عن البنوك الربوية ، من خلال اقتصاد اسلامي نابع من مبادئ وأحكام الشريعة الغراء .

كما ساهم الشيخ أيضاً في تأسيس بعض هذه البنوك بماله الخاص مثل بنك التقوى ، ومصرف قطر الاسلامي وغيرهما .

وقد عرف المجتمع الاسلامي للشيخ جهوده المباركة في هذا الميدان بتقديم البنك الاسلامي للتنمية جائزته في الاقتصاد الاسلامي إليه عن العام 1411هـ عرفاناً منه بالجهود المتميزة التي بذلها في هذا الميدان منذ ان كانت المصارف الاسلامية فكرة إلى أن أصبحت واقعاً ، فعمل على مساندتها ودعمها حتى أصبحت معلماً من معالم النهضة الاسلامية المعاصرة[59] ، عبر عنها الشيخ القرضاوي بقوله : ( إنها تجسيد للصحوة الاسلامية في ميدان الاقتصاد الذي هرزم المسلمون فيه فترة من الزمن ، كانت هزيمة كادت تكون كاملة أمام الأنظمة الغربية )[60] .

ثالثاً ـ المساهمة في تهيئة الأجواء لنشاة البنوك الاسلامية :

وقد ساهم الشيخ القرضاوي في تهيئة الأجواء المناسبة لنشاة البنوك الاسلامية من خلال مؤلفاته التي ذكرناها ، وبخاصة دفاعه المؤصل عن ( بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه البنوك الاسلامية ) ، الذي كان قد أثير حوله جدل واسع ، فكان لكتابه الذي حمل نفس الاسم دور كبير في توضيح الحقائق الفقهية ، والمساهمة في ترجيح كفة القائلين بالجواز ، وكذلك كتابه ( فوائد البنوك هي الربا المحرم ) .

وكذلك ساهم الشيخ في تأصيل القضايا المصرفية من خلال حضوره المكثف في معظم المؤتمرات الاقتصادية التي نظمتها البنوك الاسلامية ، والمؤتمرات التي عقدتها المجامع الفقهية التي هو عضو فيها مثل المجمع الفقهي الاسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي ، ومجمع الفقه الاسلامي الدولي وغيرهما .

رابعاً ـ دوره في ترشيد المصارف الاسلامية وتوجيهها لتطبيق الاقتصاد الاسلامي :

وقد حمل الشيخ همّ البنوك ، حيث كان قلقاً من أن تبقى البنوك الاسلامية تدور في دائرة البدائل المتوافرة في البنوك الربوية ، دون أن تنهض بالمبادئ الحاكمة في الاقتصاد الاسلامي من التنمية الشاملة ، وتطبيق الأحكام الخاصة بالاستثمار من المشاركة الحقيقية في الغرم والغنم ، والدخول في المشاريع الاستثمارية والتنموية .

وكنت أحسّ من خلال حديثي أو مناقشتي مع فضيلته حول البنوك الاسلامية بقلق وخوف من انحراف البنوك الاسلامية عن مسيرتها ومبادئها وأهدافها التي وضعت له ، وكان يتمنى أن تخرج من إطار المرابحات الدولية إلى واحة المشاركات وبقية العقود الاسلامية .

ولذلك كان حازماً في مواجهة الحيل أو المخارج التي كان يراد للمصارف الاسلامية أن تسير عليها ، مثل ما يسمى ( التورق المصرفي ، أو التورق المنظم) الذي يتم من خلال المرابحات الدولية ، وهو في حقيقته عبارة عن بيع درهم بدرهمين بينهما حريرة ـ كما قال ابن عباس في بعض البيوع الآجلة ـ فكان  الشيخ يعلق عليه بان التورق المصرفي اليوم هو بيع درهم بدرهمين بينهما اوراق شكلية فقط حتى الحريرة غير موجودة .

فقد كان الشيخ حازماً في إصدار قرارات الهيئات الشرعية التي كان يرأسها حيث لا يخاف فيها لومة لائم ، حيث كان يبدي رأيه دون مجاملة ، ويعطي رأيه قوة الحق المعلن بإخلاص ، فيحنما خسر مصرف قطر الاسلامي مبالغ بسبب تعامله مع بنك الاعتماد والتجارة الذي أفلس كان توجه البعض نحو تحميل المودعين هذه الخسارة ، فتصدى الشيخ له وأعلن بوضوح أن الخسارة على البنك ( المضارب : المساهمون ) لأنه أخطاً في هذا التعامل ، وبالتالي فلا تحمّل هذه الخسارة الناجمة عن خطأ البنك على المودعين ، وفعلاً قبل البنك بذلك وتحمل هو الخسارة كلها .

ومنذ فترة ازداد هاجس القلق من الشيخ ، ومن كثير من المخلصين على مسيرة البنوك الاسلامية ، ولا سيما مع انتشار التورق المصرفي المنتظم الذي سماه بعض الفروع الاسلامية التابعة للبنوك الربوية في بعض الدول العربية بـ        ( تورق الخير ) و ( تورق البركة ) ،... وكذلك أخذ مبلغ شهري من البطاقات الائتمانية ( فيزا كارت ، وماستر كارت) الذي سماه أحد المصارف ببطاقة اليسر حيث هاجم الشيخ هذه المحاولات حتى كتب في بعض الجرائد القطرية بأن التحايل على الربا أشد من الربا نفسه .

الأسئلة التي عرضتها على فضيلته خلال المقابلة الخاصة ، والتي تفضل بالاجابة عليها جزاه الله خير الجزاء :

السؤال الأول : متى بدأت اهتمامات فضيلتكم بالقضايا الاقتصادية ؟ وما الذي دفعكم لذلك ؟

فضيلة العلامة القرضاوي حفظه الله :

عنيت بالاقتصاد ، لأنه جزء من نظامنا الاسلامي ، ومن شريعتنا الاسلامية ، وحيث ان أحد أركان الاسلام الخمسة يتعلق بالاقتصاد ، وهو : الزكاة ، وأحد     " الموبقات السبع " يتعلق بالاقتصاد ، وهو : الربا ، الذي آذن القرآن مرتكبيه بحرب من الله وبرسوله ، وقد رأيت عدداً من الدعاة الاسلاميين يهتمون بهذا الجانب مثل الامام المودودي ، والاستاذ محمود أبو السعود ، والاستاذ البنا في مقالاته عن " مشكلاتنا في ضوء النظام الاسلامي " وقد جمعها في رسالة ، ومنها : المشكلات الاقتصادية ، والشيخ الغزالي في كتابه الأول حول " الاسلام والأوضاع الاقتصادية ، والمناهج الاشتراكية ، والاسلام المفترى عليه بين الشيوعية والرأسمالية " وبعد ذلك الأستاذ سيد قطب في " العدالة الاجتماعية في الاسلام " .

ثم اني بعد أن دخلت في كلية أصول الدين ، درست فيها ، إلى جوار العلوم الشرعية من التفسير والحديث وأصول الفقه ، درست : المنطق وعلم الكلام والفلسفة والتأريخ خلال سنوات الكلية الأربع ، حتى اني درست الفلسفة بكل أقسامها ، الشرقية واليونانية والاسلامية والحديثة  ، كما درست علم النفس في سنة دراسية واحدة ، وفي تخصص التدريس : توسعت في دراسة علم النفس ، كما درست علوم التربية تأريخها وأصولها وفلسفتها وتطبيقاتها .

وهنا بدا لي أن أقرأ في علم الاقتصاد ، وعلم الاجتماع ، وهما في نظري علمان مهمان من العلوم الاجتماعية .

وأكد هذا التوجه عندي عندما سجلت رسالتي للدكتوراه في كلية أصول الدين عن   ( الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية ) فبدأت أقرأ في علم الاقتصاد ، ولا سيما الاقتصاد السياسي ، وفي علم المالية ، وما يتعلق بالضرائب وفلسفتها .

السؤال الثاني : هل كتابكم " فقه الزكاة " هذا السفر العظيم ، أول كتاب لكم في النظام المالي والاقتصاد الاسلامي ؟

فضيلة العلامة القرضاوي حفظه الله :

أول كتاب أصدرته في الاقتصاد الاسلامي كان كتاب " مشكلة الفقر وكيف عالجها الاسلام " وقد لقي قبولاً عاماً من الاقتصاديين والشرعيين وان كانت طبعته الأولى مليئة بالأخطاء المؤسفة ، وهو في الحقيقة ثمرة من ثمرات " فقه الزكاة " فقد كتبته في أول الأمر ليكون مقدمة لكتابي عن الزكاة ، ونصحني المشرف على رسالتي في ذلك الوقت أن أفردها وأخرجها منفضلة عن الكتاب لطولها واخذت بنصيحته وفصلتها وأضفت إليها بعض الفصول وخرجت في شكل كتاب مستقل ، وهو من بركات بحثي في الزكاة .

ثم كانت بحوثي وكتبي المختلفة في الاقتصاد الاسلامي عن الزكاة ، مثل : بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الاسلامية ، ودور القيم والأخلاق في الاقتصاد الاسلامي ، وفوائد البنوك هي الربا المحرم ، وغيرها ، وهو ما قدره ( البنك الاسلامي للتنمية ) ، فمنحني جائزة البنك في الاقتصاد الاسلامي لسنة 1411هـ  .

السؤال الثالث : جهودكم العملية لانشاء البنوك الاسلامية في العالم الاسلامي          " داخل وخارج قطر " ؟

فضيلة العلامة القرضاوي حفظه الله :

اهتممت من قديم بقضية البنوك الاسلامية قبل أن تقوم ، وبعد أن قامت ، وكنت من أوائل المؤيدين لها ، والداعين إليها ، وآزرت الكتور أحمد النجار أول من أقام بنكاً بلا فائدة في مصر ، وحينما أسس الأمير محمد الفيصل آل سعود ( اتحاد البنوك الاسلامية ) وكان أمينه العام الدكتور النجار شددت أزره ووقفت بجانبه .

وحينما أنشئ ( بنك فيصل المصري ) كنت في مقدمة من سانده ، واختاروني في غيابي عضواً في مجلس الادارة ، وحين أنشئ ( بنك فيصل السوداني ) في الخرطوم : ذهبت إلى هناك عدة أيام لأحاضر الذين رسخوا للعمل في البنك بعد اختبارات مهمة ومفيدة .

وحين أنشئت ( شركة الاستثمار الخليجي ) برئاسة محمد الفيصل كان لي دور أساسي في انجاحها حيث كان المشتركون فيها من دولة قطر لهم النصيب الأكبر ، وكان نجاحها هو الذي أدى إلى إقامة ( دار المال الاسلامي ) .  

كما أسهمت مع المجموعة التي دعت إلى إقامة مصرف إسلامي في قطر ، حتى قام أول بنك اسلامي فيها ، وهو مصرف قطر الاسلامي ، الذي احتفل من قريب بمرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسه .

السؤال الرابع : رئاستكم لعدد من الهيئات الشرعية للبنوك الاسلامية ؟

فضيلة العلامة القرضاوي حفظه الله :

لقد تشرفت بالعمل في هيئات الفتوى والرقابة الشرعية في عدد من المصارف الاسلامية وهي المكلفة بأن تسير البنك على طريق الشريعة الاسلامية ، وقراراتها ملزمة ، لا تستطيع إدارة تنفيذية ، ولا مجلس إدارة ، أن يعارض قراراتها أو يهملها ، ولو فعل لفقدت البنوك الاسلامية اسلاميتها وشرعيتها ، وانسحب الناس منها من اليوم الثاني .

كنت عضواً في الهيئة الشرعية لشركة الاستثمار الخليجي ، ثم لدار المال الاسلامي ، ولشركة الراجحي للصيرفة والاستثمار.

كما تشرفت برئاستي لعدد من المصارف الاسلامي مثل مصرف قطر الاسلامي ، وبنك قطر الاسلامي الدولي ، شركة بيت الاستثمار ، بنك  قطر  الوطني الاسلامي ، ومصرف فيصل الاسلامي بالبحرين ، وبنك الاستثمار الاسلامي الأول ، وبنك أبو ظبي الاسلامي ، والهيئة الموحدة للبركة .

وقد انسحبت منها جميعاً ، ما عدا بنوك قطر ، فلم أستطع أن أفلت من ضغطهم .

وقد أنشأ اتحاد البنوك الاسلامية في السبيعينيات من القرن العشرين ، هيئة عليا للفتوى والرقابة الشرعية ، تمثل البنوك الاسلامية الفاتحة في ذلك الوقت ، اختاروني نائباً لرئيسها ، واستمرت عدة سنوات ثم توقفت .

السؤال الخامس : رأيكم وتقييمكم لما وصلت إليه البنوك والشركات الاسلامية ؟

فضيلة العلامة القرضاوي حفظه الله :

لقد عرضت لهذا الموضوع الهام  في مناسبات شتى ، وأصبحت أمسك قلبي بيدي خوفاً على المصارف الاسلامية التي أنظر إليها كما ينظر الوالد المشفق على ولده إذا لمح فيه بوادر الانحراف عن الطريق المستقيم .

فرغم الانتشار الكبير للبنوك الاسلامية ، وأنها أصبحت تصب فيها عشرات المليارات ، حتى ان البنوك العالمية من أمريكية وبريطانية وغيرها ، باتت تفتح لها فروعاً اسلامية ، رغم هذا التوسع أمسيت قلقاً شديد الخوف على البنوك الاسلامي ، أن تبتعد عن الأهداف الحقيقية التي أسست من أجلها ، وأن تنغلب عليها الشكلية حتى تفقد روحها واتجاهها ، وأن تجد ـ بل قد وجدت ـ من إخواننا العلماء الذي سماهم بعض الكتاب ( فقهاء البنوك ) من يسوغ لهذه التوجهات بمخارج وحيل شرعية ، وبهذا أضحينا نسعى ونحيا على هامش الاقتصاد الرأسمالي الربوي ، ولو نظر أستاذ اقتصادي اجنبي إلى ما تقوم به ، لعجب ، بل ضحك مما تفعله فنحن نتبنى كل ما تبناه النظام الرأسمالي ، ولكن باسم آخر ، والعبرة بالمسمى والمضامين لا بالأسماء والعناوين .    

السؤال السادس : ما الذي ترونه فضيلتكم إضافته في هذه المقابلة ؟

فضيلة العلامة القرضاوي حفظه الله :

من كتابي ( أمتنا بين قرنين)[61] الذي صدر في ختام القرن العشرين واستقبال القرن الحادي والعشرين : علقت على بروز الاقتصاد الاسلامي ، وما انتهت إليه البنوك الاسلامية ، تعليقاً أراه مهماً ومفيداً ويعبر عن رأيي يحسن بي أن أنقله هنا:

(من ثمار الصحوة الاسلامية ، التي لا يخطئها الدارس لمسيرة الأمة في هذا القرن : بروز ظاهرة " الاقتصاد الاسلامي " نظرياً وتطبيقياً .

لقد كان هذا الاقتصاد غائباً من الناحية النظرية عن الكاتبين في الفكر الاقتصادي ، وفي التأريخ الاقتصادي ، وقد لمست هذا بنفسي عندما كنت أبحث في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات حول الزكاة ، وكنت أقرأ في كتب الاقتصاد السياسي ، وقد كانوا يتحدثون عن الاقتصاد عند الرومان قديماً ، وعند اليونان ، وعند الفرس والهنود وغيرهم ، ولكنهم لا يذكرون ما كان عند العرب والمسلمين ، الذين سادت حضارتهم نحو عشرة قرون ، وكان لهم نظرياتهم وأحكامهم التي تنظم شؤون المال والاقتصاد ، وكان لهم مراجعهم ومؤسساتهم .

ثم لم تمض مدة طويلة ، حتى بدأت دورة جديدة ظهر فيها الاقتصاد الاسلامي بقوة ، على المستوى النظري وعلى المستوى العملي.

وفي منتصف السبعينات 1976م عقد المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الاسلامي في مكة المكرمة ، و شارك فيه نحو ثلاثمائة من رجال الاقتصاد ورجال المحاسبة والادارة من جانب ، ورجال الشريعة والفقه الاسلامي من جانب آخر .

وقد شاركت في هذا المؤتمر ، وكان مما شهدته ولمسته ، أن كثيراً من رجال الاقتصاد كانوا أشد حماساً للأفكار الاسلامية من كثير من رجال الشريعة .

وقد أسرّ لي الكاتب الاسلامي المعروف الاستاذ فهمي هويدي بملاحظة مهمة ، وهو أنه شهد منذ نحو عدة سنوات مؤتمراً في ماليزيا انقسم فيه المشاركون إلى فريقين فريق يحرم الفائدة تحريماً باتاً ، وآخر يحاول تبريرها بوجه وآخر ، وأما هذا المؤتمر فقد كان كله فريقاً واحداً مجمعاً على تحريم الفوائد ، واعتبارها هي الربا المحظور شرعاً .

وكان مما قدم في هذا المؤتمر قائمة ببلوجرافية أعدها الاستاذ الدكتور محمد نجاة الله الصديقي أستاذ الاقتصاد في كلية التجارة بجامعة الملك عبدالعزيز تتضمن القائمة  الكتب والبحوث التي كتبت باللغة العربية والأوردية والانجليزية ، فكانت عدة مئات .

وهذه القائمة قد تضاعفت بعد ذلك ولا شك ، وقد أضيفت إلها كتب وبحوث جمة ، ليس من السهل حصرها ، منها رسائل واطروحات علمية ( أكاديمية ) للماجستير والدكتوراه في كليات الشريعة والاقتصاد والتجارة والحقوق وغيرها ، في عدد من البلاد العربية والاسلامية .

كما أنشئت أقسام علمية للاقتصاد الاسلامي في عدد من الجامعات .

وأسست كذلك مراكز لأبحاث الاقتصاد الاسلامي ، أشهرها ( مركز أبحاث الاقتصاد الاسلامي ) بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة ، وفيه عدد من الباحثين الأكفاء ، مثل الأساتذة محمد عمر زبير ، وأنس الزرقا ، ورفيق المصري ، وإخوانهم .

وكذلك ( معهد البحوث والتدريب ) في البنك الاسلامي للتنمية ، وهو بنك الأمة الاسلامية الذي يقوم بدور مهم في  تمويل مشروعات ضرورية ونافعة في كثير من البلدان والأقليات الاسلامية .

وصدرت أكثر من مجلة تتحدث عن الاقتصاد الاسلامي ، منها مجلة ( الاقتصاد الاسلامي ) التي تصدر عن بنك دبي الاسلامي ، ومجلة ( النور ) التي يصدرها بيت التمويل الكويتي .

وعلى المستوى العلمي والتطبيقي ، ظهر أول بنك إسلامي تجاري في دبي من دولة الامارات العربية المتحدة أوائل السبعينات من القرن العشرين ، ثم قامت بنوك إسلامية أخرى ، مثل بنك فيصل الاسلامي المصري ، وبنك فيصل الاسلامي السوداني ، وبيت التمويل الكويتي ، والبنك الإسلامي الأردني ، ثم مصرف قطر الاسلامي ، وبنك البحرين الاسلامي ، وبنوك البركة الاسلامية ، ومصرف فيصل الاسلامي بالبحرين ، ثم توالى إنشاء البنوك الاسلامية في بلاد شتى عربية وإسلامية ، مثل البنك الاسلامي في ماليزيا ، وشركة الراجحي للاستثمار في المملكة السعودية ، ومصرف أبو ظبي الاسلامي ، وقد تزايد عدد البنوك الاسلامي حتى وصل إلى أكثر من مائة مصرف .

وقد قامت مؤسسة مهمة للاشراف على البنوك الاسلامية هي الهيئة العامة للمحاسبة المالية للمصارف والمؤسسات المالية الاسلامية ، وكان  اسمها قبل ذلك ( مجلس المعايير ) وهي هيئة تعمل على إصدار معايير تحتكم إليها المصارف الاسلامية ، وقد صدرت منها عدة معايير ذات أهمية بالغة ، مثل معيار الافصاح ، ومعيار المرابحة .

وقد أنشأت هيئة المحاسبة مجلساًَ شرعياً ، يعتبر بمثابة هيئة عليا للفتوى والرقابة الشرعية للمصارف الاسلامية .

وأنا أذكر هنا كيف مر الفكر الاسلامي في قضية الربا باعتبارها حجز الزاوية في المجال الاقتصادي ، ففي وقت من الأوقات كان هناك من يريد أن نقبل الربا ، كما نقبل الخمر والمسكرات ، بل الزنى نفسه ، وأن المدنية الحديثة تفرض علينا أن نأخذها بخيرها وشرها ، وما يحمد منها وما يعاب ، وحتى قال بعضهم : لماذا  نغلق أبواب البغاء ؟ ولماذا لا نفتحه لمن يريده تحت إشراف الدولة ؟ يريد أن تعمل الدولة قوادة للزناة والفاجرين !

ثم ارتقى الفكر إلى مرحلة أفضل من هذه ، ولم تكن هي المرحلة المقبولة ، وهو أنه أراد أن يفرق بين أنواع الربا بعضه وبعض ، وأن الربا المحرم إنما هو ربا الاستهلاك لا ربا الانتاج والتجارة ، وان الربا الحالي ليس هو ربا الجاهلية الذي جاء القرآن بتحريمه ، ومنهم من قال : الربا المحرم هو ما كان أضعافاً مضاعفة وليس 10% ونحوها .

ومنهم من زعم أن الربا حرام ، ولكننا في حالة ضرورة ، وهي ضرورة عامة للمسلمين جميعاً ، والضرورات تبيح المحظورات.

وكلها محاولات ( تبريرية ) لتحليل الحرام ، وإباحة المحظور ، الذي آذن القرآن مرتكبيه بحرب من الله ورسوله ، والذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه .

ثم جاءت مرحلة أقوى من هذه المرحلة ، وهي الرد القوي على المدرسة التبريرية ، وتفنيد شبهاتها ، وإعلان حرمة الربا بصراحة ، وبيان أن على المسلمين أن يتحرروا من رجس الربا ، ومن لعنة الله لمقترفيه ، وذلك بأن يقيموا ( بنوكاً بلا فائدة) وأن هذا ممكن إذا تعاون المخلصون من علماء الاقتصاد وعلماء الشرع وأصحاب رؤوس الأموال .

ثم كانت المرحلة الأهم ، وهي مرحلة ايجاد ( البديل الشرعي ) فنشأ أول بنك إسلامي في دبي ، تبعته بنوك وبنوك في آسيا ، وأفريقيا ، وفي أمريكا ، وأوربا .

ونحن الآن في مرحلة ( تحسين البدائل ) وتطويرها إلى ما هو أفضل ، ومن سار على الدرب وصل ، ولكل مجتهد نصيب .

بل أقول : ان هناك في داخل حركة ( المصارف الاسلامية ) اتجاهات ودراسات ناقدة تحاول أن ترتقي بهذه المصارف نوعاً وكيفاً ، بعد أن قويت وتكاثرت عدداً  وكماً ، وذلك بالخروج من دائرة النظام الرأسمالي القائم ، والذي يتحكم في اقتصاد العالم ،  والذي لا تزال البنوك الاسلامية تعمل في إطاره ، بمعنى أنها تحاول أن توجد لكل عملية تجري في البنوك الربوية ، بديلاً شرعياً لها ، عن طريق مخارج فقهية ، بتغيير بعض الصور أو وضع بعض الشروط أو القيود ، أو نحو ذلك مما قد يغير الشكل نوعاً ما ، وإن بقي الجوهر كما هو .

وأبرز مثل لذلك هو ( بيع المرابحة للآمر بالشراء ) الذي تجريه المصارف الاسلامية ، وهو بديل شرعي للتمويل الربوي الصريح ، ولا شك مباح ، وقد ألفت كتاباً في الدفاع عن شرعيته ، ولكني مع هذا حذرت البنوك الاسلامية أن تظل        ( سجينة المرابحة ) فإنها في هذه الحالة تعيش في كنف الاقتصاد الرأسمالي ، ولا تقدم نموذجاً آخر متميزاً في جوهره ومضمونه .

وأذكر هنا ما قاله صديقنا العالم الجليل الشيخ صالح الحصين نائب رئيس الهيئة الشرعية لشركة الراجحي للصرافة والاستثمار ، حين علق على استغراق بعض البنوك الاسلامية في عملية المرابحة ، حتى ان بعضها لتبلغ فيه 90% أو أكثر من معاملات البنك ، قال : إن كان هذا هو أكبر همّ البنوك الاسلامية ومحور عملها ، وغاية سعيها ، فما أجدرنا أن نتمثل بقول الشاعر :

إن كان منزلتي في الحب عندكمو             ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي !

وأذكر هنا أن أحد البنوك الاسلامية ، وهو ( بنك التقوى ) لم يدخل في بيع المرابحة قط ، كما لم يدخل سوق السلع والمعادن الدولية ، لما يحيط بها من شبهات الشكلية والصورية .

فإذا أضيف إلى ما تقدم أن كثيراً من المصارف الاسلامية لا يطبق كل الشروط التي تفرضها وتلزم بها هيئات الرقابة الشرعية في بيع المرابحة ازداد الطين بلة .

وآفة المصارف الاسلامية أنها ابتليت منذ انشائها وإلى اليوم بقيادات جاءتها من البنوك الربوية ، ولا تملك خلفية ثقافية إسلامية ، ولا حتى إيماناً برسالة الاسلام الاقتصادية ، وملئوا المصارف بأتباع لهم على شاكلتهم ، فهم يخربون المصارف الاسلامية من داخلها للأسف ، بسوء فهمهم ، وسوء تطبيقهم ، وربما بسوء نيتهم.

والواجب على المصارف الاسلامية أن تعمل بالتضامن فيما بينها على تطوير نفسها ، والدخول في مجال التنمية والاستثمار والتجارة المباشرة ، والتعامل مع الأسواق ، لا مع الأوراق ، وأن يقوم ذلك كله على دراسات علمية موضوعية ، وعلى تخطيط واع سليم ، ثم يكون العزم والتوكل على الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )[62] .

وعلى المصارف الاسلامية واجب آخر ، وهو العناية بالعنصر البشري فيها ، ابتداء من حسن الاختيار وفق معايير اسلامية وعلمية ، وهو اختيار ( القوي الأمين ) أو ( الحفيظ العليم ) الذي يجمع بين الجانب المتعلق بالكفاية والخبرة ، والجانب المتعلق بالدين والأخلاق وخشية الله تعالى .

ثم على المصارف الاسلامية أن توالي هؤلاء الموظفين بحسن الرعاية والتدريب والتذكير ، حتى يظلوا شاعرين بأنهم يقومون على ثغرة من ثغرات الاسلام ، وأنهم يتعبدون لله تعالى بعملهم ، ويجاهدون في ميدان خطير هو ميدان الاقتصاد .

ولا صلاح للمصارف الاسلامية ما لم تصلح قيادتها وموظفوها).



- ألقيت مادة هذه الورقة البحثية فى " ملتقى الإمام القرضاوي مع التلاميذ والأصحاب " الذى عقد فى العاصمة القطرية (الدوحة) فى الفترة من 13 إلى 16 أغسطس 2008

** أستاذ بكلية الشريعة  بجامعة قطر والحائز على جائزة الدولة، والخبير بالمجامع الفقهية وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث

([1])  هناك نقول كثيرة عن كبار علماء العصر في أهمية هذا الكتاب ، فيراجع : في مقدمته للطبعة السادسة عشرة ص 18-19 ، ويراجع : د. علي القره داغي : فقه القرضاوي في الزكاة ، بحث منشور في كتاب

([2]) لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمصباح المنير ، والمعجم الوسيط مادة ( قصد ) 

([3]) سورة لقمان / الآية 19 ويراجع : تفسير الماوردي ط. وزارة الأوقاف الكويتية (3/283)

([4]) سورة فاطر / الآية 32  وتفسير الماوري (3/376) وروى أحمد في مسنده (2/198 ، 6/444) عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أي السابق فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً ، وأما الظالم فيحصر في طول الحبس ثم يتجاوز الله عنه)

([5]) سورة المائدة / الآية 66  وتفسير الماوردي (1/476)

([6]) سورة لقمان / الآية 32

([7]) سورة التوبة / الآية 42 ، وتفسير الماوردي (2/140)

([8]) سورة النحل / الآية 9 ، وتفسير الماوردي (2/384)

([9]) المفردات في غريب القرآن ط. دار المعرفة ص 404 والآية 32 من سورة فاطر 

([10]) صحيح البخاري ، الرقاق ، مع فتح الباري ، ط. السلفية ( 11/ 294 ـ 295)

([11]) مسند أحمد (...... )

([12]) صحيح مسلم ، الجمعة ( 1/591) الحديث رقم 866 ، وأحمد ( 5/107،106،102،100،95،94،93،91)

([13]) د. محمد بايللي : خصائص الاقتصاد الإسلامي ط. المكتب الإسلامي ص 46

([14])  يراجع : المقدمة في المال والاقتصاد والملكية والعقد ، دراسة فقهية قانونية اقتصادية ، أ.د. علي محيى الدين       القره داغي ، ط. دار البشائر الاسلامية ببيروت 2007

([15]) د. عمرو محيى الدين ، ود. عبدالرحمن يسري : مبادئ علم الاقتصاد ط. دار النهضة العربية ، بيروت 1974 ص (ح) 

([16]) كتابه : مبادئ الاقتصاد ، ط. 1980 ، مشار إليه في المرجع السابق ص (ح)

([17]) د. عمرو ، ود. عبدالرحمن يسري ، المرجع السابق نفسه

([18]) د. محمد منذر قحف : الاقتصاد الإسلامي ط. دار القلم ، الكويت 1399 ص 15

([19]) د. محمد صالح : أصول الاقتصاد ، ط. النهضة بالقاهرة 1352هـ ( 1/003) ود. أحمد جامع : مبادئ الاقتصاد ط. دار النهضة العربية بالقاهرة 1976 ص 005

([20]) د. سيف السويدي : مدخل لأسس الاقتصاد ط. 1992 ص 18

([21]) د. محمد عبدالنعم عفر : نحو النظرية الاقتصادية في الاسلام ط. الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية 1401هـ

([22]) د. يوسف إبراهيم : محاضرات في النظام الاقتصادي الإسلامي ط. 1405هـ ص 5

([23]) د. محمد أحمد صقر : الاقتصاد الإسلامي ، مفاهيم ومرتكزات ، بحثه المطبوع في : قراءات في الاقتصاد الإسلامي ط . جامعة الملك عبدالعزيز بجدة ص 6

([24])  يراجع : المقدمة في المال والاقتصاد والملكية والعقد ، دراسة فقهية قانونية اقتصادية ، أ.د. علي محيى الدين القره داغي ، ط. دار البشائر الاسلامية ببيروت 2007