موقع القرضاوي/ 31-10-2007
د.يوسف القرضاوي
روى ابن حبان في صحيحه، كما روى الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد، عن أبي ذرٍ رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت أمثالا كلها". ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، لأبي ذرٍ بعض ما في صحف إبراهيم، وقال: "أيها الملك المسلَّط المُبتلَى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتُك لتردَّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردُّها وإن كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله، أن يكون له ساعات: فساعة يُناجي فيها ربه، وساعة يُحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكَّر فيها في صُنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.
وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزوُّد لمعاد، أو مَرَمَّةٍ لمعاش، أو لذَّةٍ في غير مُحرَّم. وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شانه، حافظًا للسانه. ومن حَسَب كلامه من عمله، قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه".
قلت (والقائل أبو ذر رضي الله عنه): يا رسول الله، فما كانت صحف موسى عليه السلام قال: "كانت عِبرًا كلها". (ويبدو أن هذه الصحف شيء غير التوراة) ثم ذكر له أمثلة من هذه العِبَر:
"عجبتُ لمَن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبتُ لمَن أيقن بالنار ثم هو يضحك، عجبتُ لمَن أيقن بالقدر ثم هو ينصَب، عجبتُ لمَن رأى الدنيا وتقلُّبها بأهلها ثم اطمأنَّ إليها، عجبتُ لمَن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل".
قلت: يا رسول الله، أوصني.
قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس الأمر كله".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "عليك بتلاوة القرآن، وذُكر الله عز وجل، فإنه نور لك في الأرض، وذُخر لك في السماء".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "إياك وكثرة الضحك، فإنه يُميت القلب، ويُذهب نور الوجه".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "أحِبَّ المساكين وجالسهم".
قلت: يا رسول الله زدني.
قال: "انظر إلى مَن هو تحتك، ولا تنظر إلى مَن هو فوقك، فإنه أجدر ألاَّ تزدري نعمة الله عندك".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "قل الحق وإن كان مُرًّا".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك، ولا تَجِدْ عليهم فيما تأتي، وكفى بك عيبا أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تأتي". ثم ضرب بيده على صدري، فقال: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكفِّ، ولا حسب كحسن الخلق". (صدق رسول الله).
هذا حديث جامع حافل بالعظات البالغة، وبالحكم والعبر من صحف إبراهيم ومن صحف موسى، ومن وصايا محمد صلى الله عليه وسلم.
وشرح هذا الحديث يطول، ولكنه واضح بيِّن، لمَن أراد أن يتدبر، ومَن أراد أن يعقل.
إنه بيِّن لمَن كان له قلب، ومَن كان له عقل، ومَن ألقى السمع وهو شهيد. ويكفي أن نُلقي بعض الضوء، على تلك الكلمات البليغة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، صاحبه أبا ذرٍ، وقد كان حريصا على الاستفادة من النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أن يقبس من مِشكاة النبوة ما استطاع.
لهذا طلب من النبي صلوات الله وسلامه عليه، بعد أن سمع بعض العبر من صحف إبراهيم وموسى، قال: يا رسول الله، أوصني.
فأوصاه أول ما أوصاه بتقوى الله، مُعللاً ذلك بأنها رأس الأمر كله .... رأس الأمر التقوى ... لا يقبل عمل ما لم يكن وراءه تقوى.
بكى بعض الصالحين فقيل له: ممَّ تبكي؟ وأنت صاحب نوافل وصاحب عبادة؟! فقال: ما يدريني أنني أعمل في غير معمل؟! وأن هذا كله مردود على! فإن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]، وما يدريني أنّي من هؤلاء؟ فالتقوى في القلب، وليست التقوى في المظهر.
إن خشية الله، ينبغي أن تكون في السر والعلن، في الخلوة والجلوة ... أن تكون مراقبا لله، عارفا بالله، خائفا من الله عز وجل. هذا هو لُباب التقوى.
لم يكتفِ بذلك أبو ذر، فقال: يا رسول الله، زدني ... من وصاياك النافعة... فقال: "عليك بتلاوة القرآن، وذُكر الله عز وجل، فإنه نور لك في الأرض، وذُخر لك في السماء".
تلاوة كتاب الله، كل حرف فيه بعشر حسنات، "لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف".
وذُكر الله عز وجل على كل حال، قائمًا أو قاعدًا أو على جنبك، اذكر الله ذكرًا كثيرًا، وسبحه بكرة وأصيلاً، لا تغفل أبدًا عن ذكر الله، لا تكن من الغافلين...
الله تعالى، يحب من عباده أن يذكروه، وأن يذكروه بألسنتهم في كل حال، وفي كل حين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يذكر الله على كل أحواله وأحيانه.
إذا قام من نومه ذكر الله، وإذا أوى إلى فراشه ذكر الله، وإذا أكل مبتدئا أو منتهيا ذكر الله، وإذا شرب ذكر الله، وإذا هبَّت ريح ذكر الله، وإذا ركب دابته ذكر الله، وفي كل هذا أذكار وأدعية واردة عنه عليه الصلاة والسلام تشرح الصدور وتملأ القلوب بمعرفة الله تعالى وبمحبته.
وفي ذلك ألَّف الإمام النووي كتابه (الأذكار)، وألَّف الإمام ابن تيمية كتابه (الكلم الطيب)، وألَّف تلميذه (الوابل الصيب في الكلم الطيب).
كل هذه تدلُّ المسلم على ما يجب أن يذكر به ربه في سائر الأوقات، وفي كافة الأحوال.
ثم قال أبو ذر، الراغب في الخير: يا رسول الله، زدنى.
فقال: "إياك وكثرة الضحك، فإنه يُميت القلب، ويُذهب نور الوجه".
لم ينهَهُ عن الضحك كلِّه، فإن الإسلام لا يريد أن تكون الحياة كلها عُبُوسًا وكآبة ووحشة ... ولكنه نهاه عن كثرة الضحك، أن تصبح الحياة مَضحَكَة ومَهزَلَة، أن يملأ الإنسان أوقاته بالسُّخرية وبالهزل، وبالنكات والضحك المتواصل....
لا ... لا بد أن يكون الإنسان عادلاً في تقسيم وقته: فساعة لقلبك، وساعة لربك ...
وللهِ منِّي جانبٌ لا أضيعُهُ وللَّهو منِّى والخلاعةِ جانبٌ
قسِّم أوقاتك، كما جاء في صحف إبراهيم: "يجب أن تكون للعاقل ساعات: ساعة يُناجي فيها ربه، وساعة يُحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكَّر فيها في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب".
اضحك وامزح، ولكن أعط الكلام من المَزح بمقدار ما تعطى الكلام من الملح.
والنفسُ تَسأمُ إن تطاولَ جِدَّها فاكشفْ سآمةَ جدِّها بمِزاحِ
لا بأس أن تمزح، ولكن لا تجعل حياتك كلها ضحكًا ومزاحًا، فإنه يُميت القلب، لأنه يُذهب من القلب الخوف من الله والحياء منه ... فيموت القلب حين ذاك.
فكثرة الضحك الدنيوي، والفرح بالدنيا -كما قال الغزالى: (سم قاتل، يسري إلى العروق، ويذهب إلى القلب فيموت، وإذا مات القلب استحق النار والعياذ بالله).
ثم يقول لأبي ذر وقد طلب منه زيادة الوصايا: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتى".
ليس في هذه الأمة رهبانية، ولا انقطاع عن الحياة، ولا عُزلة عن الناس، وإنما فيها الجهاد.
مَن أراد أن يُكتب له عمل صالح دائم، أن يتعبد لله باستمرار، فليجاهد في سبيل الله ... فإنه مثل الصائم الذي الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر.
احمل سلاحك، وجاهد أعداء الله ... بذلك تعيش الحياة كلها عبادة، وكلها طاعة.
قال أبو ذر: يا رسول الله، زدني.
فقال: "أحب المساكين وجالسهم"، كما جاء في بعض الأحاديث: "اللهم أحينى مسكينًا وأمتنى مسكينًا واحشرني في زُمرة المساكين".
أي زُمرة هؤلاء الناس المستضعفين المتواضعين، أحب هؤلاء وجالسهم، وإن كنت كبير الجاه، أو كثير المال، تواضع لله يرفعك الله، وأحب هؤلاء يحببك الله.
قال أبو ذر زدني.
قال: "انظر إلى مَن هو تحتك، ولا تنظر إلى مَن هو فوقك، فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عندك".
في أمور الدنيا، لا تنظر إلى مَن هو فوقك فتتعب كثيرًا، ولكن انظر إلى مَن هو دونك، إلى مَن تحتك، فتجد نعم الله كثيرة عليك.
إذا كنت متوسط الغنى انظر إلى مَن لا غنى عنده ... إلى رجل صِفر اليدين، هنالك ستشعر بالنعمة وتقول: الحمد الله.
ولا تنظر إلى أصحاب الملايين، فإنك تُتعب نفسك، وتُجهد قلبك، ولا تحصل على طائل.
إذا كنت ضعيف الصحة، فانظر إلى مَن هو أقل منك صحة، إلى مَن يعيش في أمراض دائمًا.
إذا كنت قليل الولد، فانظر إلى مَن لا ولد عنده.
وإذا لم يكن عندك أولاد قط، فانظر إلى مَن لم يُتَح له أن يتزوج.
وانظر إلى مَن حُرم النعم الكثيرة في الدنيا ... وهكذا، تجد أن نعم الله كثيرة عليك.
ثم قال له: "يا أبا ذر، قلِ الحق وإن كان مرًّا".
لا تخف في الله لومة لائم ... فهذا أجدر أن يحبك الله تعالى، وأن يرضى عنك.
هذه هي وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر، على المؤمن أن يحرص عليها، وأن يرضى بها، وأن يجعلها دستورًا لحياته.
بذلك يرضى الله عنك، ويكون طريقك إلى الجنة، وسبيلك إلى رضوان الله سبحانه وتعالى.
|