موقع القرضاوي/ 16-4-2008
بقلم الدكتور يوسف القرضاوي
تحدث فقهاء المذاهب المختلفة في كتبهم عن السياسة بمناسبات شتَّى، وخصوصًا عند حديثهم عن التعزير: وهو العقوبة غير المقدرة بالنص، وكان منهم المُوَسِّع في السياسة، والمُضَيِّق فيها. وسنحاول هنا بحث مسألة السياسة عند الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، مع بيان حدود السياسة اليوم ومجالاتها.
السياسة عند المالكية والشافعية:
ويبدو أن الشافعية كانوا هم المضيقين في هذا الجانب أكثر من غيرهم؛ لأنهم لا يقولون بالمصالح المرسلة. وإن كان الإمام شهاب الدِّين القرافي المالكي (ت 684هـ) يذكر في كتابه (تنقيح الفصول): أن كل فقهاء المذاهب قالوا بالمصالح. يقول رحمه الله: (وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فرَّقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي جمعوا أو فرَّقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب) [1].
وهذا هو التحقيق فالذي يطالع كتب المذاهب الأخرى يجد فيها عشرات ومئات من المسائل إنما يعللونها بتعليلات مصلحية، وإن كان الحنفية والحنابلة أكثر من الشافعية في ذلك.
ويذكر القرافي: أن إمام الحرمين -عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت 478هـ)- قرَّر في كتابه المسمى بـ(الغياثي) أمورًا وجوَّزها وأفتى بها -والمالكية بعيدون عنها- وجسر عليها، وقالها للمصلحة المطلقة [2]، وكذلك الغزالي في (شفاء الغليل) مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا -يعني المالكية- في المصلحة المرسلة [3].
وإمام الحرمين والغزالي شافعيان، ولكن المعروف أن الغزالي في (المستصفى) يعتبر المصلحة من (الأصول الموهومة)، وأن شيخه إمام الحرمين يضيق في السياسة الشرعية، ولا يجيز أي زيادة على المنصوص عليه في العقوبات.
تضييق إمام الحرمين في السياسة:
وقد نقل الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب -في مقدمة تحقيقه لكتاب (الغياثي)- ما يوضح موقف الإمام -رحمه الله- من قضية التوسع في التعزيرات، كما أجازه آخرون باسم السياسة للردع والزجر. وكان مما نقله عنه قوله: (ومما يتعين الاعتناء به الآن، وهو مقصود الفصل: أن أبناء الزمان ذهبوا إلى أن مناصب السلطنة والولاية لا تَسْتَدُّ (من السداد) إلا على رأي مالك رضي الله عنه، وكان يرى الازدياد على مبالغ الحدود في التعزيرات، ويسوغ للوالي أن يقتل في التعزير، ونقل النقلة عنه أنه قال: للإمام أن يقتل ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها [4]!
(وذهب بعض الجهلة -عن غِرة وغباوة- إلى أن ما جرى في صدر الإسلام من التخفيفات، كان سببها أنهم كانوا على قرب عهد بصفوة الإسلام، وكان يكفي في ردعهم التنبيه اليسير، والمقدار القريب من التعزير، وأما الآن فقد قست القلوب، وبعدت العهود، ووهنت العقود، وصار متشبث عامة الخَلق الرغبات والرهبات، فلو وقع الاقتصار على ما كان من العقوبات، لما استمرت السياسات) [5].
ويرد الجويني ذلك الرأي بعنف، ويدفعه بقوة قائلاً: (وهذا الفن قد يستهين به الأغبياء، وهو على الحقيقة تسبب إلى مضادة ما ابتُعِث به سيد الأنبياء) [6]. ويستمر في تسفيه هذا الرأي قائلاً: (وعلى الجملة من ظنَّ أن الشريعة تُتلقى من استصلاح العقلاء ومقتضى رأي الحكماء، فقد رد الشريعة، واتُّخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة) [7].
ويعود لتأكيد نفس المعنى، فيقول: (وهذه الفنون في رجم الظنون، ولو تسلطت على قواعد الدِّين، لاتخذ كل مَن يرجع إلى مُسكة من عقل فكره شرعًا، ولانتحاه ردعًا ومنعًا، فتنتهض هواجس النفوس حالَّة محل الوحي إلى الرسل، ثم يختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ فلا يبقى للشرع مستقر وثبات) [8].
ثم يبين السر في هذا الداء، فيقول: (هيهات هيهات. ثقل الاتِّباع على بعض بني الدهر؛ فرام أن يجعل عقله المعقول عن مدارك الرشاد في دين الله أساسًا، ولاستصوابه راسا، حتى ينفض مِذرَويه، ويلتفت في عطفيه اختيالاً وشماسًا. فإذن لا مزيد على ما ذكرناه في مبالغ التعزير) [9].
ثم يصرح بتفشي هذا الداء -مجاوزة الحد في العقوبات- في زمانه، ويجأر بالشكوى، وكأنه يعتذر عن إطالته في هذا الموضوع، فيقول: (وإنما أرخيت في هذا الفصل فضل زمامي، وجاوزت حد الاقتصاد في كلامي؛ لأني تخيلت انبثاث هذا الداء العضال في صدور الرجال) [10].
ويرى أن أصحاب السياسات لم يحيطوا فَهمًا بمحاسن الشريعة؛ ولذا يزعمون أن التعزير المحطوط عن الحدود لا يزع ولا يدفع، وأن هذا منهم جهل وسوء قصد. قال: (والذي يبديه أصحاب السياسات أن التعزير المحطوط عن الحد لا يزع ولا يدفع، وغايتهم أن يزيدوا على مواقف الشريعة، ويتعدّوها ليتوصلوا بزعمهم إلى أغراض رأوها في الإيالة... وإنما ينسل عن ضبط الشرع من لم يحط بمحاسنه، ولم يطلع على خفاياه ومكامنه، فلا يسبق إلى مكرمة سابق إلا ولو بحث عن الشريعة لألفاها أو خيرًا منها في وضع الشرع... فهذا مسلك السداد، ومنهج الرشاد والاقتصاد، وما عداه سرف ومجاوزة حد، وغلوٌّ وعتوٌّ) [11].
ولا يفوته في هذا المقام أن يقف في وجه رجال الأمن الذين (يرون ردع أصحاب التهم، قبل إلمامهم بالهنات والسيئات)، ويقول: (إن الشرع لا يرخص في ذلك) [12].
هذا هو رأي إمام الحرمين، في تشديده وتضييقه، وإن كان يخالف ما ذكره القرافي! وهو هنا يمثل فقه الشافعية، وكيف لا وهو الذي تشير إليه كتب المذهب بـ(الإمام) فإذا قالوا: قال الإمام، فليس غير إمام الحرمين.
وأما مذهب مالك، فقد نقل ابن فرحون في (تبصرة الحكام) عن القرافي قوله: إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفًا للشرع، بل تشهد له الأدلة، وتشهد له القواعد. ومن أهمها كثرة الفساد وانتشاره، والمصلحة المرسلة التي قال بها مالك وجمع من العلماء [13].
ولا ريب أن أخذ الإمام مالك بالمصلحة المرسلة، واشتهاره بها، وتوسُّعه فيها أكثر من غيره، يجعل له رخصة في مساحة أرحب في التفكير السياسي، والتصرف السياسي للأئمة والأمراء.
ولهذا نجد الإمام القرافي في كتابه (تنقيح الفصول) حين استدل على شرعية المصلحة المرسلة، اتخذ أمثلته وشواهده من تصرفات الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، وأنهم عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة أبي بكر للمصحف، ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى (بين ستة)، وتدوين الدواوين، وعمل السِّكة (النقود)، واتخاذ السجن، فعل ذلك عمر رضي الله عنه، وهدّ الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، فعله عثمان رضي الله عنه [14]. وأيضًا ما فعله عمر من اتخاذ تاريخ خاص للمسلمين، إلى سائر (أَوَّلياته) التي عُرف بها.
ومثله جَمْع عثمان الناس على مصحف واحد وإحراق ما عداه، وتضمين عليّ للصناع المحترفين ما بأيديهم من أموال الناس، حتى يثبتوا أنها هلكت بغير إهمال ولا تعدٍّ منهم... إلخ. فهذه كلها من أعمال السياسة الشرعية للإمام أو الحاكم قام بها لمقتضى المصلحة للجماعة أو للأمة.
كل ما هو مطلوب هنا: ألا نصادم نصًّا مُحْكمًا من نصوص الشرع، ولا قاعدة مقطوعًا بها من قواعده. وربما كان أوسع المذاهب في ذلك مذهب الحنابلة، كما سنرى فيما ذكره الإمام ابن عقيل، وعلَّق عليه الإمام ابن القيم.
السياسة في الفقه الحنفي
وقد تكلم علماء المذهب الحنفي عن السياسة -أكثر ما تكلموا- عند حديثهم عن حد الزنى، وما ورد فيه من حديث نفي الزاني غير المحصن وتغريبه سنة عن بلده الذي حدثت فيه جريمة الزنى، فقد فسروا هذا التغريب: بأنه نوع من (السياسة) أو التعزير. فلا مانع أن يفعله الإمام أو القاضي النائب عنه للردع والتأديب إذا رأى في ذلك مصلحة، ولم يخشَ من ورائه فتنة. فهو من (السياسة الشرعية) المبرَّرة والمبنية على قواعد الشرع.
وهنا تعرض علماء المذهب بهذه المناسبة للكلام عن السياسة. وقد استوفى ذلك علاّمة المتأخرين ابن عابدين في حاشيته الشهيرة (رد المحتار على الدر المختار)، ونقل فيها عن القُهستانيّ قوله: (السياسة لا تختص بالزنى، بل تجوز في كل جناية، والرأي فيها إلى الإمام -على ما في (الكافي)- كقَتْل مبتدع يُتَوَهَم منه انتشار بدعته وإن لم يُحكم بكفره، كما في (التمهيد)، وهي مصدر: ساس الوالي الرعية: أَمرَهم ونهاهم، كما في (القاموس) وغيره، فالسياسة استصلاح الخَلق بإرشادهم إلى الطريق المُنَجِّي في الدنيا والآخرة، فهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم، ومن السلاطين والملوك على كل منهم في ظاهره لا غير، ومن العلماء ورثة الأنبياء على الخاصة في باطنهم لا غير، كما في (المفردات) [15]وغيرها) اهـ، ومثله في (الدر المنتقى) [16].
قلتُ -القائل ابن عابدين- وهذا تعريف للسياسة العامة الصادقة على جميع ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام الشرعية، وتستعمل أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب ولو بالقتل، كما قالوا في اللوطي والسارق والخنَّاق: إذا تكرر منهم ذلك حلَّ قتلهم سياسة، وكما مر في المبتدع؛ ولذا عرَّفها بعضهم: بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد، وقوله: لها حكم شرعي معناه: أنها داخلة تحت قواعد الشرع وإن لم يُنَصَّ عليها بخصوصها، فإن مدار الشريعة بعد قواعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم. ولذا قال في (البحر) [17]: (وظاهر كلامهم أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يَرِد بذلك الفعل دليل جزئي) اهـ وفي (حاشية مسكين) عن (الحموي): (السياسة شرع مُغَلَّظ، وهي نوعان: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تُخرج الحق من الظالم، وتدفع كثيرًا من المظالم. وتردع أهل الفساد، وتُوصِل إلى المقاصد الشرعية، فالشريعة توجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها، وهي باب واسع، فمن أراد تفصيلها فعليه بمراجعة كتاب (مُعين الحكام) للقاضي (علاء الدِّين الأسود الطرابلسي الحنفي)) اهـ.
قلتُ -القائل ابن عابدين- (والظاهر أن السياسة والتَّعزير مترادفان؛ ولذا عطفوا أحدهما على الآخر لبيان التفسير، كما وقع في (الهداية) و(الزيلعي) وغيرهما، بل اقتصر في (الجوهرة) على تسميته تعزيرًا، وسيأتي أن التعزير تأديب دون الحد، من العَزْر بمعنى الرَّد والردع، وأنه يكون بالضرب وغيره، ولا يلزم أن يكون بمقابلة معصية؛ ولذا يضرب ابن عشر سنين على الصلاة، وكذلك السياسة كما مر في نفي (عمر) لـ(نصر بن حجاج)، فإنه ورد أنه قال لـ(عمر): ما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا ذنب لك، وإنما الذنب لي؛ حيث لا أطهر دار الهجرة منك [18]. فقد نفاه؛ لافتتان النساء به، وإن لم يكن بصنعه، فهو فِعلٌ لمصلحة، وهي قطع الافتتان بسببه في دار الهجرة التي هي من أشرف البقاع، ففيه رَد وردع عن منكر واجب الإزالة! وقالوا: إن التعزير موكول إلى رأي الإمام.
فقد ظهر لك بهذا أن باب التعزير هو المتكفل لأحكام السياسة، وسيأتي بيانه، وبه عُلِم أن فعل السياسة يكون من القاضي أيضًا، والتعبير بالإمام ليس للاحتراز عن القاضي، بل لكونه هو الأصل والقاضي نائب عنه في تنفيذ الأحكام) [19].
ويبدو من كلام فقهاء الحنفية: أن السياسة تتعلَّق بجانب العقوبات والتأديب لا تتعداه. ولذا قالوا: إن السياسة والتعزير مترادفان.
والذي أرجحه: أن السياسة أعم من التعزير، فهي تدخل في أكثر من مجال في شئون العادات والمعاملات: من الإدارة والاقتصاد والسلم والحرب والعلاقات الاجتماعية والدستورية والدولية وغيرها.
وسنرى أن تعريف الإمام ابن عقيل للسياسة أوسع وأوفى مما ذكره من ذكره من علماء الحنفية وغيرهم. فقد عرف السياسة بأنها: كل تصرف من ولي الأمر يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يأتِ به الشرع، بشرط ألا يخالف ما جاء به الشرع. وهو ما سنبحث عنه في ما يلي.
دور ابن القيم في توضيح السياسة الشرعية
أني لم أجد من الفقهاء -في تاريخنا- من تكلم عن السياسة الشرعية وشرحها فأحسن شرحها، وكَشَف اللثام عن مفهومها، وبيَّن الفرق بين السياسة العادلة، والسياسة الظالمة، وأن الأولى إنما هي جزء من الشريعة، وليست خارجة عنها، ولا قسيمًا لها، مثل الإمام ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله، في كتابين من كتبه: (إعلام الموقعين) و(الطُّرق الحُكمية). ويحسن بنا أن ننقل كلامه هنا لما فيه من قوة الحجة، ونصاعة البيان، المؤيد بالبرهان.
يقول رحمه الله في (الطُّرق الحُكمية) مُعلِّقًا على ما قاله الإمام الحنبلي أبو الوفا ابن عقيل (ت513هـ) -الذي قال عنه ابن تيمية: كان من أذكياء العالم. وكل الذين درسوا ابن عقيل يعلمون أنه رجل بالغ الذكاء، موسوعي المعرفة، حُرُّ التفكير- قال: (قال ابن عقيل في (الفنون): جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية: أنه هو الحزم. ولا يخلو من القول به إمام.
فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.
فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي.
فإن أردت بقولك: (إلا ما وافق الشرع) أي لم يخالف ما نطق به الشرع؛ فصحيح.
وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن. ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف [20]، فإنه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق علي رضي الله عنه، الزنادقة في الأخاديد، فقال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا أججت ناري ودعوت قُنْبرا [21]
ونفي عمر رضي الله عنه لنصر بن حجاج اهـ.
قال ابن القيم مُعلِّقًا:
(وهذا موضع مَزَلَّة أقدام، ومَضَلَّة أفهام. وهو مقام ضنك، ومعترك صعب.
فرط فيه طائفة: فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها. وسدوا على نفوسهم طُرُقًا صحيحة من طُرُق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا: أنها حق مطابق للواقع، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولَعَمْرُ الله! إنها لم تنافِ ما جاء به الرسول، وإن نَفَتْ ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم.
والذي أوجب ذلك:
1. نوع تقصير في معرفة الشريعة.
2. وتقصير في معرفة الواقع.
3. وتنزيل أحدهما على الآخر.
فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمر، إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة: أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلاً، وفسادًا عريضًا. فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعزَّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله وحكم رسوله.
وكلا [22]الطائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه؛ فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات. فإن ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان: فثَمَّ شرع الله ودينه. والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طُرُق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها. بل قد بيَّن سبحانه بما شرعه من الطُّرُق: أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط: فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدِّين، ليست مخالفة له) اهـ.
ثم يقول:
(فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه. ونحن نسميها (سياسة) تبعًا لمصطلحكم. وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات، فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهمة [23]، وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم؛ فمن أطلق كل متهم وحلَّفه وخلَّى سبيله -مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل- فقوله مخالف للسياسة الشرعية.
وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الغالَّ من الغنيمة سهمه، وحرَّق متاعه هو وخلفاؤه من بعده [ [24، ومنع القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير السرية فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع [25]، وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة [26]، وأضعف الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها [27]، وقال في تاركي الزكاة: "إنا آخذوها منه وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا" [28]، وأمر بكسر دنان الخمر [29]، وأمر بكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام. ثم نسخ عنهم الكسر، وأمرهم بالغسل [30]، وأمر المرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها) [31] اهـ.
إلى غير ذلك مما ثبت بصحاح الأحاديث من سياسته صلى الله عليه وسلم.
وسلك أصحابه وخلفاؤه من بعده ما هو معروف لمن طلبه، فمن ذلك:
أن أبا بكر رضي الله عنه، حرق اللوطية، وأذاقهم حَرَّ النار في الدنيا قبل الآخرة.
وحرق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حانوت الخمار بما فيه. وحرق قرية يباع فيها الخمر.
وحرق قصر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما احتجب في قصره عن الرعية.
وحلق عمر رأس نصر بن حجاج، ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به [32].
وضرب صَبِيغ بن عِسْل على رأسه، لما سأل عما لا يعنيه.
وصادر عماله فأخذ شطر أموالهم لما اكتسبوا بجاه العمل، واختلط ما يختصون به بذلك. فجعل أموالهم بينهم وبين المسلمين شطرين.
وألزم الصحابة أن يُقِلُّوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتغلوا به عن القرآن؛ سياسة منه، إلى غير ذلك من سياساته التي ساس بها الأمة رضي الله عنه.
ومن ذلك: جمع عثمان رضي الله عنه، الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة بها؛ لما كان في ذلك مصلحة، فلما خاف الصحابة رضي الله عنهم، على الأمة أن يختلفوا في القرآن، ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم، وأبعد من وقوع الاختلاف: فعلوا ذلك، ومنعوا الناس من القراءة بغيره.
ومن ذلك: تحريق علي رضي الله عنه الزنادقة الرافضة، وهو يعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكافر، ولكن لما رأى أمرًا عظيمًا جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ ليزجر الناس عن مثله.
مرونة السياسة الشرعية وقابليتها للتطور
ثم قال ابن القيم:
(والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة تختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة. ولكل عذر وأجر. ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين.
وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافُها هي من تأويل القرآن والسنة. ولكن هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانًا ومكانًا؟) [33] اهـ.
ولا ريب أنها سياسات جزئية اقتضتها المصالح في زمانها ومكانها وحالها، فإذا تغيَّر الزمان أو تبدَّل المكان أو تطوَّر الحال: وجب النظر في الأحكام القديمة في ضوء الظروف الجديدة. وهنا يمكن أن تُعدَّل أو تغير وفق الظروف والمصالح المستحدثة. ولا يجوز الجمود على القديم، وإن كان من وراء ذلك من الضرر على المجتمع والأمة ما فيه، بدعوى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. فالواقع أن في إمكان الإنسان أن يفعل الكثير، إذا توافر له العلم والإرادة، ولا سيما في عصرنا الذي منح الإنسان طاقات وقدرات هائلة، لم تدر بخلده من قبل.
ومن المعلوم أن ما أقرَّه ابن القيم في كلامه عن سياسة التعزير بالعقوبات المالية -وهو مذهب الحنابلة- خالفته مذاهب أخرى، وإن كان ما ذكره ابن القيم هو الراجح للأدلة التي استند إليها.
وفي هذا الاختلاف بين المذاهب والفقهاء سَعَة ورحمة للأمة بصفة عامة، وفي مجال السياسة بصفة خاصة. لا لننظر في الأقوال ونأخذ منها ما نشتهي وما يحلو لنا دون ترجيح بأي معيار، فهذا ليس إلا اتِّباعًا للهوى. ولكن هذه الثروة الكبيرة تتيح فرصة أوسع للانتقاء، والترجيح بين الآراء، واختيار ما هو أليق بتحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق التي لأجلها نزلت الشريعة.
تعقيب عام على السياسة عند الفقهاء:
ما ذكرناه يتعلَّق بموقف الفقهاء من مصطلح (السياسة) وتحديد مفهومها، ونظرتهم إليها بين موسِّع ومضيِّق.
ولكن إذا نظرنا إلى (السياسة) من حيث (المضمون) وهو: ما يتعلَّق بتدبير أمور الرعية، وأداء الحقوق والأمانات إليهم، ونحو ذلك، فقد تحدث الفقهاء عن ذلك حديثًا أطول، بعضه في داخل كتب الفقه في أبواب معروفة مثل: باب الأمانة، والقضاء، والحدود، والجهاد، وغيرها. وبعضه في كتب خاصة عنيت بموضوعات الحكم والسياسة والإدارة والمال وغيرها، كما رأينا في كتب معروفة، مثل: (الأحكام السلطانية) لأبي الحسن الماوردي الشافعي (ت450هـ)، ومثله بنفس العنوان لأبي يعلى الفراء الحنبلي (ت456هـ)، و(غياث الأمم في التياث الظلم) أو (الغِياثي) لإمام الحرمين الجويني الشافعي (ت476هـ)، و(السياسة الشرعية) لابن تيمية الحنبلي (ت728هـ)، و(الطُّرق الحُكمية) لابن القيم (ت751هـ)، وتبصرة الحكام لابن فرحون المالكي (ت799هـ)، وتحرير الأحكام لابن جماعة (ت819هـ)، ومُعِين الحكام للطرابلسي الحنفي (ت844هـ)، وغير ذلك مما أُلِّف ليكون مرجعًا للقضاة والحكام.
وهناك الكتب التي تتعلَّق بسياسة المال خاصة، مثل: (الخراج) لأبي يوسف أكبر أصحاب أبي حنيفة (ت182هـ) صنفه لهارون الرشيد ليسير عليه في سياسته المالية. وكذلك (الخراج) ليحيى بن آدم (ت203هـ)، و(الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ)، وهو أعظم ما أُلِّف في الفقه المالي في الإسلام. و(الأموال) لابن زنجويه (ت248هـ)، و(الاستخراج في أحكام الخراج) لابن رجب الحنبلي (ت795هـ).
هذا بالإضافة إلى ما كتبه العلماء عن السياسة في كتب العقائد أو كتب (علم الكلام) كما كان يسمى، فقد اضطر أهل السنة أن يكتبوا عن الإمامة وشروطها ووظائفها وغير ذلك في كتب العقيدة؛ لأن الشيعة يعتبرون (الإمامة) في مذهبهم من أصول العقيدة، فيتحدثون عنها في كتبها. فلهذا خاض علماء أهل السنة في هذا الموضوع ليثبتوا موقفهم المخالف في هذه القضية، من حيث إن الإمام لا يشترط أن يكون من أهل البيت، وإن اشترط أكثرهم أن يكون من قريش، وإن الإمام يختار من الأمة، وأنه ليس بمعصوم من الخطأ ولا الخطيئة، وإنه يؤخذ منه ويرد عليه.
كما أن من علماء أهل السنة من تعرض لأمر السياسة في كتب (التصوف)، كما رأينا الإمام أبا حامد الغزالي (ت505هـ) يتعرض لذلك في موسوعته الشهيرة (إحياء علوم الدِّين)، إضافة إلى تعرضه لها في كتب علم الكلام مثل (الاقتصاد في الاعتقاد).
من ذلك ما كتبه في (كتاب العلم) من الإحياء عن الفقه والسياسة، أو العلاقة بين الفقيه والسياسي، فهو يجعل الفقه من علوم الحياة أو علوم الدنيا، وهنا يذكر أن الناس لو تناولوا أمور الدنيا بالعدل لانقطعت الخصومات، وتعطل الفقهاء! ولكنهم تناولوها بالشهوات، فتولدت منها الخصومات، فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به.
(فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخَلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طُرُق سياسة الخَلق وضبطهم؛ لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا. ولعَمْرِي إنه متعلِّق أيضًا بالدِّين، لكن لا بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدِّين إلا بالدنيا. والمُلك والدِّين توأمان، فالدِّين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم المُلك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه) [34].
_______________
|