موقع القرضاوي/ 5-4-2008
الدوحة - أكد العلامة الدكتور يوسف القرضاوي-رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- أن المسلمين ليسوا ضد اليهود من الناحية الدينية، ولكنهم ضد الاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين، وأكد أن أمة الإسلام مأمورة بالحوار الحكيم مع كل من يحاورها، مرحبا بكل حوار إيجابي مع الغرب.
كما تناول فضيلته في خطبة الجمعة نظرة الإسلام إلى المال والثروة، التي تعتبر الإنسان مستخلفا من قبل الخالق جل وعلا فيما يملك. جاء ذلك في خطبة الجمعة 2-5-2008 بمسجد عمر بن الخطاب بالدوحة والتي خصصها للحديث عن المال وهدي الإسلام فيه.
وأشار إلى الزيارة التي قام بها ثلاثة من الحاخامات المعارضين للصهيونية مؤخرا إلى بيته، قائلا: لست ضد اليهود باعتبارهم يهودًا وقلت لهم بصريح العبارة أنا لست ضد اليهود من الناحية العرقية لأنهم ساميون ولأننا نحن العرب ساميون أيضًا، أنتم بنو يعقوب ونحن بنو إسماعيل، أيضا نحن أبناء عمومة، مشيرًا إلى أنه لا اعتبار لمسألة العرق في الإسلام.
وأضاف فضيلته: لسنا ضد اليهود من الناحية الدينية فاليهود والنصاري أهل كتاب وربما كان اليهود أقرب للمسلمين من ناحية الشريعة من النصارى، ولأن اليهود يختنون أبناءهم والنصارى لايختنون، واليهود يذبحون ذبائحهم ونحن نفعل ذلك، واليهود لا يأكلون الخنزير، ونحن أيضًا لا نأكله، واليهود لا يقبلون التماثيل في معابدهم، هم قريبون منا.
وقال: "كل من يعارض الاغتصاب الصهيوني لفلسطين أنا معه"، مشيرًا إلى أن هؤلاء اليهود معهم كثيرون لكن الإعلام الصهيوني لا يتيح لهم ذلك.
واستطرد قائلاً: التقيت بحاخامات ضد الصهيونية من قبل في لندن 2004 عندما حاول اللوبي الصهيوني أن يثير الناس ضدي... فكان هؤلاء اليهود معي ووقفوا معي وهاجموا هذا اللوبي الصهيوني، وحينما سافرت ودعني ثمانية منهم إلى باب الطائرة.
نرحب بالحوار الإيجابي
وأعلن القرضاوي ترحيبه بكل حوار إيجابي قائلا : نفتح أيدينا وصدورنا لكل من يحاورنا لاننا مأمورون بالحوار "وجادلهم بالتي هي أحسن" ولذلك نفتح قلوبنا للأوروبيين والغربيين والأمريكيين ولكنهم للأسف لا يفتحون لنا صدورهم ما زالت عندهم بقايا من الروح الصليبية من الحقد الأسود على الإسلام والمسلمين .
وتطرق فضيلته إلى حادثة قيام قناة فرنسية بمنع ظهور طفل فرنسي من أصل مغربي على شاشتها بسبب أن اسمه "إسلام"، ومطالبة القائمين عليها لوالدي الطفل بتغيير اسمه، وقد رفضا بإصرار، وأقدما على رفع دعوى قضائية ضد هذه القناة.. وقال القرضاوي معلقًا: انظروا ماذا يكنه الغرب للإسلام؛ طفل بريء فرح باشتراكه بالبرنامج فيحرم لأن اسمه إسلام .. هذا هو الغرب الذي يتهمنا أننا دعاة للعنف وللإرهاب وللتعصب وهم للأسف المتعصبون!
وكان القرضاوي قد بدأ خطبته بالحديث عن نظرة الإسلام للمال والثروة ، تعليقا على حوار دار مؤخرًا بين فضيلته ومجموعة من الشباب الملتزم من إحدى دول الخليج العربية، حول ظاهرة انصراف الناس إلى الاهتمام الشديد بالمال وبخاصة في أعقاب ارتفاع أسعار النفط، ما صرف الجهود عن الاهتمام بقضايا الأمة.
المال ليس شرًا
وقال فضيلته : المال في ذاته ليس شرًا ولا مذمومًا في نظر الإسلام ، ربما كان ذلك في نظر المسيحية ، في الإنجيل : لايدخل الغني ملكوت السماوات حتي يدخل الجمل في سم الخياط ، وجاء رجل من الأغنياء أراد أن يتبع المسيح فقال له اذهب فبع مالك ثم اتبعني ، لكن محمدًا صلي الله عليه وسلم لم يحرم الأغنياء من ملكوت السماوات ولم يأمر من أراد أن يتبعه أن يتخلص من ماله بل نراه عليه الصلاة والسلام يقول: مانفعني مال كمال أبي بكر، وكان سيدنا أبو بكر من التجار الذين رزقهم الله بسطة في المال وكان ماله في خدمة الدعوة، حتي أن ماله في غزوة العسرة في تبوك جاء بماله كله ليسلمه للنبي فقال له ماذا أبقيت لأهلك ؟ قال له أبقيت لهم الله ورسوله وكان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف من أثرياء المسلمين وكانت أموالهما معدة أيضا للانفاق في سبيل الله .. وقد امتن الله عليه بالغني فقال " ألم يجدك يتيما فآوي ، ووجدك ضالا فهدي ، ووجدك عائلا فأغني" وامتن الله علي الصحابة حينما وسع عليهم في الرزق (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وسع عليكم من رزقه لتكونوا أهلا لشكر نعمة الله ، فنعم المال الصالح للمرء الصالح.
وذكَّر فضيلته المسلمين بأدعية النبي صلي الله عليه وسلم بخصوص المال ، حيث كان يقول : اللهم إني أسألك الهدي والتقي والعفاف والغني ، وروي عنه سعد بن أبي وقاص : أن الله يحب العبد التقي الغني الخفي ، ذلك البعيد عن الشهرة وطلبها ، وحين جاءت أم سليم بإبنها انس ليخدم النبي وهو ابن عشر سنين فقالت ادع الله له فدعا له بعدة دعوات منها أن يكثر الله ماله .
وذكر فضيلته أن القرآن سمى المال خيرًا (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أي لحب المال ، موضحًا أن هذا الحب غريزي وفطري في الإنسان ، موردا قوله تعالى (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامي والمساكين) من خير أي من مال ، وفي نفس المعنى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ) أي مالاً ، فقد سمي القرآن المال خيرًا .
وأضاف القرضاوي أن الإسلام يحب للمسلم أن يكون ميسر الرزق ، فليس من الضرورة أن يكون مليونيرًا ، ولكن يكون ميسر الرزق لا يعيش عيشة ضنكا فالمعيشة الضنك عقوبة إلهية جزاء الإعراض عن ذكر الله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) كما ذكَّر بقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ )
التقوى سبب السعة
وبين القرضاي أن التقوي سبب السعة في الرزق والبسطة في العيش ، مستدلاً بالآية الكريمة ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) ، مشيرًا إلى تذكير سيدنا نوح عليه السلام لقومه بالإستغفار الدائم وما يجلبه من خير (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، )يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، )وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) .وأضاف فضيلته : أن هذا بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع كله المجتمع الذي يتبع هدي الله ومنهجه ويسير في ركاب التقوي ؛ مجتمع ينعم الله عليه بركات السماء والأرض ويرزقه من حيث لا يحتسب .
وبين فضيلته أنه نظرًا لهذه نظرة إلى المال قررت الشريعة الحجر على السفهاء المبزرين ، ولذلك نهي النبي عن إضاعة المال وقال الله تعالي (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) لا تمكنوهم من التصرف إذا ثبت أنهم لايعرفون قيمة المال ، فهؤلاء من حق الأمة أن تكف أيديهم عن هذا المال لأنه وإن كان ملكًا للفرد فهو ملك للمجتمع .
وتابع فضيلته : فهي في النظر الرسمي أموالهم لكن قال إنها أموالكم لأنها في النهاية أموال المجتمع ، إذا بعثر السفيه فإنما يبعثر مال المجتمع مال الأمة ، المال في نظر الإسلام نعمة يجب أن تشكر وأمانة يجب أن ترعي وضرورة يجب أن تحفظ وفتنة يجب أن تحذر.
وأضاف القرضاوي مبينًا حقائق النعمة بأن المال نعمة يقضي بها الحاجات ، فإذا آتاك الله المال فقد آتاك نعمة يجب أن تشكره تعالى عليها ، فإذا شكرت أدامها عليك وزادك منها (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، كما أوجب عليك خالقك في المال واجبات ، ليست الزكاة أولها وليست آخرها .. هناك حق المجتمع إذا ضاق عيشه ، فلابد أن تسهم بقدر ما تستطيع في تفريج الكربة عن الناس وفي إغاثة وإطعام الجائع فليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم.
المال أمانة
وأضاف القرضاوي : والمال أمانة ووديعة يجب أن ترعي .. فهناك نظرية في الإسلام تسمي نظرية الإستخلاف .. إن الانسان مستخلف في مال الله فأنت حينما تزرع فهل أنت الذي خلقت التربة او جعلت الأرض ذلولاً ؟ هل أنت الذي أمددت التربة بعناصر التغذية ؟ هل أنت خلقت الحبة ككائن حي والهواء ؟ والشمس ؟ الله الذي فعل ذلك وأنت لم تعمل شيئًا.. " وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" فأنت نائب عن صاحب المال ووكيل عنه ، أنت أمين الصندوق ولست صاحب الصندوق .
واعتبر فضيلته أن المال أمانة ، وقال إنها يجب أن ترعي كما أنه ضرورة يجب أن تحفظ : فقد اتفق العلماء علي أن المال من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها ولإقامتها ولإتمامها : الدين والنفس والعقل والنسل والمال وبعضهم أضاف العرض .. المال إحدي هذه الضروريات : ضرورة للفرد وضرورة للمجتمع لايستطيع الإنسان أن يعيش بغير المال ولا يستطيع المجتمع أن يعيش بغير المال .
وتابع فضيلته : ولذلك قال فقهاؤنا المحققون إن كل علم تحتاج إليه الأمة في دنياها أو في دينها وكل صناعة تحتاج إليها الأمة حتي النجارة والحدادة والزراعة والصناعة اعتبروها فروض كفاية هي من الضروريات وإذا فرطت الأمة في أحد هذه الجوانب تكون كلها آثمة وبخاصة أولي الأمر فيها ؛ الحكام أولا وأهل الرأي والعلم معهم الأمة يجب أن تتوافر فيها مقومات الحياة العزيزة الكريمة .
وأضاف فضيلته : لا يمكن أن تعز أمة وتقوي وهي لا تملك قوت يومها، للأسف أمتنا أمة زراعية في معظم بلادها ومع هذا كثير من بلادنا الإسلامية تحتاج لأكثر من نصف قوتها تستورده من غيرها لو كف يده عنها لماتت جوعًا ، لماذا لا نزرع أرضنا؟! لماذا لا نصنع؟! نحن أمة سورة الحديد(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) " آية نسمعها ونقرأها : فهل أتقنا صناعة الحديد ؟!
وأبدى فضيلته أسفة قائلا: إننا مازلنا عالة علي غيرنا ، حتى لم نستطع أن ننشئ بأيدينا سيارة مائة في المائة .. في وقت من الأوقات كنا على القمة لم نكن في السفح ، أصبحنا الآن في الذيل نستورد ما نشاء من أدوات الحضارة مما ينتجه غيرنا.
المال فتنة
ولفت فضيلته إلى المعنى الذي تدل عليه الآية الكريمة (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) " قائلا : المال من غير شك فتنة ولذلك حذر الله أن نفتتن به كما حذر أن نفتتن بالأولاد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، ووصف الله تعالى رواد مساجده فقال (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)
واستدرك فضيلته بقوله : المال فتنة لمن افتتن به ، فيمكن أن يكون عند الإنسان الملايين ولكنها في يده وليست في قلبه ، مذكرًا بملك سيدنا سليمان عليه السلام ، وبصحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين كان البعض منهم من الأغنياء مثل عبد الرحمن بن عوف وطلحة وغيرهم ، بقوله : هؤلاء لم يأخذهم المال من دينهم بل جعلوا المال في خدمة الدين لم يجعلوا الدين في خدمة المال .
وأضاف فضيلته : للأسف بعض الناس أصبحوا وكل همهم المال : همه مع البورصة ومع الأرض ومع الربح لايهمه أن يستورد الشيء الذي يضر الناس ، أو يغش الناس ؛ هناك أناس لايقتنعون بالشبهات بل يرتمون في الحرام الصرف في الكبائر في الربا في أخذ الرشى في الإختلاس في الإحتكار في إغلاء الأسعار علي الناس على الضعفاء ؛ هؤلاء عبدوا المال من دون الله ، لن يغني عنهم المال شيئا لقد نسوا ما هو أهم من المال يقول الله تعالي(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)
وقال القرضاوي محذرًا : إذا لم يزل عنك المال أنت زائل عنه ، ومذكرًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا يارسول الله كلنا مالنا أحب إلينا من مال وارثنا، فقال فإن ماله ماقدم ومال وارثه ما خلف. من قل ماله قل حسابه ومن كثر ماله كثر حسابه كل عند الله لايضيع (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ) |