الصفحة الرئيسية:خطب ومحاضرات :خطب الجمعة:
ابحث في موقع القرضاوي
الأحد 01 يونيو 2008
خطب ومحاضرات : خطب الجمعة
القرضاوي يدعو المسلمين للأخذ بناصية الصناعات الحديثة

الدوحة - موقع القرضاوي / 1-6-2008

دعا فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي - رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين - الأمة إلى اللحاق بالثورات العلمية التي يشهدها العصر ، وأن تكون في مأخذ الزمام من القافلة لا في ذيلها ، وذلك كما كنا في الماضي عندما اقتبس منا الغربيون أساسيات الحضارة الحديثة ، مذكرا في الوقت ذاته بالمكانة السامية للعمل الجاد في الإسلام .  

وفي خطبة الجمعة 25 جمادى الأولى 1429هـ بمسجد عمر بن الخطاب بالدوحة واصل فضيلته الحديث عن المال في نظر الإسلام ، فبين أن الدين الحنيف يعتبر المال قوام الحياة ، لهذا كان لابد لنا أن ننتج المال ونكسبه ، ولابد لنا أن نزرع وان نصنع وان نحترف ونتاجر ، مؤكدا أن كل الفئات وكل القوي يجب أن تعمل علي نهضة الأمة وهذا لا يكون إلا بالمال فلابد أن نُحَصِّل المال .

وقال القرضاوي إن المال في ذاته خير ، مستشهدا بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم : نعم المال الصالح للرجل الصالح ، مبينا أن نظرة الإسلام للمال تختلف عن نظرة المسيحية ، فلم يأمر محمد أحدا من أتباعه أن يتخلي عن ماله بل قال: ما نفعني مال كمال ابي بكر، وقد أغناه الله بمال خديجة فتاجر فيه ، وقد دعا لخادمه انس بن مالك بأن يبارك الله له في ماله ، وكان يسأل ربه : اللهم إني أسألك الهدي والتقي والعفاف والغني ، وناجي ربه مناجاة بليغة رقيقة : اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اللهم اغنني من الفقر واقض عني الدين ، وقال لصاحبه سعد بن أبي وقاص عندما مرض وأراد ان يوصي بماله كله فقال له لا ، بثلثيه قال لا ، قال بنصفه قال لا ، قال بثلثه ؟ قال الثلث والثلث كثير ، انك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس .

المال قوام الحياة

وأضاف القرضاوي - مبينا خطورة أمر المال في المجتمع الإنساني - أن المال وسيلة لقضاء حاجات الفرد والأسرة والمجتمع ، وذكر أن بعض الأسر في الجاهلية قامت بقتل أولادها من إملاق أو خشية إملاق ، قال الله تعالي : "ولاتقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطئا كبيرا"  وخطر الفقر علي المجتمع انه لا ينهض بأعبائه في بناء الحضارة وبناء الأمة إلا بالمال ، ولذلك اعتبر القرآن المال قواما للحياة " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" ولهذا كان لابد لنا أن ننتج المال ونكسبه ، لابد لنا أن نزرع وان نصنع وان نحترف ونتاجر وهي كلها أعمال باركها الإسلام الذي بارك الزراعة ، مشيرا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : أن قامت الساعة وفي يد احكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها ، وذلك إشارة إلي تمجيد العمل فالعمل في حد ذاته عبادة وان لم يأكل منه احد ، ليظل المسلم عاملا منتجا معطيا للحياة إلي أن تلفظ الحياة آخر أنفاسها .

وتابع فضيلته مرشدا : الإسلام يحث علي الصناعة فقد ذكر لنا القرآن عدة صناعات ، كان نوح عليه السلام يصنع السفن والفلك ، وإبراهيم خليل الرحمن كان يتقن صناعة البناء هو وابنه إسماعيل فهما اللذان بنيا الكعبة واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم ، وداود عليه السلام كان يتقن صناعة الدروع الحربية التي تقي المقاتلين من سهام العدو وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد .. ويقول النبي صلي الله عليه وسلم : ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وان نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ، رغم أن الله قد أتاه الملك ، وهناك صناعات أتقنها الجن لسليمان لان المجتمع لابد له من الصناعة .

مأخذ الزمام

وأضاف القرضاوي : يقول علماؤنا : أن كل علم يحتاج إليه المسلمون من علوم الدين او الدنيا وكل صناعة يحتاج إليها المسلمون في دنياهم حتي ينشئوا أمة قوية يعتبر تعلمها فرض كفاية علي الأمة أي واجب علي الأمة بالتضامن أن تهيء هذه الصناعات حتى قالوا: النجارة والحدادة وكل ما في عصرنا من التكنولوجيا المتطورة علي المسلمين ان يتقنوها ، فالثورات العلمية التي وصل إليها العالم بجهوده خلال القرون علي المسلمين إلا يتخلفوا عنها ، بل عليهم أن يكونوا في مأخذ الزمام من القافلة لا في ذيلها وهكذا كنا في الزمن الماضي واقتبس منا الغربيون مناهجنا الاستقرائية وعلوما جمة ، وتخلفنا نحن ، نمنا واستيقظوا، وتوقفنا وساروا، لابد أن نتقن الحرف والعلوم المختلفة وعندنا قاعدة تقول مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب فكل ما لا تتم به النهضة ولا القوة العسكرية والقوة الصناعية والقوة العلمية والقوة التكنولوجية إلا به فهو واجب ، واجب علي الأمة متضامنة حكامها ومحكوميها فقراؤها وأغنياؤها نساؤها ورجالها :كل الفئات وكل القوي يجب أن تعمل علي نهضة الأمة وهذا لا يكون إلا بالمال لابد أن نحصل المال ..

تحري الحلال

وعن وسيلة اكتساب المال قال القرضاوي : كل شيء يتم بالمال ، ولكن الإسلام يشدد غاية التشديد في أن يكون اكتساب المال من حله ، فهناك أربعة أسئلة رئيسية يسألها كل مكلف يوم القيامة حينما يقف بين يدي الله : يسأله عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن علمه ماذا عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه .. المهم أن يكسبه من حلال وينفقه في حلال أيضا ، لا يجيز الإسلام للمسلم أن يقتحم المكاسب ويبحث عن الربح الأكبر كما تفعل الرأسمالية الغربية التي هي مذهب لا يبالي بالدين ولا يفكر في حلال او حرام  المهم هذا العمل كم يدر من الدخل؟ أما أن يكون ذلك مضرا بالبشر او هادما للقيم أو للأخلاق أو لصحة البشر فلا يهمهم هذا.العملة هي مقياس الناس ومقياس قيم الأفراد فقيمة رب الالف الف وزد تزد وقيمة رب الدرهم الفرد درهم ، هم عباد هذه النقود والرسول يقول: تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم ، قد يملك القناطير المقنطرة ويملك الشركات والرصيد في البنوك ويملك مالا يملكه غيره لكنه في ذات نفسه تعيس بالعبودية نفسها ، انه لا يشعر بالسعادة التي يشعر بها المؤمنون الفقراء الذين قال احدهم إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف .

اتقوا الشبهات

وقال القرضاوي : الإسلام يحرض ويربي المسلم علي أن يتحري الحلال في كسبه ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن عمل بالشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعي حو ل الحمي يوشك ان يقع فيه .. كلنا يعرف الحلال من الحرام ولكن هناك مشتبهات والانسان الذي يحرص علي دينه ويخاف ربه ويخاف النار يبعد عن الحرام ، هناك ورع عن المحرمات والشبهات يتقيها ، وبعضهم عنده درجة اعلي في الورع وهي التي جاء بها الحديث: لا يبلغ عبد درجة المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس ، وكان سيدنا عمر يقول : إنا لندع تسعة أعشار الحلال خشية الوقوع في الحرام .. هذا هو ورع المتقين ، وهكذا كان سلف الأمة إذا باع وإذا اشترى ، وقال يونس بن عبيد  عن احد السف انه كان يبيع حللا في دكانه واحدة بمائة درهم وأخري بأربعمائة درهم وقد ذهب الي المسجد للصلاة وترك ابن أخيه الصغير في المحل فلما خرج من المسجد وجد أعرابيا ووجده يحمل حلة من حلل دكانه فقال بكم اشتريت هذه قال بأربعمائة درهم قال إنها لا تساوي إلا مائتي درهم فقال له إنها تساوي عندنا خمسمائة وأنا رضيت بهذا الثمن فرد عليه : إننا لا نبيع الجنة بمائتي درهم وروي فضيلته عن أبي بكر انه قد جاءه غلام من غلمانه بشيء أكله ثم قال له إنني أخذت هذا الأمر من جماعة كنت قد تكهنت لهم في الجاهلية فقال له لماذا لم تقل لي ووضع أصبعه في فيه حتي تقيأ ما أكله او شربه ثم قال اللهم إني اعتذر إليك مما خالط الضلوع والأمعاء . وما جاء في صحيح البخاري : يأتي علي الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن حلال أم من حرام، يأكلها وهي ولعة لا يبالي أن يدخل في بطنه النار هذا هو الزمان الذي نعيش فيه ، الناس لم يعودوا يقنعون بالقليل ولا يشبعون من الكثير، كل واحد يطمع في الزيادة هم كجهنم كلما يقال لها هل امتلأت تقول هل من مزيد ، أصبحوا يغشون ولا يبالون ،  وقال محمد : من غشنا فليس منا، فاستعمال الغش أصبح من الأمور السائدة في هذا العصر التي يتفق عليها الكثيرون ويستحلونها وهي حرام صريح .. برءاة محمد ممن فعله : ليس منا .

شكرًا قطر

وفي خطبته الثانية توجه الشيخ القرضاوي بالشكر إلى سمو أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على جهوده الناجحة في الوساطة بين الفرقاء اللبنانيين والتي تكللت باتفاق الدوحة الذي أنهى الأزمة اللبنانية ، ودعاه كذلك إلى التدخل لجمع الشمل الفلسطيني بالوساطة بين فتح وحماس .

وعبر فضيلته عن انشراح صدور الأمة بما انتهي إليه اتفاق الدوحة بين الأخوة اللبنانيين وقال : طالما شكونا من التفرق والتشاحن بين أبناء الامة حتي بين أبناء البلد الواحد الذين ينزغ الشيطان بينهم حتي يقاتل بعضهم بعضا ولا يجوز للأمة أن تستسلم لهذه النزغات من الشياطين وشهوات السلاطين .

ودعا إلى أن يكون لدى الأمة عقل أكبر من الهوى وحكم اكبر من الشهوة ، وقال : شكر الله لدولة قطر ولأمير دولة قطر لما قامت به من الصلح المطلوب في هذا الجانب ، وينبغي أن يكون في الأمة أناس عقلاء حكماء يتدخلون عند اللزوم لإطفاء النار وإخماد الفتن قبل إلا تبقي ولا تذر ، شكر الله لدولة قطر ما قامت به .

ولفت فضيلته إلى أن وساطة قطر الناجحة تبين أن الأمة إذا أرادت تستطيع ان تصل بالتصميم والإرادة الصادقة المصممة ، مشيرا إلى فعل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أرسل حكمين من الصحابة ليصلحا بين زوجين مختصمين فذهب الحكمان ومكثا أياما ثم عادا إلى عمر وقالا يا أمير المؤمنين الأمر بينهما غير قابل للصلح لم نستطع فقال لهما أصلحا نياتكما وعودا فرجع الحكمان حتى استطاعا أن يوفقا بين المتخاصمين ، وقالا لعمر : صدق الله إذا يقول إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما .

متابعا : لذا فإن قطر أرادت وصممت علي ألا يعود اللبنانيون إلا باتفاق فوصلت إلى هذا الاتفاق .

وأضاف القرضاوي : بقى أمر آخر نطالب قطر به وهو مابين إخوتنا الفلسطينيين مابين فتح وحماس فهم أولي أن يتفقوا فقد يختلف الناس في ساعة اليسر والنصر لكن في ساعات الشدة والكارثة والمصائب فلا يجوز ، يجب ان يجتمع المختلفون ، وأي شدة أكثر مما فيه إخواننا من الحصار مع صبرهم فان الجوع كافر والحياة تفرض نفسها ليس هناك بديل إلا الاتفاق لابد أن يتفقوا لا نريد أن نقول هذا ظالم وهذا فاسد لكن ندعو الجميع إلى  الاتفاق أن يجلسوا علي مائدة واحدة وان يقتربوا ويتفاهموا مع بعضهم البعض ، إنهم إذا أرادوا ذلك فسيصلون .

وتابع فضيلته : ولعل قطر وهي قريبة من الفريقين ومقبولة عند الطرفين ، ولعل قطر بواقعها وبماضيها وبما قدمت للجميع طوال الفترة الماضية ومن قديم وقطر مع قضية فلسطين ، لعلها تستطيع أن تقدم شيئا للأخوة الفلسطينيين كما قدمت للأخوة اللبنانيين .

خطب ومحاضرات
تصويت
Powered by
Best experienced using

MS Internet Explorer 6