الصفحة الرئيسية:خطب ومحاضرات :محاضرات عامة :
ابحث في موقع القرضاوي
الأحد 22 ابريل 2007
خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
الشيخ القرضاوي يواصل تفسير سورة الحجر

الدوحة - موقع القرضاوي/ 22-4-2007

واصل فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي إلقاء دروس التفسير للقرآن الكريم في 
تفسير سورة الحجر
المسجد الجامع بالدوحة الجمعة
20-4-2007، عقب صلاة المغرب. تناول الدرس تفسير بعض آيات القرآن من سورة الحجر، بدءًا من الآية الكريمة التي يقول فيها رب العالمين: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ) (الحجر: 10) إلى أن وصل إلى قوله سبحانه وتعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (الحجر: 21). وتُعَدّ سورة الحجر من السور المكية وعدد آياتها (99).

وكان فضيلة الشيخ قد تناول الآيات، مبينًا أن الله يخاطب فيها النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخفف عنه من ابتلاءات الكفار وسخريتهم منه، وقد أراد سبحانه وتعالى أن يسرّي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين له أن غيره من الأنبياء سبقوه بالابتلاء، وأن هذا من حكمة الخلق والابتلاء، فهي من سنن الخلق. كما تناولت الآيات المفسرات عددًا من سنن الخالق في الكون والحياة، وما يأمر به الله من تدبير وإحكام، وهي آيات تظهر مواضع قدرته سبحانه وتعالى، وأنها تشمل أي شيء.

وكان القرضاوي قد تناول في الدرس السابق خواتيم سورة إبراهيم، والآيات الأولى من سورة الحجر، حيث كشف عن موقف سيدنا إبراهيم عليه السلام وتوجهه إلى ربه بالدعوات الطيبات المخلصات المباركات، قائلاً بأن من أجل صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام أنه شاكر لربه حتى عند البلايا التي تنزل به، مستشرفًا حكم الله في نزولها. ويدور محور سورة إبراهيم حول النعم وموقف الناس منها بين الشكران والكفران، وبخاصة نعمة النبوة والرسالة، كاشفًا عن الفئة التي بدلت نعمة الله كفرًا، وأحلوا قومهم دار البوار، مبينًا تعجب القرآن الكريم من موقفهم. وبعد أن انتهى فضيلته من تفسير سورة إبراهيم بدأ في تفسير الآيات الأولى من سورة الحجر وما تتضمنه من مشاهد.

 

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
الشيخ القرضاوي يواصل درسه الثالث في تفسير سورة الحجر

الدوحة - موقع القرضاوي/ 2-5-2007

واصل فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي إلقاء دروس التفسير للقرآن الكريم في
الشيخ القرضاوي أثناء درس التفسير
المسجد الجامع بالدوحة الجمعة 27-4-2007، عقب صلاة المغرب.

تناول الدرس تفسير بعض آيات القرآن من سورة الحجر -سورة مكية وعدد آياتها 99- بدءًا من الآية الكريمة التى يقول فيها رب العالمين: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر:22)

 والتي تظهر مع آيات أخرى تليها قدرة الله وحكمته ووحدانيته وإبداعه وكماله فى خلقه، واتصافه بآيات الله الحسنى، وكما قال الشيخ، فقد ذكر القرآن العديد من الآيات الدالة على قدرته، كاشفًا عن أحد مبادئ خلق الله تعالى وهي قاعدة الزوجية، فالكون كله يقوم على مبدأ الأزواج الذين يكمل كل منهما الآخر، إلا هو سبحانه وتعالى الواحد الأحد والفرد الصمد.

وواصل فضيلته تفسير الآيات، إلى أن وصل إلى قوله سبحانه وتعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر:39).

وتكشف الآيات الأخيرة عن الحوار الدائر بين الله وإبليس، وكما يقول فضيلة الشيخ فإن كتاب الله كتاب للحوار حتى مع من يختلف معهم الله، وقد فتح الباب للحوار مع أشر الخلق "إبليس". ويؤكد القرضاوي على أن الحوار في هذا الدين فريضة، ونحن مأمورون بالتحاور حتى مع مخالفينا.

ومما يجدر ذكره، أن فضيلة الشيخ يعتذر لجمهوره عن خطبة الجمعة 4-5-2007، وكذلك درس التفسير؛ نظرًا لسفره إلى دولة البحرين الشقيق، على أن يعاود خطبة الجمعة ودرس التفسير خلال الأسابيع القادمة إن شاء الله.

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
القرضاوي يواصل درسه الرابع في تفسير سورة الحجر

الدوحة - موقع القرضاوي/15-5-2007

واصل فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي -رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- إلقاء دروس تفسير القرآن الكريم لهذا الأسبوع من مسجد الشيوخ بقطر، الجمعة الموافق  11– 5- 2007، عقب صلاة المغرب.

وتناول درس هذا الأسبوع تفسير بعض آيات سورة الحجر - سورة مكية وعدد آياتها 99 - بدءًا من الآية الكريمة التي يقول فيها رب العالمين: (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَِ) ( الحجر: 39)، وصولاً إلى الآيتين الكريمتين: (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُِ، وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَِ) ( الحجر: 49، 50).

  وتظهر الآيات قصة أبي البشر أجمعين "آدم" عليه السلام مع الشيطان، عدو الإنسان الأول، إبليس الذى أمره الله تعالى بالسجود لآدم، فأبى واستكبر وكان من المتكبرين، فكان بذلك من الكافرين، رفض أن يطيع أمر الله تعالى، حسدًا لآدم واستكبارًا أن يسجد لبشر خلقه الله من طين من حمأ مسنون، وهو مخلوق من النار، وفى زعمه أن النار أفضل من الطين، وكلّ من خلق الله عز وجل.

 كان بذلك إبليس أول من عصى الله سبحانه وتعالى، ومعصيته من معاصي القلوب؛ وليست من معاصي الجوارح، معصية حقد وحسد، ومع ذلك فتح الله معه حوارًا؛ حتى يحول بينه وبين هذا الطريق الذي اختاره هو لنفسه.

 وكما يقول فضيلة الشيخ؛ فإن كتاب الله كتاب للحوار، حتى مع من يختلف معهم الله، حتى إنه سبحانه وتعالى فتح الباب للحوار مع أشر الخلق "إبليس".

ويؤكد القرضاوي على أن الحوار في هذا الدين فريضة، ونحن مأمورون بالتحاور حتى مع مخالفينا.

وتظهر الآيات أيضا الوجه الآخر من القصة، وهو سنة ابتلاء الله للخلق، وأبرزها ابتلاء الشيطان، هذا العدو الماكر الداهية الذى لا يغفل عنه أبدا، وقد أدرك الشيطان طبيعة الإنسان؛ لذا اتخذ من تزيين الحياة الدنيا للإنسان وسيلة ماكرة لإغوائه وصده عن السبيل القويم.  

وكان فضيلة الشيخ قد تناول في درسه السابق الآيات الدالة على قدرة الله وحكمته ووحدانيته وإبداعه وكماله في خلقه، واتصافه بآياته الحسنى، كاشفًا عن أحد مبادئ خلق الله تعالى وهي قاعدة الزوجية ، فالكون كله يقوم على مبدأ الأزواج الذين يكمل كل منهما الآخر، إلا هو سبحانه وتعالى، الواحد الأحد، الفرد الصمد.

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
القرضاوي يواصل درسه الخامس في تفسير سورة الحجر

الدوحة - موقع القرضاوي/3-6-2007

واصل فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي -رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- إلقاء دروس تفسير القرآن الكريم لهذا الأسبوع من مسجد "الجامع الكبير" بقطر، الجمعة الموافق  1– 6- 2007، عقب صلاة المغرب.

وكما أوضح فضيلته فإن سورة الحجر تتضمن ثلاث قصص من قصص القرآن الكريم يدلل الله بها على واسع رحمته وعلى شديد بطشه بعد أن قال ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) (الحجر:49،50) قائلاً :كيف تتحقق مظاهر الرحمة الإلهية وكيف يتحقق عذاب الله الأليم، هذا ما تحكيه القصص القرآنية. وأضاف أن القصص الثلاث التى تضمنتها سورة الحجر هي قصة إبراهيم مع لوط، والثانية قصة أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب، وقصة أصحاب الحجر وهم قوم ثمود الذين أرسل إليهم صالح عليه السلام، ووردت جميعاً فيما بين الآيات التى يقول الله فيها (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) ( الحجر: 51). وصولاً إلى الآية الكريمة: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ( الحجر:84).

 وبين القرضاوي أنه إذا أضفنا قصة "أبو البشر" أجمعين مع إبليس إلى القصص الثلاث يصبح عددها أربعا، وإذا فصلنا قصة إبراهيم ولوط إلى قصتين واحدة تخص إبراهيم عليه السلام والثانية لسيدنا لوط عليه السلام أصبح عدد القصص القرآنية التى تضمنتها سورة الحجر خمس قصص.

وكان فضيلة الشيخ قد تناول في الدرس الرابع من تفسير سورة الحج الآيات التى تتناول قصة أبي البشر أجمعين "آدم" عليه السلام مع الشيطان، عدو الإنسان الأول، إبليس الذى أمره الله تعالى بالسجود لآدم، فأبى واستكبر وكان بذلك أول من عصى الله سبحانه وتعالى، ومعصيته من معاصي القلوب؛ معصية حقد وحسد، ومع ذلك فتح الله معه حوارًا؛ حتى يحول بينه وبين هذا الطريق الذي اختاره هو لنفسه.

 ويعلق القرضاوي على ذلك بقوله : "إن كتاب الله كتاب للحوار، حتى مع من يختلف معهم الله، حتى إنه سبحانه وتعالى فتح الباب للحوار مع أشر الخلق إبليس". ويؤكد القرضاوي على أن الحوار في هذا الدين فريضة، ونحن مأمورون بالتحاور حتى مع مخالفينا.

وتظهر الآيات أيضا الوجه الآخر من القصة، وهو سنة ابتلاء الله للخلق، وأبرزها ابتلاء الشيطان، هذا العدو الماكر الداهية الذى لا يغفل عنه أبدا، وقد أدرك الشيطان طبيعة الإنسان؛ لذا اتخذ من تزيين الحياة الدنيا للإنسان وسيلة ماكرة لإغوائه وصده عن السبيل القويم

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
مع العلامة القرضاوي .. فى رحاب السنة المطهرة

موقع القرضاوي/ 11-9-2007

د.يوسف القرضاوي

_
الحمد لله حمدا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأزكى الصلوات والتسليمات على نبي الرحمة، وهادي الأمة، وماحي الظلمة: سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا: محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه الغُر الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين... (أما بعد)

فهذه نُخبة من الأحاديث النبوية الشريفة، مما ألقيتُه في مسجد الشيخ خليفة ابن حمد آل ثاني في الدوحة، في شهر رمضان أوائل ما قَدِمتُ إلي قطر سنة 1381هـ - 1961م. في دروس العصر.

وقد شرحتُ فيها جملة من الأحاديث تدور حول فضائل رمضان والصيام، وزكاة الفطر، وليلة القدر، كما تدور حول مجموعة من المعاني التربوية والأخلاقية والاجتماعية.

توخيتُ في هذا الشرح أن يخاطب العقل والقلب، وأن يُفهم العامة، ويُقنع الخاصة، وأن يربط الناس بالواقع الذي يمارسونه، وبالعصر الذي يعيشونه.

وكان من حسن حظي، ومن فضل الله عليّ: أن الإخوة الفنيين في قسم الوسائل التعليمية في وزارة المعارف (التربية بعد) في قطر، قد حرصوا على أن يسجلوا هذه الأحاديث، عسى أن ينتفع بها بعد ذلك مَن يريد.

وكنتُ أحسب أن هذه التسجيلات قد استهلكتْ ولم يبق منها شيء، ثم شاء الله أن أكتشف أن بعضها ما زال سليمًا، ويمكن الانتفاع به.

وقد وجدتُ هذه المجموعة مكتوبة بخط تلميذي النجيب، وأخي الحبيب، الشاعر الأديب الأستاذ محمد حوطر الذي كان يسجل خطبي قديمًا في المحلة الكبري، فلما جاء قطر مدرسًا للُّغة العربية، وذاع صِيته في تدريس العربية، أبي إلا أن يبيض لي كل ما يجده من أوراق، وكان منها هذه الأحاديث -ولا أدري مَن الذي أفرغها أولاً من التسجيل على الورق- أسأل الله أن يعافيه ويشفيه من مرضه، ويكلأه في كَنَفه الذي لا يضام.

وبهذه المناسبة، أذكر أخوة كرامًا، وزملاء أعزة، عاونوني في تبيض ما كنتُ أكتبه قبل عصر الكمبيوتر، ولا زلتُ أرى آثارهم عندي، منهم مَن قضى نحبه، ومنهم مَن ينتظر، وما بدلوا تبديلا، فأدعو الله بالمغفرة والرحمة للموتى، وأدعو بالصحة والسعادة والتوفيق للأحياء.

من هؤلاء: الابن النجيب والأخ الحبيب الشاعر الأديب أحمد محمد الصديق، شاعر فلسطين، والقضايا الإسلامية، والذي كان يساعدني كثيرًا في تبيض ما أكتبه بخطي - الذي قلَّ ما يحسن من يقرأه - ولا سيما إذا كنت أكتب بسرعة، وهو الغالب.

ومن هؤلاء: الأخ الشيخ محمد على الموافي، مدرس اللغة العربية المُتمكِّن في المعهد الديني الذي كنت مديرًا له، وصاحب الخط الأنيق، والذي عُيّن مفتشًا للُّغة العربية، ثم أصابه حادث سيارة في قطر، عولج منه عدة أشهر، ثم وافاه الأجل، رحمه الله رحمة واسعة.

ومنهم: الأخ الأستاذ رشدي عبد الغني المصري، مدرس اللغة العربية المُتميز بالمعهد أيضًا، والذي رُقي بعد ذلك مفتشًا، ولا يزال عندي كثير من آثاره حفظه الله.

ومنهم الأخ الداعية الأستاذ علي جمَّاز، مدرس العلوم الشرعية بالمعهد، والذي تولى إدارة المعهد بعدي، وحصل على الدكتوراه، وعمل معي في كلية الشريعة بجامعة قطر، وتوفي في قطر ودفن بها، رحمه الله وتقبله في الصالحين.

ومنهم الأخ الداعية الشيخ مصباح محمد عبده، صديق العمر، مدرس العلوم الشرعية بالمعهد، والذي أدركه أجله في قطر، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.

أحببت أن أذكر هؤلاء تنويها بما قدموه لي من عون، فلا يشكر الله من لا يشكر الناس، وأدعو الله لهم أن يكرمهم أحياء، ويرحمهم أمواتًا ويرحمنا معهم. آمين.

المهم أني حين انتقلتُ إلي منزلي الجديد: اكتشف الإخوة في سكرتاريتي العلمية هذه الأحاديث في ملفها المطمور، وقالوا: لماذا تُطمر هذه ولا تُنشر؟ إنها يمكن أن تفيد الشباب من الوعاظ والخطباء، والمدرسين في دروسهم، وتمدُّهم بزاد هم في حاجة إليه، ووافقتُ على أن تُعَد للنشر بعد أن تُخرَّج أحاديثها، وتُرقَّم آياتها، ويُعلَّق عليها بما يقتضيه الحال، وأن يُكتب لها مقدمة مناسبة.

ولا غرو أن يلحظ القارئ لشروح هذه الأحاديث شيئا من حماس الشباب واندفاعه، فقد كنتُ في ذلك الوقت لم أتجاوز الخامسة والثلاثين من عمري.

كما أنه سيجد بعض الأحاديث الضعيفة التي لا أرضى عنها الآن؛ لأنني حين ذاك لم أكن ملكتُ الخبرة الحديثية الكافية لمعرفة الصحيح من الضعيف، وكان يغلبُ عليَّ أسلوب الواعظ المؤثر أكثر من أسلوب العالم المحقق. فكنت آخذ ما اشتهر من الأحاديث دون أن أحققها، مثل حديث سلمان في قدوم شهر رمضان واستقباله، وهو حديث اشتهر بين الوعاظ والمُذكرين، وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه، ولم يجزم بصحَّته، بل قال: إن صح الخبر وهو من رواية علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.

ومثل ذلك حديث عبادة بن الصامت: "أتاكم رمضان شهر بركة"، الذي رواه الطبراني، وفيه محمد بن قيس، والذي قال فيه المنذري: لا يحضرني فيه جَرح ولا تعديل، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: لم أجد من ترجمه، ومع هذا قبلتُه وشرحتُه، بِناء على ما اشتهر بين أهل العلم من جواز رواية الضعيف في الرقائق والفضائل والترغيب والترهيب لا في الأحكام .

وإن كنتُ بعد ذلك ناقشتُ هذه القاعدة، كما في مقدمتي لكتابي (المنتقي من الترغيب والترهيب)، وكذلك في كتابي (كيف نتعامل مع السنة)، ووضعتُ لها قيودًا، وأضفتُ إليها ما يكملها.

أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الدروس: كل مَن قرأها، أو أرشد إلي قراءتها، وأن يأجر كل مَن ساهم في نشرها، وتعميم النفع بها. وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.

 
خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة

موقع القرضاوي/ 11-9-2007

د. يوسف القرضاوي

أحمد الله إليكم الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، سيدنا محمد صلوات وسلامه عليه، ورضوان الله على آله وأصحابه، الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون، ورضوان الله على من دعا بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين.  {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} [الكهف:10]. {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8].

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. وبعد:

      فأحييكم أيها الأخوة بتحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

      وأهنئكم بهذا الشهر المبارك: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185]، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظنا من هذا الشهر، الرحمة، والمغفرة، والعتق من النار.

ونعيش معا أيها الإخوة ... في هذا الشهر، نعيش في رحاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في رحاب السنة المحمدية، السنة التي أُوتي صاحبها جوامع الكلم، وجواهر الحِكَم، واختُصر له الكلام اختصارًا، وأدَّبه ربه فأحسن تأديبه.

      نعيش معا في ظلال أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، نقتبس منها الهُدى، ونأخذ منها النور، الذي يضيئ طريقنا إلى الله، ويأخذ بأيدينا إلى ساحة الرضوان.

ونبدأ بهذا الحديث: الذي رواه الشيخان: البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء رمضان: فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين"[1].

وفي رواية للإمام مسلم: "فُتِّحت أبواب الرحمة، وغُلِّقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين"[2].

وفي رواية لابن خزيمة في صحيحه: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان: صُفِّدت الشياطين ومَرَدةُ الجن، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة"[3]

رمضان متجر أهل الإيمان:

      هذا هو شهر رمضان، شهر تكثُر فيه أسباب الخير، وتقلُّ فيه أسباب الشر، تُفتح أبواب الرحمة، وأبواب الجنة، تكثُر الدواعي إلى الخيرات وإلى الطاعات، وتقلُّ الدواعي إلى الشر، وهو ما كنَّى عنه بتضييق أبواب النار، وتقييد الشياطين، وتصفيدها بالسلاسل والأغلال.

      إن الله سبحانه وتعالى، يتيح لعباده ما بين حين وآخر، فرصًا كثيرة، يتقربون فيها إليه، يتقربون فيها من ساحته، إنه سبحانه وتعالى يناديهم من بعيد، ويتلقاهم من قريب. إذا اقتربوا منه شبرا، اقترب منهم ذراعا، وإذا اقتربوا منه ذراعا تقرَّب إليهم باعا، وإذا أتوه يمشون أتاهم هرولة ...[4].

      إنه سبحانه وتعالى يناديهم في كل حين، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أن يقفوا على بابه، وأن يتمسَّحوا بأعتابه، وأن يَقرَعوا باب التوبة، مستغفرين قائلين ما قال أبوهم آدم، وأمهم حواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23].

تنوُّع الطاعات وتعدُّد الفرص:

في كل يوم فرص للقربى من الله عز وجل، كما في الصلوات الخمس، التي هي معراج المؤمن، معراج يومي إلى الله سبحانه وتعالى، حيث يقف المسلم بين يدي ربه في اليوم مرات خمسا، يقف بين يدي الله يُناجيه، فيُناجي قريبا غير بعيد، ويسأله، فيسأل كريما غير بخيل، ويستعين به، فيستعين بقوي غير ضعيف، وعزيز غير ذليل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، فرص يومية للتقرُّب والتطهُّر.

وفرصة أسبوعية تتمثَّل في يوم الجمعة، وصلاة الجمعة.

ثم فرصة سنوية تتمثَّل في هذا الشهر الكريم، في هذه المدرسة التي يفتحها الإسلام كل سنة للمسلم، يتعلَّم فيها ويتدرَّب، ويتربَّى على حسن العبودية لله، على القيام بذكر الله تعالى وشكره، وحسن عبادته، يتعلَّم فيها الصبر، ويتعلَّم فيها قوة الإرادة، يتعلَّم فيها كيف يعامل ربه، وكيف يثقِّف نفسه، وكيف يستعلي على تراب الأرض، حينما يتطلَّع إلى روحانية السماء.

إن رمضان تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب جهنم، وأبواب الشر، وتصفَّد الشياطين، وينادي المنادي كل يوم: يا باغي الخير أقبل وأبشر، يا طالب الخير، أمامك الفرص متاحة، وأمامك الأبواب مُفتَّحة. أمامك الشهر مَن تقرَّب فيه بنافلة كان كمن أدَّى فريضة في غيره، ومَن تقرَّب فيه بفريضة كان كمَن أدَّى سبعين فريضة فيما سواه[5].

شهر تزداد فيه الحسنات، وتضاعف فيه أجور الطاعات، شهر مَن استطاع فيه أن يكسب فليكسب، ومَن استطاع فيه أن يربح فليربح، والربح هنا ليس درهما ولا دينارا: إنه مغفرة وجنَّة، مغفرة من الله للذنوب، وتكفير للخطايا، "مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه"[6]، "مَن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه"[7].

معنى الإيمان والاحتساب:

ومعنى الإيمان والاحتساب: أنه لا يصوم لمجرد اتِّباع العادة، أو لمجرد الخجل من الناس، ولا يقوم لمجرد أنه يفعل كما يفعل غيره، وإنما صيامه وقيامه إيمان وتصديق بوعد الله، وطلب للمثوبة والأجر من الله وحده، هذا معنى الإيمان والاحتساب ... مَن صام إيمانا واحتسابا خرج بمغفرة لذنوبه، خرج من هذا الشهر كيوم ولدته أمه، وُلد ميلادًا جديدا، متطهِّرًا متحرِّرًا من الآثام والخطايا ...

يا باغي الخير أقبل:

فرصة يتيحها الإسلام للمسلم كل عام في هذا الشهر الكريم، يناديه المنادي من قبل السماء: يا باغي الخير، يا طالب الخير، أقبل وأبشر، ويا طالب الشر أقصر، كفى ما فات ... كفاك أحد عشر شهرا غفلة عن الله، كفاك غرقًا في لُجَّة الحياة ... انتشل نفسك من هُوَّة الحياة الدنيا، وارتفع إلى الحياة العليا، ضع يدك في يد الله، اعقد بينك وبين الله صُلحا، أكثِر من الذكر والشكر والتسبيح والتهليل والتكبير ...

يوصي النبي صلى الله عليه وسلم، أمته في هذا الشهر، فيقول فيما يُرْوى عنه: "استكثروا فيه من أربع خصال: خَصلتان ترضون بها ربكم، وخَصلتان لا غَنَاء بكم عنها، أما الخلصتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه. (التهليل والاستغفار)، وأما الخلصتان اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتتعوذون به من النار"[8].

هذه هي الفرص التي يتيحها الإسلام للمسلم في شهر رمضان، يستكثر من الذكر والشكر وحُسن العبادة، بحيث يزيد من رصيده عند ربه، ويعوِّض ما فاته من غفلات العام، غفلات أحد عشر شهرا، في شهر يضاعف الله فيه المثوبة، ويضاعف فيه الأجر.

رمضان متجر أهل الإيمان:

ولهذا كان السلف يسمون هذا الشهر: (متجر أهل الإيمان). موسم المتقين، موسم يترقَّبونه كما يترقَّب تجار الدنيا مواسم الربح، ومواسم العمل، ليزيد فيها النشاطُ، ويُضاعف فيها الجهدُ، عسى أن يكسبوا بعض الدراهم أو الدنانير أوالريالات أو الدولارات أو الجنيهات ... بعض ما يتطلع إليه الناس ويسيل له لعابهم في هذه الحياة، وهو ربح مهما ظنَّ الناس به ربح لا يبقى، سيزول عن قريب وإن بقي أعوامًا، فإن الإنسان لا يبقى له، الإنسان نفسه فانٍ وذاهب، وكل ما في هذه الحياة فانٍ وذاهب ... {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء:77].

هذه هي فرصتكم أيها المسلمون، فيا بُغاة الخير، يا طلاَّب الخير، يا عشَّاق الجنة، يا مَن يريدون سلعة الله الغالية ... ها هي السوق قد فُتحت، ها هي الفرصة قد أُتيحت، ها هي الأبواب قد فُتحت أمامكم فلِجُوها، ادخلوها، واعملوا مع الله، ولن يَتِركم الله أعمالكم.

نسأل الله عز وجل، أن يفتح قلوبنا على طاعته، وأن يُقوِّي عزائمنا على عمل الخير، وخير العمل، وأن يجعل حظنا من هذا الشهر الكريم، القبول والمغفرة والرحمة، والعتق من النار، إنه سميع قريب.



[1]- متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (1899)، ومسلم في الصيام (1079) واللفظ له، وأحمد في المسند (8684)، والنسائي في الصيام (2097)، عن أبي هريرة.

[2]- رواه مسلم في كتاب الصيام (1079)، وأحمد في المسند (7780)، والنسائي في الصيام (2100)، عن أبي هريرة.

[3]- رواه الترمذي (682)، وابن ماجه (1642)، وابن خزيمة في صحيحه (3/188)، وابن حبان في صحيحه (8/221)، وقال الأرناؤوط: إسناده قوي، والحاكم في المستدرك (1/582)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، والبيهقي في الكبرى (4/303)، كلهم في الصوم، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1331).

[4]- إشارة إلى الحديث القدسي: " أنا عند ظن عبدي بي... وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (7405)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2675)، وأحمد في المسند (7422)، والترمذي في الدعوات (3606)، وابن ماجه في الأدب (3822)، عن أبي هريرة.

والشِّبْرُ: ما بين أَعلى الإِبهام وأَعلى الخِنْصَر. (لسان العرب:4/391).

والذِّراعُ: ما بين طرَف المِرْفق إِلى طرَفِ الإِصْبَع الوُسْطى. (لسان العرب:8/93).

والباع: مَسافةُ ما بين الكفَّيْن إِذا بسَطْتهما. (لسان العرب:8/21).

والهرولة: بين العَدْوِ والمَشْيِ أو بعد العَنَقِ والإسْراعُ في المَشْيِ. (لسان العرب:11/695).

[5]- إشارة إلى حديث سلمان: "... من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه ..."، وسيأتي تخريجه.

[6]- متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (2009)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (759)، وأحمد في المسند (7787)، وأبو داود في الصلاة (1371)، والترمذي في الصوم (808)، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار (1602)، عن أبي هريرة.

[7]- متفق عليه: رواه البخاري في كتاب الصوم (1901) واللفظ له، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (760)، وأحمد في المسند (9288،9289)، وأبو داود في الصلاة (1372)، والترمذي في الصوم (683)، والنسائي في الصيام (2206)، عن أبي هريرة.

[8]- سيأتي تخريجه.

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
أتاكم رمضان

موقع القرضاوي/ 18-9-2007

د. يوسف القرضاوي

روى الطبراني، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يومًا، وقد حضر رمضان: "أتاكم رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحطُّ الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهى بكم ملائكته، فأَرُوا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي مَن حُرم فيه رحمة الله عز وجل"[1]. (صدق رسول الله).

مشوقات ربانية

يرغب النبي صلى الله عليه وسلم، أمته في استقبال هذا الشهر الكريم، بأفضل ما يكون الاستقبال، كما يستقبل الإنسان ضيفه العزيز عليه، الحبيب إليه، الغائب عنه، كذلك يستقبل المؤمن رمضان ... يستقبلون هذا الشهر المبارك كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، ورغب فيه: "شهر بركة، يغشاكم الله فيه"، أي يحوطكم برعايته وعنايته. ومن مظاهر هذه الرعاية والعناية أن الله يُنزل فيه الرحمة، ويحطُّ فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء.

تنزل رحمات الله في هذا الشهر، فيَغفر الذنوب، ويكفِّر السيئات، فرصة للمسلم يتطهر فيها من أدرانه، ومن غفلات قلبه، ومن أرجاس حسِّه، ومن هواجس نفسه، ومن آثار خطاياه، طوال أحد عشر شهرا مضت عليه.

فرص لتكفير الذنوب

الله سبحانه وتعالى، من فضله وكرمه، جعل للمسلم فرصة يومية، بالصلوات الخمس، يغتسل فيها كما يغتسل الإنسان في النهر الجاري، خمس مرات، فإذا بقي بعد ذلك من دَرَنه، تأتي فرصة أسبوعية، هي فرصة الجمعة، وصلاة الجمعة، ولقاء الجمعة، الذي جعله الله عيدا أسبوعيا للمسلمين، فإذا بقي بعد ذلك من أدرانه شيء، تأتي الفرصة السنوية، الموسم الدوري، شهر رمضان، فيحطُّ الله به الخطايا عن عباده، ويُخرجهم من هذا الشهر طاهرين مطهَّرين.

"مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا: غُفر له ما تقدَّم من ذنبه"[2]، و"مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا: غُفر له ما تقدَّم من ذنبه"[3].

ومن هنا جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"[4].

دعوة الصائم لا ترد

يُنزل الله الرحمة في رمضان، ويحطُّ الخطايا، ويستجيب الدعاء، جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا تردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يُفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول: وعزتي، لأنصرنَّك ولو بعد حين"[5].

دعوة الصائم، قريبة من الإجابة، مرجوة الاستجابة ... وخاصة في آخر اليوم، عند الإفطار، فقد جاء في الحديث: "إن للصائم عند فطره دعوة لا تردُّ"، وكان عبد الله بن عمرو راوي هذا الحديث يجمع أولاده عند الإفطار ويدعو الله عز وجل وكان من دعائه أن يقول: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي[6].

ولا عجب أن ورد في أثناء آيات الصيام في سورة البقرة تلك الآية النديَّة الرقيقة، آية الدعاء: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186]، قبلها آيات الأحكام ... أحكام الصيام، وبعدها بقية آيات الصيام والاعتكاف ...

كل هذا ليرغبنا الله سبحانه وتعالى في أن ندعوه ونحن صائمون، وندعوه عند الإفطار.

يحطُّ الله في هذا الشهر الخطايا، ويستجيب الدعاء، وينظر الله سبحانه وتعالى إلى تنافسنا في الخيرات، وتسابقنا في الطاعات، فيباهي بعباده المؤمنين ملائكة السماوات، يقول: انظروا إلى عبادي كيف تركوا شهواتهم ولذائذهم، وكل ما يرغبون فيه؟ تركوا ذلك من أجلي.

يباهي الله بنا ملائكة السماوات، فأَرُوا الله من أنفسكم خيرا.

الشقي المحروم

هكذا يوصينا رسولنا صلى الله عليه وسلم، ويقول في ذيل الحديث: "فإن الشقي مَن حُرم فيه رحمة الله عز وجل".

{لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات:61]، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26]، {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [الحديد:21]، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [آل عمران:133]، هذا هو ميدان التسابق، وهذا هو مجال التنافس، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة:48].

هذا هو الموسم الذي مَن حصَّل فيه خيرًا من الخيرات ضوعف له أضعافًا لا يعلمها إلا الله عز وجل.

مَن لم يُغفر له في رمضان فمتى يُغفر له:

لهذا يقول نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: "فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي مَن حُرم في هذا الشهر رحمة الله عز وجل".

روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد حضر رمضان: "إن هذا الشهر قد حضركم، فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم"[7].

وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "بُعدًا لمَن أدرك رمضان ولم يُغفر له، إذا لم يُغفر له فمتى؟!"[8].

أي إذا لم يغفر له في رمضان، والمغفرة تُوزَّع ليل نهار، والمنادي ينادي: "يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر"، إذا لم يُغفر له الآن، فمتى يُغفر له؟!

إن الذي يمر عليه رمضان وهو لا زال غارقا إلى أذنيه في شهواته، لا زال سادرًا في معاصيه، لا زال مطموس البصيرة، محجوب القلب عن الله عز وجل، مُغلق الباب بينه وبين ربه، مثل هذا الإنسان المسكين، هيهات هيهات أن يُغفر له ... إذا لم يُغفر له في رمضان، فمتى يُغفر له؟!

لقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم، المنبر يومًا فسمعه الصحابة يقول: "آمين. آمين. آمين". فلما نزل، قالوا: يا رسول الله إنك حين صعدت المنبر قلت: آمين. آمين. آمين. قال: "إن جبريل أتاني فقال: مَن أدرك شهر رمضان ولم يُغفر له دخل النار، فأبعده الله، قل: آمين. فقلت: آمين"[9].

وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: "رَغِمَ أنف رجل ذكرتُ عنده فلم يصلِ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يُغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يُدخلاه الجنة"[10].

فيا خيبة هذا المحروم البائس، الذى دعا عليه أمين الوحي جبريل، وأمَّن على دعائه محمد صلى الله عليه وسلم .

بعدًا لمَن أدرك رمضان فلم يُغفر له!!

تجُار الدنيا... وتجُار الآخرة

فهذا هو -أيها المسلمون- موسم المغفرة.

هذا هو موسم المتقين، ومتجر الصالحين، وربيع المؤمنين، هذا هو الموسم، موسم تُجار الآخرة.

وللدنيا تُجار، وللآخرة تُجار.

تُجار الدنيا يركبون الأخطار، ويجوبون الفيافي والقفار، ويركبون الأجواء والبحار، ويواصلون سهر الليل بعناء النهار، كل ذلك في سبيل ربح مادي، قد يكون وقد لا يكون.

وإذا كان هذا الربح، فقد ينتفعون به وقد لا ينتفعون ...

وإذا انتفعوا به حينًا، فقد يدوم لهم النفع وقد لا يدوم ...

وإذا دام لهم، فإنهم أنفسهم لا يدومون ...

فهذا هو شأن الحياة، وتلك هي سنة الله في هذه الدنيا ...

 هب الدنيا تساق إليك عفـوًا أليس مصير ذلك إلى انتقال؟

وما دنياك إلا مثل ظـــل أظلك ثـم آذن بالـــزوال

وصدق الله العظيم: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد:20].

تُجار الدنيا يفعلون ذلك، أما تجار الآخرة فهم: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور:37]، إن تجارتهم ليست في اللحم، ولا في الأرز، ولا في التمر، ولا في البُر، ولا في الثياب، ولا في المتاع، إن تجارتهم إنما هي في الطاعات والقربات... أسواقهم المساجد، وفُرصهم ساعات السَّحر، وأيام رمضان ولياليه.

هؤلاء هم تُجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر موسمًا يُقبلون فيه على الله، يصومون فيُحسنون الصيام، ويقومون فيُحسنون القيام.

لا يصومون صيام البطن والفرج فحسب، بل صيام الجوارح عن كل ما يغضب الله.

ويقومون القيام، الذي تخشع فيه القلوب، وتطمئن فيه الأصلاب، وتستقر فيه الجبهات، فإنما يقبل الله الصلاة الخاشعة المطمئنة، هؤلاء هم تُجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر ربيعًا، وموسمًا، ومتجرًا، فيتزوَّدون منه، لقلوبهم وأرواحهم وأنفسهم، زادًا يُمدُّهم، وينفعهم لأحد عشر شهرًا.

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من هؤلاء، الذين قال في شأنهم في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:29،30].

اقرأ أيضاً:


[1]- رواه الطبراني في مسند الشاميين (3/271)، عن عبادة بن الصامت، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير وفيه محمد بن أبي قبيس ولم أجد من ترجمه (3/344)، وقال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني ورواته ثقات، إلا أن محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل (2/60).

[2]- سبق تخريجه.

[3]- سبق تخريجه.

[4]- رواه مسلم في الطهارة (233)، وأحمد في المسند (8715)، والترمذي في الصلاة (214)، عن أبي هريرة.

[5]- رواه أحمد في المسند (8043)، وقال محققوه: صحيح بطرقه وشواهده، والترمذي في الدعوات (2522)، وقال هذا حديث حسن، وابن ماجه في الصيام (1752)، وابن خزيمة في الصيام (3/199)، وابن حبان في الصوم (8/214)، والبيهقي في الكبرى كتاب الاستسقاء (3/345)، وصححه الألباني في الصحيحة (1797).

[6]- رواه ابن ماجه في الصيام (1753)، والحاكم في المستدرك كتاب الصوم (1/583)، وقال: إسحاق هذا إن كان ابن عبد الله مولى زائدة فقد خرج عنه مسلم، وإن كان ابن أبي فروة فإنهما لم يخرجاه، والبيهقي في الشعب باب في الصيام (3904)، عن عمرو بن العاص، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه (387).

[7]- رواه ابن ماجه في الصيام (1644)، والطبراني في الأوسط (2/119) مختصرا، عن أنس، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن صحيح (1000)، في إسناده عمران بن داود مختلف فيه، ومشاه الإمام أحمد، ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في (الثقات) وباقي رجال الإسناد ثقات، كما في (الزوائد) للبوصيري. انظر: المنتقى (519).

[8]- رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الصيام (2/270)، والطبراني في الأوسط (7/323)، عن أنس، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (593).

[9]- رواه أبو يعلى في المسند (10/328)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصيام (3/192)، وقال الأعظمي: إسناده جيد، وابن حبان في صحيحه كتاب الرقائق (3/188)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن، والطبراني في الأوسط (8/113)، والبيهقي في الكبرى كتاب الصيام (4/304)، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (997).

[10]- رواه أحمد في المسند (7451)، وقال محققوه: صحيح وهذا إسناد حسن، والترمذي في الدعوات (3545)، وابن حبان في صحيح كتاب الرقائق (3/189)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (3/177).

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا

د. يوسف القرضاوي - موقع القرضاوي/ 23-9-2007

روى الإمام مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدُّ يديه إلى السماء يقول: يا رب ... يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك"[1].

معنى الطيب

الطيب هنا بمعنى: الطاهر النظيف، والله تعالى طاهر مُنزَّه مقدَّس، إنه تعالى مُتصف بكل كمال، مُنزَّه عن كل نقص وعيب.

الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، فهو لا يقبل من الأعمال إلا طيبًا، ولا يقبل من الأقوال إلا طيبًا، ولا يقبل من العقائد إلا طيبًا، ولا يقبل من الخلق عنده إلا طيبًا.

الكلمة الخبيثة لا تقبل عند الله، والعمل الخبيث لا يقبل عند الله، والإنسان الخبيث لا يقبل عند الله ... وكل هذه الأشياء تنقسم إلى طيب وخبيث ... {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة:100]، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم:24-26].

الكلمة الطيبة تُقبل عند الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10]، والإنسان الطيب مقبول عند الله، والإنسان الخبيث مرفوض مكروه من الله، لا يدخل الجنة إلا طيب، {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:32]، هنالك يدخل عليهم خَزَنة الجنة محيين مكرمين قائلين: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73]. أما ذو القلب الخبيث، والعمل الخبيث، والاعتقاد الخبيث؛ فهيهات هيهات أن يَرِد ماء الجنة، أو يأكل من ثمارها، لا بد أن يُطيب قلبه ويطهره، إما بماء الدموع والتوبة في الدنيا، وإما بنار الآخرة ...

لا يقبل الله مالاً خبيثًا

والله لا يقبل من العمل إلا ما كان طيبًا، وخاصة الصدقة ... فإن الله لا يقبل إلا الطيب من الصدقات ... فإذا اكتسب الإنسان ماله من سُحت، من خبث، من حرام، فإن الله سبحانه لا يقبل منه صدقة يتصدقها ... وكيف يقبل صدقة من مال خبيث؟! إن الإسلام لا يقول لمَن كسب المال من السُحت والحرام: تصدَّق به، وأنفقه في سبيل الله. بل يقول له: طهِّر مالك أولاً ... ردَّه على أصحابه، ردَّه إلى مَن ظلمتهم وأخذتَ منهم هذا المال بغير حق ... ولهذا روى الإمام مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "لا تقبل صلاة بغير طُهُور، ولا صدقة من غُلُول"[2]، والغُلُول: هي الخيانة، والأخذ من المال العام، كمال الغنائم، ومال الدولة، وغير ذلك.

صدقة جزاؤها الجنة

فمَن أخذ مالاً من حرام، ثم أراد أن ينفقه في الخير، مثل أن يبني به مسجدًا أو يعمل به مشروعًا خيريًا، أو يتصدَّق به على مسكين، فإن الله لا يقبل منه ذلك أبدًا. وقد قيل لأبي الدرداء رضي الله عنه فيمن فعل ذلك، فقال: مثل مَن فعل ذلك كمَن أخذ مال يتيم وكسا به أرملة[3]. أي إن مال اليتيم، مَن أكله، فإنما يأكل في بطنه نارًا وسيصلى سعيرًا، فكيف يأخذ المال بغير حق، ليكسوَ به أرملة؟!

ليُطبْ مطعمه أولاً، وليبحث عن كسبه أولاً، وهذا الكسب يجب أن يكون حلالاً.

ولهذا جاء في الحديث الشريف: "مَن كسب مالاً من حرام، ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه"[4].

الوزر والعقاب عليه، وليس له أجر ولا ثواب في هذه الصدقة، ولا في ذلك الإنفاق ... لأنه في الحقيقة يتصدق بغير ماله، وبغير ما يملك، لأن الحرام لا يملك... مهما ظلَّ في حوزة مَن وضع يده عليه بغير حق، ولو امتدَّ ذلك السنين الطوال، فإن مضي الزمن في الإسلام لا يحل الحرام، ولا يبيح المحظور، ولا يسلب السرقة صفتها الأولى.

بعض القوانين الوضعية تنصُّ على أنه إذا مرَّ على المِلك غير الشرعي في يد صاحبه، مدة تطول أو تقصر، يصبح ملكًا له، ويُتغاضى عن أصل هذا المال!!

ولكن الإسلام لا يعتبر ذلك أبدًا، ولا يعتبر مالاً أصله حرام، ولا يعتدّ به مهما طال الزمن ...

المال الحرام مهما تصدَّق به الإنسان أو أنفق، أو أسَّس به مشروعات للبرِّ والخير، فإن الله لا يقبلها.

روى الإمام أحمد، عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله قسَّم بينكم أخلاقكم كما قسَّم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا مَن يحب ومَن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا مَن أحب، فمَن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يُسلم عبد حتى يُسلم قلبه ولسانه"، وفي رواية: "لا يَسلم عبد حتى يَسلم قلبه ولسانه (بفتح الياء)، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه"، قالوا: وما بوائقه؟ قال: "غشه وظلمه"، ثم قال: "ولا يكسب عبد مالاً من حرام فيتصدق به فيقبل منه، أو ينفقه فيبارك له فيه، أو يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، وإنما يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث"[5].

فإذا كسب الإنسان ماله من حرام، ثم أراد أن يطهره بالصدقة، فهذا كمن يغسل القاذورات بالبول، لا يمكن أن يطهر القذر بهذا النجس.

إن الصدقة تنفع إذا كانت من كسب طيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "من تصدق بعدل تمرة -بمثل أو بقيمة تمرة- من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبًا، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبها، كما يُرَبَّي أحدكم فَلُوَّه -أي المهر الصغير- حتى تكون مثل جبل أحد"[6].

أما الكسب الحرام فإن لا يَرُوج عند الله، ولا يقبل عند الله.

أن يكسب الإنسان ماله من سُحت، من غَصب، من سرقة، من رِشوة، أن يكسب أمواله من تلك الوجوه الخبيثة والموارد المنتنة، ثم يحاول أن يضحك على الله، فيأتي لينفق ويتصدق، فإن الله لا يُضحَكُ عليه، ولا يَرُوج عند الزَّيف، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

روي في الحديث: "إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك. ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور. وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك. ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور"[7].

 إن الله لا يقبل إلا طيبًا ... طيِّبوا مطاعمكم ومكاسبكم أولاً.

 

المرسلون والمؤمنون في الحلال سواء:

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]، وأمر المؤمنين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172]".

لقد أمر الله الفريقين أن يأكلوا الطيبات، فإن الخبيث مهما حلا في الفم، واستساغه الذوق، ومهما طيَّبه الطهاة، فإنه خبيث عند الله، وعاقبته في النار، وصاحبه إنما يأكل في بطنه نارًا. والعياذ بالله.

ومعنى قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، أي اشكروه على نعمه، وعلى طيباته، وعلى أن وفقكم إلى أكل الحلال: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ:15].

من شروط الإجابة:

لا يريد الله من الناس إذا أكلوا طيبات الحياة وتمتعوا بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات والمستلذات من الرزق، لا يريد منهم إلا أن يشكروا له هذه النعمة.

فإذا أكل الناس طيبًا وشكروا لله وعملوا صالحًا، ثم دعوا الله، فإن الله تعالى أهل للإجابة، وقد قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186].

ولكن من شروط إجابة الدعاء أن تكون عند ما أمر الله، أن تلتزم حدود الله، أن تقف عند نهي الله عز وجل، ألا يفقدك الله حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك. أما أن تنغمس في المحرمات، وأن تتورط في المعاصي، وأن تكون حياتك كلها حرامًا في حرام، ثم تدعو ...

فإن الله لا يقبل مثل هذا الدعاء ...

ولهذا ذكر النبي لنا نوعًا من الناس، يطيل السفر أشعث أغبر، يقول: يا رب ... يا رب! ولكن الله لا يستجيب له. مع أن هناك دواعي إجابة الدعاء ... فإن السفر وغُربة الإنسان عن وطنه، وغيبته عن أهله، مدعاة لإجابة الدعاء، ومظنة لصعود الدعاء واستجابته، دعوة الغائب، الغريب، المسافر، من الدعوات القريبة الاستجابة من الله، فما بالك إذا أطال السفر ... وحاله أشعث أغبر، أي تبدلت حاله، وتبدلت هيئته، وضاع الشباب والرونق والجمال ...

مثل هذا يكون قريبًا من الله، كما في الحديث: "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره"[8]، وفى رواية: "كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم الله لأبره"[9] فإن الله لا يعامل الناس بالمظاهر، ولا ينظر إلى الصور، ولكن ينظر إلى السرائر والقلوب. فهذا الذي يطيل السفر أشعث أغبر أدعى إلى أن يستجاب له.

ثم من دواعي إجابة الدعاء أن يمدَّ الإنسان يديه، ورفع اليدين مبسوطتين دليل المسكنة، ودليل الحاجة إلى الله، ولهذا جاء في الحديث: "إن الله حييٌّ كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه إلى السماء أن يردهما صفرًا خائبتين"[10].

الإلحاح في الدعاء مظنة الإجابة

ثم من دواعي الإجابة أن يقول: يا رب ... يا رب!

بهذا الاسم الحبيب إلى الرحمن، أي إنه هو الرب، المالك، الرازق، المُنعم، المُربِّي، ويكرِّر هذا ويلح على الله ...

ولهذا كان الصالحون والأنبياء والمؤمنون يبدأون دعاءهم بهذا: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]، {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193]، {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [الكهف:10]، {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلى مِنْ خَيْرٍ فَقِير} [القصص:24] .. وهكذا ... بهذا اللفظ ... لفظ الربوبية.

فمع هذه الدواعي كلها: إطالة السفر، والشعثة والغبرة، ورفع اليدين إلى السماء، ومع الإلحاح، وتكرير يا رب ... يا رب ... مع هذا لا يستجاب دعاء ذلك الرجل ... لماذا؟! لأنه، مع تلك الأسباب، جاء بموانع أخرى، تحول دون الإجابة.

من موانع الإجابة:

لا بد من أجل حصول الشيء أن تتهيَّأ أسبابه، وتزول موانعه، وهنا مانع منع الإجابة ... وهذا المانع أنه يعيش من الحرام، وحياته مملوءة بالحرام ... متوسع في الحرام ... أكلاً وشربًا ولبسًا وتغذيةً، كله حرام في حرام ... ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مأكله حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام، فكيف يستجيب الله له؟؟".

إننا إذا عرفنا ذلك -أيها المسلمون- عرفنا لماذا ندعو فلا يستجاب لنا[11]؟

لأننا -كما روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم- لا نبالى أن نأكل الحرام في هذا الزمن، ولا يهم الواحد منا أحرامًا كان كسبه أم حلالاً ؟ اسمعوا ما ورد في الحديث: "يأتي على الناس زمان لا يبالى المرءُ ما أخذ، أمن الحلال أم من الحرام؟"[12].

وكثيرًا ما نسمع أناسًا يقولون في هذه الأيام: (حرام كَلْناه، حلال كَلْناه) بغير اكتراث ولا مبالاة.

وقد كان السلف يدققون من أين هذه اللقمة؟ ومن أين هذا الدرهم،؟ ومن أين هذا الدينار؟! فلا يقبل لنفسه إلا ما كان حلالاً زلالاً.

أما نحن فنأخذ من كل ما هبَّ ودبَّ، ولا نبالي أكان هذا من الحلال أم كان من الحرام؟

والله تعالى لا يقبل من عبادٍ ارتكبوا الحرام، وانتهكوا الحرمات، واقترفوا الموبقات، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه، ثم تدعون فلا يستجاب لكم"[13]. وفي رواية: "والذي نفسه بيده لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم"[14].

حتى الخيِّرون رفضت دعواتهم، لأن الفساد قد عمَّ، والخبث قد طمَّ، والشر قد انتشر ... {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25].

فلا بدَّ أن نرجع إلى الله، وأن نُطهِّر القلوب، وأن نُطهِّر المكاسب، وأن نعيش بالحلال، ونقنع بالقليل من الحلال، خير من الكثير من الحرام، فإن ما قلَّ وكفى، خير مما كثُر وكان أصله من حرام.

إذا فعلنا ذلك، فإن الله أهل لأن يجيب دعواتنا، وإلا فهيهات هيهات أن يستجيب الله لنا دعاء، مهما ألمَّت بنا المُلمَّات، وأحاطت بنا المُدلهمَّات.

نحن ندعو الإله في كل كربٍ                       ثم ننساه عند كشف الكروب

كيف نرجو إجابة لدعــاءٍ                       قد سددنا طريقها بالذنوب؟؟
الحديث السادس

إن الله كتب الحسنات والسيئات

 

 

 



[1]- رواه مسلم في الزكاة (1015)، وأحمد في المسند (8348)، والترمذي في تفسير القرآن (2989)، عن أبي هريرة.

[2]- رواه مسلم في كتاب الطهارة (224)، وأحمد في المسند (4700)، والترمذي في الطهارة (1)، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها (272)، عن ابن عمر.

[3]- جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي صـ102، طبعة دار المعرفة بيروت.

[4]- رواه ابن خزيمة في صحيحه كتاب الزكاة (4/110)، وابن حبان في صحيحه كتاب الزكاة (8/11)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن، والحاكم في المستدرك (1/548)، وصححه، والبيهقي في الكبرى كتاب الزكاة (4/84)، عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (752).

[5]- رواه أحمد في المسند (3672) عن ابن مسعود، وقال محققوه: إسناده ضعيف لضعف الصباح بن محمد، والبزار في المسند (5/392)، والبيهقي في الشعب باب في قبض اليد على الأموال (4/395) وأبو نعيم في الحلية (4/66)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجال إسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات (1/213).

[6]- متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (1410)، ومسلم في الزكاة (1014)، وأحمد في المسند (8381)، عن أبي هريرة.

[7]- رواه الطبراني في الأوسط (5/251)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سليمان بن داود اليماني وهو ضعيف (10/522)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4403).

[8]- رواه مسلم في البر والصلة (2622)، وابن حبان في صحيحه كتاب التاريخ (14/403)، والحاكم في المستدرك كتاب الرقاق (4/364)، عن أبي هريرة.

[9]- رواه الترمذي في المناقب (3854)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، والطبراني في الأوسط (1/264)، والبيهقي في الشعب باب في الزهد وقصر الأمل (7/331)، عن أنس، وقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن موسى التيمي وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح، غير جارية بن هرم ووثقه ابن حبان على ضعفه، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (3028).

[10]- رواه أبو داود في الصلاة (1488)، والترمذي في الدعوات (3556)، وقال: هذا حديث حسن غريب ورواه بعضهم ولم يرفعه، وابن ماجه في الدعاء (1271)، وابن حبان في صحيحه كتاب الرقائق (3/160)، وقال الأرناؤوط: حديث قوي، والبيهقي في الكبرى جماع أبواب صفة الصلاة (2/211)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1320).

[11]- انظر: خطب الشيخ القرضاوي خطبة بعنوان (لماذا لا يستجيب الله لنا) جـ3 صـ274 طبعة مكتبة وهبة. القاهرة.

[12]- رواه البخاري في البيوع (2059)، والنسائي في البيوع (4454)، عن أبي هريرة

[13]- رواه أحمد في المسند (23327)، وقال محققوه: صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف، والترمذي في الفتن (2169)، وقال: حديث حسن، والبيهقي في الشعب باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (6/84)، وفي الكبرى كتاب آداب القاضي (10/93)، عن حذيفة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7070).

[14]- رواه الطبراني في الأوسط (2/99) عن أبي هريرة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط والبزار وفيه حبان بن علي، وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها (7/526).

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
الاستقامة على طريق الإسلام

د. يوسف القرضاوي
- موقع القرضاوي/25-9-2007

روى مسلم في صحيحه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك. فقال: "قل آمنت بالله، ثم استقم"[1].

وفي رواية للترمذي: قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. فقال: "قل: ربي الله، ثم استقم". قال: فما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأشار إلى لسانه وقال: "هذا"[2].

سأل هذا الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أمر جامع، أن يقول له قولا مُغنيا، ويوصيه وصيَّة شاملة، يتخذها دستورا لحياته، ويلتزمها منهاجا للعلاقة بينه وبين ربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس.

وكان صلى الله عليه وسلم، قد أوتي جوامع الكلم، يجمع في الكلمة القليلة الموجزة المعاني الكثيرة الجمَّة، فقال له هذه الكلمة، وأوصاه بهذه الوصية: "قل آمنت بالله، ثم استقم"، " قل ربي الله، ثم استقم".

اقتباس من القرآن

وهذا الجواب المحمدي إنما اقتبسه من القرآن الكريم، من قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [فصلت:30]، {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ*أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13، 14].

البراءة من الأرباب الزائفة

الأمر الأول في هذه الوصية أن يعلن بأن ربه هو الله ... ويبرأ من كل الأرباب، الأرباب الزائفة، التي اصطنعها الناس في حياتهم، صنعها الوهم والخرافة، أو صنعها الهوى والشهوة، أو صنعها الكذب والتضليل ... كل الأرباب، من البشر، أو من الحجر، أو من الكواكب، أو من أي شيء في العالم العلوي والسفلي، على المؤمن أن يبرأ من هذه الأرباب، ولا يتخذ غير الله ربا، ولا يتخذ غير الله وليا، {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:164].

لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس في هذه الدنيا يتخذون أربابًا كثيرة، هذا يتخذ له ربا من الحلوى فإذا جاع أكله، وذاك يتخذ ربه كاهنا من الكُهَّان، وآخر يتخذ ربه صنمًا من الأصنام، أو وثنًا من الأوثان، وهكذا ... اتخذ الناس أربابا شتَّى[3] ... ولهذا كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الملوك والأمراء والأباطرة من الأكاسرة والقياصرة، كان يختمها بهذه الآية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران:64]. مثل أولئك الذين {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].

التوحيد رسالة كل الأنبياء

ليعلن الإنسان أول ما يعلن أن الله ربه، وأن الله معبوده، وأن وِجهته إلى الله، وأنه لا يتخذ وليا من دون الله.

بهذا بُعثت الأنبياء، وبهذا نزلت الكتب، وبهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا قامت سوق للجنة والنار..

ربنا الله أم ربنا غير الله؟

على هذه الحقيقة قاتل الأنبياء وأتباعهم من المؤمنين.

وقف موسى عليه السلام يقول لفرعون: إنك لست الربَّ الأعلى كما تزعم للناس، حيث قال للناس: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعـات:24]، فقال: إن الله وحده هو ربُّ الناس، ملك الناس، إله الناس.

ولهذا أراد فرعون أن يقتل موسى قال: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:26].

وشاء الله أن يدافع عن موسى رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، يصرخ في وجوه هؤلاء: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} [غافر:28].

أمن أجل هذه الكلمة "ربي الله"، وهو الحقيقة الناصعة التي ليس هناك حقيقة أنصع ولا أثبت ولا أخلد منها؟! أمن أجل هذه الحقيقة يراد بموسى أن يقتل وتزهق روحه؟!

ولقد أريد من أجل هذه الكلمة لسيدنا إبراهيم أن يُلقى في النار، ويحرَّق تحريقا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ، قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]، أي إن هذا (النمروذ) يزعم أن في يده الأمر والنهي، يأمر بقتل مَن يشاء فيميته، ويأمر بالعفو عمَّن شاء فيحييه ... وهناك يقول له إبراهيم: {فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].

ولقد أُريد لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه أن يُقَتَّلوا، وأن يعذَّبوا، وأن يُنفوا، وأن يُخرَجوا من ديارهم بغير حق؛ إلا أن يقولوا ربنا الله ...

لقد أُخرجوا من ديارهم وأموالهم وأُوذوا في أنفسهم وأهليهم ... بغير ذنب جَنَوْه {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40].

لهذا كان على المسلم أن يقول: "ربي الله"، مهما أُوذي في نفسه، أو أهله، أو ماله، أو منصبه، أو جاهه، أو كل أعراض الحياة، مستمسكا بهذه العُروة الوُثقى لا انفصام لها.

"قل ربي الله ثم استقم"

أي قل هذا، اعتقده في نفسك، وأعلنه على الناس، ولكن لا بد من الاستقامة على مقتضى هذا القول.

ما المقصود بالاستقامة

والاستقامة تعني أمرين:

الأمر الأول: الثبات على هذا القول، وعلى التوحيد لله، وعلى إخلاص القلب لله، بحيث يسير الإنسان في هذا الطريق، طريق التوحيد السَّوِيَّة، لا عِوَج فيها ولا أَمْت، ولا ارتداد ولا انحراف ... ولهذا قرأ سيدنا أبو بكر: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت:30]، فقال: لم يشركوا به شيئا ... وذلك معنى الاستقامة. وقرأها عمر على المنبر فقال: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا}، أي لم يرغوا روغان الثعالب[4].

استقاموا على أمر الله، وعلى دين الله، وعلى توحيد الله، استقامة المؤمن الصريح ... الثبات على التوحيد إلى النهاية، إلى الموت، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99].

والأمر الثاني من معني الاستقامة: أنه يلتزم حدود الله، وينفذ أوامره، ويقيم حدوده، وينتهي عن محارمه، فيسلك الطريق المستقيم ... والصراط الذي هو كحد السيف، لا ينحرف عنه يَمنة ولا يَسرة، لا يميل مع اليمينين، ولا ينحرف مع اليساريين. إنه الصراط المستقيم الذي ندعو الله ونسأله الهداية إليه كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة، لو اقتصر الإنسان على أداء الفرائض.. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة 6،7].

الطريق المستقيم لا تقليد فيه

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين... لا سبيل المنحرفين المغضوب عليهم كاليهود، والضالين كالنصارى. فقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال"[5].

فالطريق الذي يجب أن يسلكه الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة، والحكومة المسلمة، هو: الطريق الإسلامي الواضح، الذي لا يميل إلى هنا، ولا إلى هناك، ولا إلى هنالك ... فقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الأمة من أن تفقد شخصيتها وتفقد ذاتيتها، وتسير وراء الآخرين مُقلَّدة التقليد الأعمى، قال: "لتتبعنَّ سَنَنَ مَن قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، جحر الضب على ما فيه من الضيق والقذارة والنتانة وسوء الرائحة، لو دخلوا مثل هذا الجحر، لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، آليهود والنصارى؟! قال: "فمن؟!"[6].

هم هؤلاء المقصودون؛ تتبعونهم وتقلدونهم وتتركون طريقكم المستقيم، وتسيرون في طريقهم الأعوج ... إذا أطالوا أظافرهم كأظافر الكلاب والقطط أطلتم أظافركم، إذا سارت نساؤهم عاريات ... فعلت نساؤكم مثلهنَّ ... إذا ارتكبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، كانت فواحشهم شيئا جميلا يُقتدى به.... وهكذا انحرف الناس عن الطريق المستقيم، عن الاستقامة التي أمر الله بها رسوله وأمر بها المؤمنين، قال الله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌٌ} [هود: 112].

ذكر القشيري أن أحد الصالحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المنام، فقال: يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت: "شيبتني هود وأخواتها"[7]، فماذا شيبك من سورة هود؟ قال: قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌٌ* وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود:112،113][8].

وقال تعالى في سورة فصلت: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:6]، رتب الأمر بالاستقامة على توحيد الله تعالى.

مقتضى توحيد الله والاعتراف بألوهيته ووحدانيته والاعتراف بربوبيته، {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50]، ذلك يقتضي الاستقامة إليه، الاستقامة على طريقه، استقامة اللسان على الصدق، واستقامة القلب على التوحيد، واستقامة الجوارح على الطاعة، واستقامة العمل على السنة، على هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

الاستقامة الكاملة غير ممكنة

وما أجمل هذه الكلمة: {وَاسْتَغْفِرُوهُ}، كأنها إشارة إلى أن الإنسان لا يمكن أن يستقيم الاستقامة حق الاستقامة ... لا بد أن يُفرِّط في جنب الله، وأن يبدو منه تقصير في حق الله، فالإنسان إنسان، مهما يحاول ومهما يجاهد ... ولكن لم يطلب منه إلا التصميم والعزم، وحسن الاتجاه إلى الله وإلى طريق الله.

فإذا فرط منه في الطريق شيء، فإن الله أهل التقوى وأهل المغفرة، قال صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا"[9]، أي لن تستطيعوا أن تُدققوا في كل شيء، وتؤدوا كل عمل كما هو مطلوب منكم، فـ"سددوا وأبشروا"[10]، و"سددوا وقاربوا"[11].

الفرق بين التسديد والمقاربة

التسديد معناه: الإصابة في الأقوال والأعمال، والمقاصد كلها ... أن يصيب الإنسان الهدف ولا يخطئه ...

والمقاربة أن تبلغ قريبا من هدفك، ومن غرضك ...

فيقول عليه الصلاة والسلام: "سددوا"، أي حاولوا الإصابة والتسديد فيما تريدون، وقاربوا ... إن لم تستطيعوا التسديد، فقاربوا ... أي كونوا قريبين من الإصابة ... ولكن بشرط أن تكون مُصمِّما على بلوغه، وأن تكون وِجهتك إليه، فلا تكون مُشرِّقا وهدفك مُغرِّب، بل ينبغي أن تكون سليم الاتجاه، صحيح الوِجهة أولاً ... وإن فرط منك شيء من الخطأ ومن الزلل فإن الله عز وجل، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.

دور اللسان في الاستقامة

يقول صلى الله عليه وسلم: "لا يستقيم لسان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه"[12].

ذلك أن اللسان ترجمان القلب، والمُعبِّر عنه، والمرآة لما يحتويه باطن الإنسان، ولهذا ورد أن الأعضاء إذا أصبحت قالت للِّسان: "اتق الله فينا، فإذا استقمت استقمنا، وإذا اعوججت اعوججنا"[13].

فإذا رأينا إنسانا مُعوجَّ اللسان مُنحرف القول، فهذا دليل على عِوَج في قلبه، وعلى انحراف في قصده.

نتيجة الاستقامة في الدنيا

إننا والله إذا استقمنا أفلحنا في الدنيا والآخرة.

الاستقامة هي سبيل النجاح، وسبيل الفلاح ... في الحياة الأولي، وفي الحياة الباقية.

يقول الله تعالى في شأن هذه الحياة: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} [الجن:16] ... أي وسَّعنا عليهم أرزاقهم، وأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم كما قال الله عز وجل: {ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2،3]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96].

الاستقامة على أمر الله، وشكر نعمته، سبيل إلى حفظها، وإلى الاستزادة منها، فإن الله تعالى يقول: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7].

إن الله حينما أهبط آدم وحواء إلى الأرض علمهما هذا المبدأ، ووضع نُصب أعينهما هذا القانون قال: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًىفَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:23-26].

الاستقامة سبيل السعادة، وسبيل الفلاح للفرد ... وللأسرة ... وللمجتمع كله.

إذا قال الفرد: "ربي الله"، ثم استقام على هذا وثبت عليه، فهو سعيد وإن شقي الناس، مُفلح وإن خاب الناس، هادئ رزين وإن اضطرب الناس، آمن وإن خاف الناس، {فمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} [الجن:13]، {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَللا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا} [طه:112]، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].

السعادة في الإيمان وفي الاستقامة.

لقد أغضب عمر إحدى زوجاته فقال لها مرة: لأشقينَّك يا أم كلثوم. (بنت على بن أبي طالب وكانت زوجة لعمر) فقالت له: لا تستطيع يا أمير المؤمنين أن تشقيني، لأن سعادتى في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي.

هذا في الدنيا ...

نتيجة الاستقامة في الآخرة

وأما في الآخرة، فجنة عرضها السماوات والأرض، وملائكة تتنزل ببشارة الله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ -أي عند الاحتضار- أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [فصلت:30].

الإنسان في هذه الحالة، قادم على دار غير الدار، وعلى حياة غير الحياة، والغريب يستوحش، ولكن الملائكة تؤنس وحشتهم، فتقول لهم حين تتوفاهم طيبين: {أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا}، أي لا تخافوا مما أنتم قادمون عليه، ولا تحزنوا لما خلَّفتم وراءَكم من مال وأهل وولد ... فإن الله وليّكم في هذا كله ... {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا -كنا نعلمكم نؤيدكم ونسددكم وننصركم على أعدائكم ونحفظكم بأمر الله- وَفِي الآخِرَةِ} [فصلت:31]، نؤنسكم عند الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، وعند البعث والنشور، وعند المرور على الصراط، ونهديكم إلى الجنة، {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس:9]، وندخل عليكم مُحيين مُسلِّمين: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24].

{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت:31،32][14].


[1]- رواه مسلم في الإيمان (38)، وأحمد في المسند (15416)، عن سفيان بن عبد الله الثقفي.

[2]- رواه الترمذي في الزهد (2410)، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الفتن (3972)، وابن حبان في صحيحه كتاب الحظر والإباحة (13/5)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح، والطبراني في الكبير (7/69)، والحاكم في المستدرك كتاب الرقاق (4/349)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3208).

[3]- قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا، وجعله ثالثة الأثافي لقدره، فإذا أرتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك –ثم روى عن أبي رجاء العطاردي قوله-: كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذاك ونأخذه، وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به صـ75 طبعة دار الكتاب العربي بيروت.

[4]- انظر: تفسير ابن كثير (9/125).

[5]- رواه أحمد في المسند (19381)، وقال محققوه: بعضه صحيح، وفي هذا الإسناد عباد بن حبيش لم يرو عنه غير سماك بن حرب، ولم يوثقه غير ابن حبان، والترمذي (2953) وقال: حسن غريب، وابن حبان في صحيحه كتاب التاريخ (14/139)، وقال الأرناؤوط: حديث حسن لغيره، والطبراني في الأوسط (4/139)، وفي الكبير (17/98)، عن عدي بن حاتم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير عماد بن حبيش وهو ثقة (6/306)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2353)

[6]- متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم في العلم (2669)، وأحمد في المسند (11897)، عن أبي سعيد الخدرى.

[7]- رواه الترمذي في التفسير (3297) وقال: حديث حسن غريب، والحاكم في المستدرك كتاب التفسير (2/374)، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ، عن ابن عباس، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2627)، ونصه: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات و{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}".

[8]- تفسير الثعالبي (2/220).

[9]- رواه أحمد في المسند (22378)، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، وابن ماجه في الطهارة وسننها (277)، والطيالسي في المسند (1/134)، والدارمي في الطهارة (1/174)، والطبراني في الصغير (1/27)، وفي الأوسط (7/166)، والكبير (2/101)، والبيهقي في الكبرى كتاب الطهارة (1/82)، عن ثوبان، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (224).

[10]- رواه البخاري في الرقاق (6467)، عن عائشة.

[11]- متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (6464)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (2818)، وأحمد في المسند (24940)، عن عائشة.

[12]- رواه أحمد في المسند (13048)، وقال محققوه: إسناده ضعيف، تفرد به علي بن مسعدة، وقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه علي بن مسعدة وثقه يحيى بن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره (1/220)، وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام انظر: المنتقى (1726)، وحسنه الألباني في الصحيحة (2841).

[13]- رواه أحمد في المسند (11908)، وقال محققوه: إسناده حسن، والترمذي في الزهد (2407)، والطيالسي في المسند (1/293)، وأبو يعلى في المسند (2/403)، والبيهقي في الشعب باب في حفظ اللسان (4/243)، عن أبي سعيد الخدري، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2871).

[14]- انظر: خطب الشيخ القرضاوي خطبة بعنوان (الاستقامة وأثرها في حياة المسلم) جـ6 صـ69 طبعة مكتبة وهبة. القاهرة.

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
الدين النصيحة

د.يوسف القرضاوي -
موقع القرضاوي/ 26-9-2007

روى مسلم في صحيحه، عن تَمِيم بن أوس الداري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة". قال تميم: قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"[1].

هذا الحديث الوجيز البليغ أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام. قال محمد بن أسلم الطوسي: إنه أحد أرباع الدين. ورُوي مثل ذلك عن أبي داود.

معنى الدين النصيحة

"الدين النصيحة": أي الركن الأعظم في الدين هو النصحية، كما يقال: "الحج عرفة"[2]، و"الندم توبة"[3]، أي الركن الأعظم في الحج هو الوقوف بعرفة، والركن الأعظم في التوبة هو الندم، والركن الأعظم في الدين هو النصيحة.

فما معنى النصيحة؟

النصيحة والنصح كلمة تقارب معنى الإخلاص، ولهذا تفسر بمقابلها وتفهم على هذا النحو ... فيقابل النصيحة والنصح: الغش، فالإنسان إما ناصح وإما غاش، والمسلمون قوم نَصَحَةٌ بعضهم لبعض، والمنافقون قوم غَشَشَة بعضهم لبعض.

النصيحة كلمة جامعة يراد بها: إرادة الخير للمنصوح له، قولاً وعملاً، والقيام بوجوه الخير له إرادةً وفعلاً.

والنبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن تكون العلائق قائمة على النصح والإخلاص والصفاء، لا على الغش، ولا على الخداع، ولا على الزور.

ولهذا سأل الصحابة حينما سمعوا هذه الكلمة: "الدين النصيحة"، أحبوا أن يعرفوا من الذين تكون لهم النصيحة؟ ولمَن يكون النُصْح؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن النصيحة لكل مَن بينه وبين الإنسان عَلاقة مادية أو معنوية.

كيف تكون النصيحة لله

فأول ما تكون النصيحة لله تعالى: أن يكون ما بين الإنسان وبين الله عامرًا بالإخلاص، لا بالغش ولا بالرياء، أن تنصح لربك فتأتمر بأمره وتنتهي بنهيه وتقف عند حدِّه، وتحب فيه وتبغض فيه، وتسالم له وتحارب له، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله[4]، وفي الحديث: "مَن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان"[5].

وأولئك الذين يراءون الناس في أعمالهم، ولا يقومون بالعمل إلا إذا كان الناس يرونهم أو يسمعون بهم، فإذا خَلَوا إلى أنفسهم ارتكبوا المُوبقات المُهلكة، واقترفوا الآثام المُردية، أولئك هم المنافقون: {إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً} [النساء:142].

كيف تكون النصيحة للرسول؟

ثم يلي المبدأ الأول وهو (النصيحة لله) مبدأ ثانٍ وهو: (النصيحة لرسوله).

فإن رسول الله هو مُمثِّل الإرادة الإلهية، ومبعوث العناية الربانية، إنه حين يأمر وينهى لا يُمثِّل نفسه وإنما يُمثِّل مَن أرسله، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:1-4].

فلا عجب أن تكون طاعة هذا الرسول طاعة لله، واتباعه محبة لله، وبيعته مبايعة لله.

طاعة الرسول من طاعة الله

اسمعوا قول الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح:10]، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31]، {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء59، النور:54، محمد:33]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7].

إن الله قرن محبَّة رسوله بمحبَّته، وطاعة رسوله بطاعته، وبيعة رسوله ببيعته ... هذا ليعلمنا عن قدر هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن مَن أحب رسول الله فقد أحب الله.

 وقد جاء في حديث أنس، الذي رواه البخاري: "ثلاث مَن كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: مَن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومَن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله عز وجل، ومَن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار"[6].

النصيحة لرسول الله، تكون باتباع سنته، وإحيائها ونشرها في الناس، وخاصة ما مات من السنن، فمن أحيا سنة ميتة فله الجنة، وفي الحديث: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" قيل: ومَن الغرباء، يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي، ويحيون ما أمات الناس من سنتي"[7].

والمبدأ الثالث في النصيحة: هو (النصيحة لكتاب الله عز وجل)، أي الإخلاص لهذا القرآن العظيم، الذي أنزله الله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، والذي أنزله الله ليُصحِّح ما اعوجَّ من الحياة، ويصلح به ما فسد، وينوِّر به ما أظلم، ويهدي به للتي هي أقوم، فهو قانون السماء لهداية الأرض، ودستور الخالق لإصلاح الخَلق، لا يضلُّ مَن اهتدى به، ولا يعوجُّ فيقوَّم، مَن علم علمه سبق، ومَن قال به صدق، ومَن حكم به عدل، ومَن عمل به أُجر، ومَن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.

كتاب الله، وحبل الله المتين، ممدود بينكم وبين ربكم، فمَن أمسك بهذا الحبل القوي، وتعلَّق بهذه العروة الوثقى، لا انفصام لها، فإنه واصل بهذا الحبل إلى الجنة... لأن منتهاه الجنة ...

كيف تكون النصيحة لكتاب الله؟

النصيحة لكتاب الله، أن نعمل به ... وأن نتبع هداه، وأن نقتبس من سَنَاه، وأن نُصدِّق شرائعه، وأن نتأدَّب بآدابه، ونتخلَّق بأخلاقه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث سئلت السيدة عائشة عن خُلقه، فقالت: "كان خلقه القرآن"[8]، وفي رواية عن أبي الدرداء: "كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه"[9].

كان عليه الصلاة والسلام مُفسِّرًا لهذا القرآن بقوله وعمله ...

كان مُصحفًا حيًا يمشي على الأرض، وقرآنًا يراه الناس بأعينهم أعمالاً، وواقعًا معاشًا في حياة الناس، لا مجرَّد ألفاظ تُتلى، ولا أقوال يُلوكها اللسان.

ومن معاني النصيحة لكتاب الله، أن نتدبَّره، ونتفهَّم ما أنزل الله فيه من معانٍ وأسرار تُصلح الحياة، وتُصلح الأفراد والمجتمعات، إن الله تعالى عاب على قوم أغلقوا قلوبهم عن نور هذا القرآن، فلم يتدبروه، فقال عز وجل: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29].

هذا الكتاب هو نور الحياة، للناس جميعًا، في كل عصر وفي كل مصر، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1].

النصيحة لأئمة المسلمين

ثم النصيحة بعد ذلك لأئمة المسلمين ... لرُؤسائهم وحُكَّامهم وولاة أمرهم، تنصح لهم، تبغي لهم الخير، تُرشدهم إلى الهدى، تدلُّهم على الحق، لا تخشى في الله لومة لائم.

فمن فعل ذلك فقد قام بحق النصيحة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم"[10].

الفرق بين النصيحة والفضيحة

وليس معنى النصيحة هي الفضيحة، فقد قال السلف: إن النصيحة بينك وبين أخيك في السر نصيحة، أما التشهير على ملأ الناس فهي فضيحة[11].

فالنصح أن تدلَّ الشخص على الخير ... وأن ترشده إلى الحق، كما كان عمر بن الخطاب يطلب إلى الناس أن ينصحوه ويقول: مرحبًا بالناصح أبد الدهر، مرحبًا بالناصح غدوًا وعشيًا
[12].

ابن الخطاب أنموذج في قبول النصيحة:

وكان عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: "رحم الله مَن أهدى إليَّ عيوبي"[13]، وكان يقول لحذيفة بن اليمان الخبير بالمنافقين، والذي اختص بسرِّ المنافقين، وعرفه الرسول صلى الله عليه وسلم بهم، كان عمر يقول له: يا حذيفة! بالله عليك, أتجدني منهم؟ فيقول له حذيفة: لا يا عمر، ولا أُزكي أحدًا بعدك[14]. أي لا يريد أن يفتح هذا الباب حتى لا يكشف الأسرار.

عمر بن الخطاب ... يريد أن يطمئنَّ على نفسه، أهو من المنافقين أم من غير المنافقين؟!

وقال له رجل مرة: اتق الله يا ابن الخطاب. فضاق بعض الحاضرين بهذا، فقال عمر: دعوه، والله لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها.

النصيحة لعامة المسلمين[15]

ثم النصح لعامة المسلمين بعد ذلك كله ... أي لجماهير المسلمين، عليك أن تنصح لكل مسلم، ولا تغشه، في أي علاقة بينك وبينه، معنوية كانت أو مادية، كن ناصحًا لأخيك المسلم، فهذا من صفات الأنبياء الذين كانوا لقومهم ناصحين، كما قال نوح لقومه: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:62]، وكذلك قال هود لعاد: {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف:68]، وكذلك قال صالح لثمود: {أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف:79].

وما أكثر الذين لا يحبون الناصحين!!

إن على المسلم أن ينصح لأخيه المسلم، ولا يغشه في أمر من الأمور، ولو كان في ذلك خسارة في دنياه، وضرر له شخصي، عليه أن ينصح له، فعلى التاجر أن يفرح لما فرح به المسلمون، يفرح برُخْص الأسعار، وإن كان في ذلك بعض الضرر بتجارته.

على المسلم أن ينصح في معاملته ولا يغش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، مر على صُبْرة طعام؛ فأدخل يده فيها فنال أصابعه بللاً، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟". قال: أصابته السماء. فقال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟! من غش فليس مني"[16].

وأوجب صلى الله عليه وسلم على كل بائع أن يُبيِّن ما في سلعته من عيب... ولا يكتُمها ولا يغش المسلمين، كما في حديث وَاثِلَة بن الأَسْقَع: "لا يحل لأحد يبيع شيئًا إلا بيَّن ما فيه، ولا يحل لمَن علم ذلك إلا بيَّنه"[17].

وهكذا كان السلف:

باع ابن سيرين شاة له فقال للمشتري: اسمع يا فلان! إني أبرأ إليك من عيب فيها، إنها تقلب العلف برجلها[18].

وباع الحسن بن صالح جارية له: فقال للمشتري: أذكر لك شيئًا، إن هذه الجارية تَنَخَمَت مرة عندنا دمًا[19].

مرة واحدة طيلة إقامتها عنده تنخمت دمًا، ومع هذا أَبَى ضميره المؤمن وقلبه المسلم إلا أن يذكر ذلك ويُبيِّنه، ليبرأ من العُهدة، ويكون ناصحًا للمسلمين.

وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "مَن لم يهتم بأمر المسلمين، فليس منهم، ومَن لم يصبح ناصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم"[20]، أي ليس على طريقتهم، وليس على مِلتهم، ولا يستحق أن يكون من جُملة المسلمين.

ومما يُذكر هنا أن يونس بن عبيد، وكان تاجرًا قد ترك ابن أخيه في الدكان وذهب إلى الصلاة، ثم عاد فوجد رجلاً قد اشترى ثوبًا من دكانه، فسأله يونس: بكم اشتريتها؟ قال: اشتريتها بأربعمائة. فقال له: لا ... هذا من ذوات المائتين، ارجع معي. قال: يا هذا، إنها عندنا تساوي خمسمائة. فقال: لا ... ولكنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، هذه نبيعها بمائتين، عُدْ معي إلى الدكان. فقال: أنا راضٍ. قال: وإن كنت راضيًا. ثم عادا إلى الدكان، وذهب يونس إلى ابن أخيه وظل يُوَبِّخه ويُعنفه ويقول له: أما اتقيتَ الله؟ أما استحييتَ من الله؟ تربح نصف الثمن وتترك النصح للمسلمين؟ والله للنصح لمسلم خير من الدنيا وما فيها. ثم أعطى الرجل المائتين فرق ما بين الثمنين، ورضيتْ نفسه[21].

وكان بعض السلف واسمه حسان بن أبي سنان، من الورعين، وكانت له تجارة. أرسل إليه غلامه من الأهواز يقول له: إن قصب السكر عندنا قد أصابته آفة، فاشترِ ما شئت من السُّكر عندك. وذلك لأن تلف المحصول سيؤدِّي إلى ارتفاع الأسعار ...

فذهب حسان إلى بعض المنتجين، واشترى منه قدرًا كبيرًا من السُّكر فلم يلبث أن ارتفع السعر، وباع الرجل هذا السُّكر بثمن غالٍ، وكسب فيه ثلاثين ألفًا.

ثم عاد إليه ضميره، واستيقظ إيمانه، فذهب للرجل الذي اشترى منه السُّكر وقال له: إن غلامًا لي كان قد أبلغني بكيت ... وكيت ... وإني اشتريت منك ولم أعلمك بما حدث، فقد غششتك ولم أنصح لك. فقال: الآن قد أعلمتني، وقد بعتُك بسعر يومها، ولم أخسر شيئًا، وقد طيَّبتُه لك، فاذهب به. فعاد الرجل بعد أن رضي صاحبه، ولم يلبث قليلاً حتى أكله قلبه ولم يحتمل ذلك، فعاد إليه مرة أخرى وقال: ما هذا إني لم آتِ هذا الأمر من وجهه، ولكني جُرتُ عليك ولم أنصح لك. فناشدتُك الله إلا قبلتَ هذا الأمر، ورددتُ عليك الربح. وظلَّ به حتى ردَّ عليه الثلاثين ألفًا التي ربحها ... وعاد يقول وهو مرتاح القلب رضي النفس: الحمد لله الذي أنقذني من النار[22].

هكذا كان السلف ينصح بعضهم لبعض.

فالنصيحة هي الدين ...

وخاصة إذا استشارك مسلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا استنصحك فانصح له"[23]. قل له الحق، وأرشده إلى ما ترى أنه خير، ولا تخش لومة لائم.

خفِ الله فيه، ولا تخفْه هو في الله.

يقول السلف: أنصحُ الناس لك مَن خشي الله فيك[24].

ليس الناصح لك هو الذي يُدلِّلُك ويمدُّ لك في الحبل، ويُطْمِعُك في كل شيء، ويحاول أن يتملَّقك، ويسترضيك، فليس هذا هو الناصح ... بل الناصح لك حقًا هو الذي يدلُّك على الله، ويرشدك إلى طريق الآخرة، ويأخذ بيدك إلى الصراط المستقيم، ولو كان في ذلك ضيق لك، أو سخط لك في بعض الأحوال.

أنصح الناس لك مَن خشي الله فيك.

دخل بعض العلماء على بعض الأمراء فنصح له، فشدَّد عليه. فقال له بعض جلسائه: شَدَّدت على الأمير. فقال: لأن أنصحه حتى أُبكيه اليوم ويضحك عند الله غدًا، خير من أن يضحك اليوم ويبكي عند الله غدًا.


[1]- رواه مسلم في الإيمان (55)، وأحمد في المسند (19640)، وأبو داود في الأدب (4944)، والنسائي في البيعة (4197)، عن تميم الداري.

[2]- رواه أحمد في المسند (18774)، وقال محققوه: إسناده صحيح، وأبو داود في المناسك (1949)، والترمذي في الحج (2975)، وقال حديث حسن صحيح، والنسائي في مناسك الحج (3016)، وابن ماجه في المناسك (3015)، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي.

[3]- رواه أحمد في المسند (4012)، وقال محققوه: صحيح وهذا إسناد قوي، وابن ماجه في الزهد (4252)، والطيالسي في المسند (1/50)، والبزار في المسند (5/310)، وأبو يعلى في المسند (8/380)، وابن حبان في صحيحه كتاب الرقائق (2/377)، والطبراني في الصغير (1/66)، وفي الأوسط (7/44)، والحاكم في المستدرك كتاب التوبة والإنابة (4/271)، والبيهقي في الشعب باب في معالجة كل ذنب بالتوبة (5/386)، وفي الكبرى كتاب الشهادات (10/154)، عن ابن مسعود، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3429).

[4]- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله عز وجل والبغض في الله"، رواه أحمد في المسند (18524)، وقال محققوه: حديث حسن بشواهده، وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث، والطيالسي في المسند (1/101)، وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الزهد (7/80)، والبيهقي في الشعب باب في مباعدة الكفار والمفسدين (7/69)، عن البراء، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثر (1/267)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره (3030).

[5]- رواه أبو داود في السنة (4681)، وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الزهد (7/130)، والطبراني في الأوسط (9/41)، وفي الكبير (8/134)، وفي مسند الشاميين (2/239)، عن أبي أمامة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وفيه صدقة بن عبد الله السمين ضعفه البخاري وأحمد وغيرهما، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (380).

[6]- متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (21)، ومسلم في الإيمان (43)، وأحمد في المسند (12002)، والنسائي في الإيمان وشرائعه (4988)، وابن ماجه في الفتن (4033)، عن أنس.

[7]- رواه الترمذي في الإيمان (2630) عن عمرو بن عوف، وقال:هذا حديث حسن، والطبراني في الكبير (17/16)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (492).

[8]- رواه أحمد في المسند (25302)، وقال محققوه: حديث صحيح على شرط الشيخين، وابن ماجه في الأحكام (2333)، وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الرد على أبي حنيفة (7/301)، وأبو يعلى في المسند (8/275)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة (2/171)، والحاكم في المستدرك كتاب التفسير (2/541)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في الشعب باب في حب النبي (2/153)، عن عائشة.

[9]- رواه الطبراني في الأوسط (1/30)، والطبراني في معجم الشاميين (2/210)، والبيهقي في الشعب باب في حب النبي (2/154)، عن أبي الدرداء.

[10]- رواه مسلم في الأقضية (1715)، ولم يذكر: "وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم"، وأحمد في المسند (8799)، وقال محققوه: إسناده صحيح، وابن حبان في صحيحه (8/182) وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرطهما، ورواه البيهقي في الكبرى كتاب قتال أهل البغي (16433)، عن أبي هريرة.

[11]- قال الشافعي: مَن وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه. رواه أبو نعيم في الحلية (9/140).

[12]- رواه الطبري في التاريخ (2/579).

[13]- انظر: سنن الدارمي (1/166).

[14]- رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الفتن (7/481).

[15]- راجع ما ذكرناه في كتابنا: (دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي) فصل: القيم والأخلاق في مجال التداول.

[16]- رواه مسلم في الإيمان (102)، وأحمد في المسند (7292)، وأبو داود في الإجارة (3452)، والترمذي في البيوع (1315)، وابن ماجه في الإجارات (2224).

[17]- رواه أحمد في المسند (16013)، وقال محققوه: إسناده ضعيف لجهالة أبي سباع، والطبراني في الكبير (22/91)، والحاكم في المستدرك كتاب البيوع (2/12)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى كتاب البيوع (5/320)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره (1774)، انظر: المنتقى (992).

[18]- إحياء علوم الدين (2/77).

[19]- إحياء علوم الدين (2/77).

[20]- رواه الطبراني في الصغير (2/131)، والأوسط (7/270)، عن حذيفة بن اليمان، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي ضعفه محمد بن حميد ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان (1/264)، انظر: المنتقى (997).

[21]- إحياء علوم الدين (2/79).

[22]- رواه أبو نعيم في الحلية (3/118)، وابن أبي الدنيا في الورع (1/105)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم صـ110.

[23]- رواه مسلم في السلام (2162)، وأحمد في المسند (8845)، عن أبي هريرة.

[24]- جامع العلوم والحكم صـ82.

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
البدعة .. مردودة على صاحبها غير مقبولة عند الخالق

د. يوسف القرضاوي - موقع القرضاوي/ 30-9-2007

روى الشيخان، عن الصدِّيقة بنت الصدِّيق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رَدٌّ"[1]، وفي بعض ألفاظ الحديث: "مَن أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد"[2]، وفي رواية للإمام مسلم: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ"[3]. أي مردود على صاحبه غير مقبول.

منزلة الحديث[4]

هذا الحديث القصير، بألفاظه القليلة المُوجَزة، أحد الأحاديث الجامعة التي يدور عليها شرع الإسلام، ولهذا عدَّه الإمام أحمد أحد الأحاديث الثلاثة التي ذكرناها من قبل[5]، فهو مُتمِّم لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"، ولهذا قال علماؤنا: إن حديث: "الأعمال بالنيات"، ميزان للأعمال في باطنها، وحديث عائشة هذا:"مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رَدٌّ"، ميزان للأعمال في ظاهرها.

شروط قيول العمل

لا بد أن يتوفر للعمل الصالح المقبول، الظاهر والباطن معا: لا بد أن تتحقَّق النية الحسنة، والصورة المشروعة. فإذا توافر حُسن النية، وكانت صورة العمل غير مشروعة، فإن الله يرفض هذه النية، ولا يقبلها، ولا تشفع أبدا عند صاحبها.

مَن أكل الربا، ثم بنى من هذا الربا مسجدا، ليُصلِّي فيه الناس، ويقيموا شعائر الله، فهل تنفعه هذه النية؟ لا! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، إن عمله مردود عليه، لأن الربا عمل ليس على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقول له: إنك أحدثتَ ما لم يأمر به الله، وما لم يرضَه الله، فعملك مردود عليك.

لا بد لقبول العمل، من أن يكون في صورة يشرعها الدين ويرضاها، كما يجب أن تكون وراءه نية خالصة. ولهذا قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه، في تفسير قوله تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود:7]، قال: أحسن العمل أخلصه وأصوبه، ولا يقبل العمل إلا إذا كان خالصا صوابا، فما كان صوابا ولم يكن خالصا، لم يقبل، وما كان خالصا ولم يكن صوابا، لم يقبل، وخلوص العمل أن يكون لله، وصواب العمل أن يكون على السنة[6]. أي على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرعه.

ومن هنا روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة[7].

التشريع من خصائص الربوبية

لا بدَّ أن يوافق الإنسان شرع الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس الناس أحرارًا في أن يشرعوا ما يُريدون، وأن يلتزموا ما يُريدون، فإنهم مقيدون بحدود الله، وبشرع الله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى:21].

الأصل أن يتقيد الإنسان في شرائعه كلِّها بما حدَّ الله ورسوله، ومن زاد على ذلك أو نقص تبعا لهواه، أو وِفقا لمزاجه، أو تحسينا للظن بعقله هو، أو بعقل زيد وعمرو من البشر، فإن عمله هذا كلَّه مردود عليه.

إن النبي صلى الله عليه وسلم، وضع لنا بهذا الحديث الجامع من جوامع الكلم، هذا الميزان: ألاَّ نقبل عملاً إلا إذا كان على شرع الله.

ليس للناس أن يبتدعوا وأن يحدثوا في دين الله ما لم يُرده الله ولم يأمر به، فإن "كل مُحدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"[8].

أثر الابتداع في الأديان السابقة

 لقد فسدت الأديان السابقة قبل الإسلام بهذه المُحدَثات، وبهذه المُبتدعات، حيث أحلُّوا ما حرَّم الله، وحرَّموا ما أحلَّ الله، وزادوا عما شرع الله، ونقصوا مما فرض الله، فأصبحت عباداتهم وفرائضهم وشرائعهم شيئا آخر عن الدين الذي أمر الله به.

صنع النصارى ذلك في عباداتهم، فغيَّروا في الصلاة، وغيَّروا في الصيام، نقلوا الصيام من أيام إلى أيام، حتى لا تكون في أيام الحرِّ، فنقلوها إلى أيام أخرى، وزادوا في عدد الأيام حتى صار صوما غير الصوم الأول، وهكذا في الأطعمة، بعد أن كان لحم الخنزير مُحرَّما عليهم، كما في التوراة، أحلَّ لهم بولس مُعظم الأطعمة، بل كل الأطعمة، ويروون عن المسيح أنه قال لهم: (ما حللتم في الأرض فهو محلول في السماء، وما عقدتم في الأرض فهو معقود في السماء).

الدين كمل وليس لأحد أن يزيد فيه

أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُبِح لعلماء أمته أن يُحلوا ويربطوا، ويحرِّموا ويبيحوا، ويشرعوا ويزيدوا، وينقصوا أبدا ...

فليس لعلماء المسلمين في الأرض، في مشارقها ومغاربها، وشمالها وجنوبها ... ولو اجتمعوا على صعيد واحد، في شكل مؤتمر أو مَجمَع، أو أي شيء من هذا: أن يزيدوا في دين الله، أو ينقصوا منه أبدا ...

لا يمكن لأحد أبدًا أن يزيد في هذا الإسلام أو ينقص منه، بعد أن أتمَّ الله نعمته بإكماله، وقد قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]، وقال صلى الله عليه وسلم: "قد تركتم على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك"[9].

الهالك هو مَن زاغ عن هذه المحجَّة البيضاء، التي صوَّرها النبي صلى الله عليه وسلم، بأنها: "ليلها كنهارها"، أي أنها مُشرقة مُنيرة، مُستبينة، واضحة، دائما أبدا.

ليس لأحد في الإسلام أن يزيد أو ينقص من شرائعه وفرائضه وعباداته، كما فعل النصارى في دينهم فشوَّهوه وأصبحت العقيدة نفسها تتصوَّر تبعا لتصوُّر المجامع التي تُعقد والمجالس التي تُدعى، فيُدعى مجمع ليجتمع، ويُقرِّر أن المسيح إله، وآخر يُقرِّر أن نصفه إله ونصفه إنسان، وأنه ناسوت دخل اللاهوت، ولاهوت امتزج بالناسوت، إلى آخره[10] ... ليس في الإسلام شيء من ذلك، ولا يملك أحد أن يفعل هذا أبدًا ... ولو أن بعض المسلمين ابتدعوا في الدين، فإن الراسخين في العلم يقفون لهم بالمرصاد، ويردُّون عليهم بدعهم وضلالاتهم، ويرمونها بأنها في النار وبئس القرار.

"مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ".

حديث يدلُّ المسلمين على أن يقفوا عند حدود دينهم، وعند حدود شرائعهم، فليس من حقهم التشريع، وليس من حقهم أن يبتكروا ... إن التشريع المُطلق من حق الله عز وجل ... وهذا من تمام الوحدانية.

من شرَّع فقد تألَّه

التشريع المُطلق من حق الخالق الرازق المُنعم المالك للأمر، المُدبِّر للأمر كله.

أما أن يدَّعي الناس أن لهم الحق في أن يشرِّعوا ما شاء لهم الهوى وما شاء لهم عقلهم، فإن الله لا يرضى بذلك أبدا.

دخل عدي بن حاتم وكان نصرانيًا قد أسلم، على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ سورة التوبة، حتى وصل إلى قوله تعالى في أهل الكتاب: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة:31].

فقال يا رسول الله ما اتخذناهم أربابا، وما كنا نعبدهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إنهم لم يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلُّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه"[11].

العبادة: أن يزعموا أنهم يملكون حقَّ التشريع، وحقَّ التحليل والتحريم، فتطيعونهم وتتبعونهم في كل ما يفعلون ... ولو حرَّموا الحلال، وأحلُّوا الحرام! هذه عبادة من دون الله، هذا شرك الإنسان عن عبادة الله وحده إلى عبادة غير الله. ولهذا خُتمت الآية بقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].

الغلو في الدين مفسدة له

إن الدين أن يقف الإنسان عند حدود ربه، لا يتزمَّت، ولا يُغالي، ولا يُسرف، فقد ضاع الدين بين الغالين المسرفين وبين المقصرين.

إن بعض الناس يغلو في دينهم، كما غلا أهل الكتاب في دينهم، فيتزمتون، ويتنطعون، ويزيدون في الفرائض، ويزيدون في العبادات، ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أمر به الله عز وجل ... فهذا العمل مردود عليهم, وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن الغلو فقال: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"[12]، وقال: "هلك المتنطعون -أي المتزيدون المتزمتون- هلك المتنطعون، هلك المتنطعون"[13]، قالها صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وكرَّرها لأهميتها وعظم خطرها.

التنطع والغلو والتزيد في دين الله يفسد الدين على الناس[14]، ولهذا حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، نزعة من بعض أصحابه إلى الغلو وإلى التنطع قاومها بكل شدة، رأى أفكارًا نصرانية تنبت في البيئة الإسلامية، فطاردها وحاربها.

جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألوهن عن عبادة النبي، فأخبروا بها، فكأنهم تقالُّوها وقال بعضهم لبعض: ما لنا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وقد غُفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. وقال الثاني: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، مقالتهم فجمعهم وقام خطيبا فيهم وقال: "أيها الناس! إنما أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"[15].

فإن الله بعثه بالحنفية السمحة، بالدين الذي خُتم به الأديان، بالرسالة التي كمَّلت الرسالات، الرسالة العامة الخالدة، الرسالة التي تبقى إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، فهي رسالة لكل الأعصار، ولكل الأمصار، ولكل الأجيال، وللإنسانية في الشرق والغرب، للعرب والعجم، للحضري والبدوي، للناس كافة.

مثل هذه الرسالة لا بد أن يكون فيها من الفُسحة والسَّعة ما يجعل الناس يستطيعون أن يقوموا بأعمال دنياهم بجوار أعمال دينهم، فيعمل الإنسان لدنياه كأنه يعيش أبدا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا، {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77].

هكذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُعلِّم الناس التوسط والاعتدال، والوقوف عند حدود الله حتى لا يَغلُوا ولا يقصروا، فإن الغلو والتقصير مفسدان للدين، مفسدان للحياة، مفسدان لكل أمر. أن يقف الناس عند حدود الله، أن يلتزموا ما شرع الله، ولا يزيدوا ولا ينقصوا.

ابتداع في الدين وجمود في الدنيا!!

أما أن يتزيَّد الناس، وأما أن ينقصوا، فمعنى هذا أن يضيع الدين بين الناس، ولا يبقى منه شيء. لقد أباح الله للناس أن يبتدعوا ويبتكروا ويخترعوا في شئون الدنيا لا في شئون الدين، في شئون الدين وقوف والتزام، وفي شئون الدنيا ابتداع واختراع[16] ... ولكن للأسف، ما حدث للمسلمين أنهم جمدوا في شئون الدنيا، ووقفوا كالثور في الرحى، يدور ويدور، والمكان الذي انتهى إليه هو المكان الذي ابتدأ منه ... وأصبحوا عالة على غيرهم في العلم والصناعة والتقدم، هكذا جمدوا وتخلفوا ووقفوا في شئون الدنيا، بينما -للأسف- ابتدعوا في شئون الدين، ابتدعوا بدعا ما أنزل الله بها من سلطان ... شرعوا لأنفسهم عبادات وأذكارًا وأورادًا وصلوات وصيغا ما شرعها الله ولا رسوله، وزادوا في أشياء لم يشرعها الله ورسوله، وجاءوا في شئون الأولياء بتقديس وتعظيم وتبجيل لم يشرعه الله ورسوله، وصنعوا بالقبور أشياء لم يشرعها الله ورسوله، ولم يقفوا عند هذه الأمور، بل ابتدعوا أمورا كثيرة في شرع الله.

أصبحنا الآن نرى في دنيا المسلمين بدعا ومحدثات تريد أن تزحف على هذا الدين، فتقلعه من أصله، وتهدمه من أساسه، فلا يبقى لنا شرع، لا في شئوننا الشخصية، ولا في شئوننا الاجتماعية، ولا في شئوننا الاقتصادية، ولا في شئوننا السياسية، كل هذا تزحف عليه بدع، أفكار ونظم وتشريعات مبتدعة مستوردة، من هنا وهناك، من الشرق والغرب، لتُبعد شرع الله أن يحكم المسلمين، وأن يُحكم به المسلمون، ولا يمكن أن يداوي داء المسلمين، ويعالج مشكلاتهم، ويحل عقد حياتهم، إلا أن يقفوا عند حدود شرع الله، وأن يرجعوا إلى أمر الله، وأن يرفضوا كل شيء يأتيهم من هنا وهناك، ما دام مغايرا لشرعهم، مضادا لتعاليم دينهم، عليهم أن يقولوا لمَن يعمل على خلاف دينه وشريعته وعقيدته الإسلامية: إن عملك هذا مردود عليك ... هذا الذي تستورده عمل ليس عليه عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مردود عليك!

الوقوف عند شرع الله منجاة

إن الذي يُنجِّي المسلمين من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، هو هذا، أن يقفوا عند شرع الله، ولا يتعدُّوا حدود الله، وأن يعضُّوا على هذا بالنواجذ، ولا يفرِّطوا فيه قيد شبر، أو قيد أنملة ... فإن النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى العِرباض ابن سارية فقال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، موعظة وجِلت منها القلوب، وذَرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع، فأوصنا. فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، وإنه من يَعشْ منكم بعدي يرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثات الأمور، فإن كل مُحدَثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة"[17].

إن بعض الصحابة قد رأى بعض الاختلاف فأنكره، وقال لهم: إنكم لتعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الموبقات[18]. ذلك أنهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا ينظرون إلى الأشياء بمنظار مُعظَّم ... الشيء الصغير يظنونه كبيرا، لفرط حساسيتهم الروحية، ولسموِّهم بأنفسهم، وتحليقهم في أفق عال، فلما رأوا بعض الهَنَات في أيام الصحابة، قالوا: كنا نعد هذا من الموبقات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن لَبيد بن ربيعة كان يُنشد في عهده، في عصر الصحابة:

ذهب الذين يُعاش في أكنافهم    وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب.

فلما عاشت السيدة عائشة بعده، بخمسين سنة كانت تنشد هذا البيت وتقول: رحم الله لَبيدا، كيف لو عاش إلى زمننا هذا؟ ولما عاش بعدها بسنين ابن أختها عُروة بن الزبير كان ينشد هذا البيت ويقول: يرحم الله لَبيدا.. ويرحم عائشة، كيف لو عاشا إلى زماننا هذا[19]؟ فما بالكم بنا نحن؟! إنّنا نقول: يرحم الله لَبيدا، ويرحم الله عائشة، ويرحم الله عُروة، ويرحم الله ثلاثة عشر قرنا من المسلمين مضَوا، كيف لو عاشوا إلى زماننا هذا؟! كان أقل ما يقولون أن ينشدوا قول القائل:

هذا الزمان الذي كنا نحـاذره    في قول كعب وفي قول ابن مسعود

إن دام هذا ولم تُحدث له غِيَرُّ    لم يُبكَ ميتٌ ولم يُفرح بمولـــود

إنه -يا أيها المسلمون- لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أولها، ولم يصلح أولها إلا بهذا الإسلام العظيم، بالوقوف عند كتاب الله، وعند هدي رسول الله، وبمطاردة كل بدعة وافدة، وكل ضلالة مستوردة، وكل دخيل على عقيدة ودين هذه الأمة، يُفسد عليها عقائدها، ويُفسد عليها شرعها، ويفسد عليها حياتها، ويُبدل أمنها خوفا، ووحدتها فُرقة، وطمأنينتها قلقا واضطرابا.

لا ينجي هذه الأمة من بلاء الدنيا ومن عذاب الله في الآخرة، إلا أن تقف عند حدود الله، وأن نردَّ كل مستحدث وكل بدعة وكل ضلالة. والله المستعان، وهو ولي التوفيق. 


[1]- سبق تخريجه.

[2]- سبق تخريجه.

[3]- سبق تخريجه.

[4]- راجع ما ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم (1/183).

[5]- انظر: فيض القدير (1/30).

[6]- رواه أبو نعيم في الحلية (8/95)، وابن أبي الدنيا في الإخلاص والنية (22).

[7]- رواه الآجري في الشريعة صـ125، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم وضعف إسناده صـ13.

[8]- رواه مسلم في الجمعة (867)، وأحمد في المسند (14334)، والنسائي في صلاة العيدين (1578)، وابن ماجه في المقدمة (45)، عن جابر.

[9]- رواه أحمد في المسند (17142) عن العرباض بن سارية، وقال محققوه: حديث صحيح بطرقه وشواهده وهذا إسناد حسن، وابن ماجه في الإيمان (43)، والحاكم في المستدرك كتاب العلم (1/175)، والطبراني في الكبير (18/247)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4369).

[10]- دعي مجمع نيقيه عام 325م، للاجتماع لإيجاد حل اكليركي (كنسي) لمسألة ألوهية المسيح، فقد كان بعض القساوسة منهم آريوس ومَن تبعه، يرى أن المسيح ليس إلها ولا ابن إله، وبعد ثلاثة شهور من البحث أكد المجمع ألوهية المسيح وتكفير أريوس ومن تبعه وطرده وحرق الكتب التي لا تقول بألوهية المسيح.

[11]- رواه الترمذي في تفسير القرآن (3095)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف ليس بمعروف في الحديث، ورواه الطبراني في الكبير (17/92)، والبيهقي في الكبرى كتاب آداب القاضي (10/116)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2471).

[12]- رواه أحمد في المسند (1851)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير زياد بن الحصين فمن رجال مسلم، والنسائي في مناسك الحج (3057)، وابن ماجه في المناسك (3029)، عن ابن عباس.

[13]- رواه مسلم في العلم (2670)، وأحمد في المسند (3655)، وأبو داود في السنة (4608)، عن ابن مسعود.

[14]- انظر: ما ذكرناه في كتابنا (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) تحت عنوان: العيوب والآفات الملازمة للغلو في الدين.

[15]- متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (5063)، ومسلم في كتاب النكاح (1401)، وأحمد في المسند (13534)، والنسائي في النكاح (3217)، عن أنس بن مالك.

[16]- راجع ما ذكرناه عن ضرورة الاتباع في الدين والابتداع في أمور الدنيا في كتابنا: (من أجل صحوة راشدة) وكتابنا: (بينات الحل الإسلامي).

[17]- سبق تخريجه.

[18]- رواه البخاري في الرقائق (6492)، وأحمد في المسند (12604)، عن أنس.

[19]- روى ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الأدب (5/275)، مختصرا، وابن عساكر في تاريخ دمشق (16441).

خطب ومحاضرات : محاضرات عامة
فضل ليلة القدر.. د.يوسف القرضاوي

د.يوسف القرضاوي - موقع القرضاوي/2-10-2007

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوما في أول شهر رمضان: "إن هذا الشهر قد حضركم، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم"[1]                                 (صدق رسول الله).

ليلة خير من ألف شهر

من فضائل هذا الشهر أن الله سبحانه وتعالى خصَّه بهذه الليلة الكريمة، ليلة القدر، ليلة هي خير من ألف شهر، أي هي أفضل من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ... العبادة والطاعة فيها أفضل من الطاعة والعبادة في ألف شهر ليست فيها هذه الليلة، وألف شهر ليست بالزمن القصير، ولا بالشيء الهيِّن، ألف شهر: ثلاثة وثمانون عاما وأربعة أشهر، ليلة واحدة يستطيع الإنسان أن يكسب فيها عمرًا مديدا طويلاً، هو ثلاثة وثمانون عامًا.

إن الناس يعتبرون من عمّر إلى الثمانين فقد عمّر وعاش عمرا طويلا، فقد قال الشاعر زهير بن بي سلمى:

سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومَن يعش     ثمانينَ حولاً لا أبا له يســأمِ

ويقول آخر:

 إن الثمانين، وبُلغتَـهـا          قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

فهذه ثلاثة وثمانون عامًا وأربعة أشهر ... عمر مديد يستطيع الإنسان أن يكسبه في ليلة واحدة يقومها لله عز وجل، يتعبَّد له، يذكره ويشكره ويحسن عبادته ويتضرع إليه، ويقف على بابه خاشعًا ضارعًا، تائبًا منيبًا، داعيا، قائلاً ما قال أبوه وأمه، آدم وزوجه من قبل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23].

لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن مَن حُرم خير هذه الليلة فقد "حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم"، لا يُحرم خيرها إلا شقي، حُرم من رحمة الله عز وجل؛ لأنه ضيَّع الفرصة وهي مواتية له، وهي أمامه، وهي بين يديه، فرصة مُحدَّدة في شهر واحد، بل في العشر الأواخر من هذا الشهر، مُحدَّدة في أنها تلتمس في العشر الأواخر من رمضان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان"[2]، "من كان مُتحرِّيًا ليلة القدر فليتحرَّها في العشر الأواخر من رمضان"[3].

عشر ليال فقط، يقومها الإنسان لربه، يُغفر له فيها ما تقدَّم من ذنبه، كما جاء في الحديث الصحيح: "مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه"[4].

أي مكسب وأي ربح، أن يخرج الإنسان في ليلة واحدة مغفور الذنوب، مكفَّر السيئات، طاهرا مُطهَّرًا كيوم ولدته أمه، أن يولد ميلادًا جديدا، بليلة واحدة يقومها لله عز وجل، أو بعشر ليال أو بتسع ليال.

هل كثير على الإنسان أن يتعب بعض الليالي لربه، ليال عشر، أو تسع إذا كان رمضان تسعا وعشرين ... وكثيرًا ما يكون تسعة وعشرون يومًا ... أي صعوبة في هذا اليوم؟

إن فرص المغفرة والرحمة، وأبواب المغفرة والرحمة مُفتَّحة أمامنا، ولكننا لا نلجها، ولكننا لا نجد العزيمة التي تدفعنا إلى عمل الخير وخير العمل.

"إن هذا الشهر قد حضركم، فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرم خيرها فقد حُرم، ولا يُحرم خيرها إلا محروم".

هذه هي ليلة القدر التي: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ  * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:4،5].

ليلة رحمة، وليلة سلام، وليلة خير، وليلة بركة، وليلة مضاعفة للأجر وللحسنات.

بما شرّف الله هذه الليلة؟

هذه هي الليلة التي شرَّفها الله وكرَّمها، وإنما شرَّفها وكرَّمها لأنه أنزل فيها أعظم كتاب، أنزل فيها الكتاب الخالد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنزل فيها القرآن، قانون السماء لهداية الأرض، ودستور الخالق لإصلاح الخلق ...

الكتاب الذي مَن علمه سبق، ومَن قال به صدق، ومَن حكم به عدل، ومَن عمِل به أجر، ومَن دعا إليه هدى إلي صراط مستقيم.

شرَّف الله هذه الليلة بفضل القرآن الكريم: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1].

كما شرَّف الشهر كله (رمضان) لأنه أنزل فيه {الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185].

إن هذا يدفعنا إلى أن نُراجع أنفسنا من هذا الكتاب ... من كتاب الله ... من القرآن العظيم، القرآن المجيد.

إن الله فضل هذا الشهر (رمضان) بسبب القرآن، وفضل هذه الليلة (ليلة القدر) بسبب القرآن ...

فماذا يكون موقفنا نحن إذا هجرنا القرآن؟ وأعرضنا عن القرآن؟ كيف نقف بين يدي الله؟ وكيف نُخاصم رسول الله؟ حينما يقول: {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} [الفرقان:30].

الدعاء.. الدعاء

علينا - أيها الإخوة - أن ننتفع بالقرآن العظيم، علينا أن نرجع إلى القرآن الكريم، علينا أن نأخذ عبرة من ليلة القدر، ومن شهر رمضان، لنراجع أنفسنا وموقفنا من كتاب الله ...

إن الله سبحانه وتعالى أعطانا هذه الليلة، أعطاها كرامة لهذه الأمة، ليلة القدر ... لندعو ونتضرع إليه، ونتعبد له، ونقوم بذكره وشكره وحُسن عبادته، ولا نُضيِّع هذه الليلة في اللهو والعبث وفارغ الكلام، بل نقوم هذه الليلة في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وتلاوة القرآن وعمل الخير ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

ندعو الله بكل ما تتمناه قلوبنا ... قالت عائشة: إذا صادفت ليلة القدر وعلمت أي ليلة هي يا رسول الله ... ماذا أقول؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنَّي"[5]، خير ما يطلب المسلم العفو والعافية ... كما كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه: "العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة"[6].

وكان أكثر ما يدعو: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201].

ليلة واحدة هي خير من ألف شهر، لا ينبغي أن يضيعها المسلم، إن الله سبحانه وتعالى أخفى عنا هذه الليلة لحكمة أرادها، كما أخفى عنا اسمه الأعظم بين أسمائه الحسنى، لندعوه بأسمائه كلها: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180]، وكما أخفى عنا ساعة الإجابة، في يوم الجمعة لنحرص على الدعاء في اليوم كله، وهكذا أخفى عنا هذه الليلة، لنحرص في رمضان على الطاعة، ونحرص أكثر وأكثر في العشر الأواخر من رمضان، عسى أن يتقبل الله تعالى منا، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم، إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله[7].

النبي في العشر الأواخر:

أحيا ليله كله بالطاعة، وأيقظ له أهله، أيقظ زوجاته، ليأخذن بحظِّهن من الطاعة والعبادة، في هذه الليالي الأخيرة التي هي مسك الختام ... لهذا الشهر المبارك العظيم.

كان صلى الله عليه وسلم، يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ... حتى لحق بالرفيق الأعلى، وكانت زوجاته يعتكفن من بعده[8].

وهكذا ظلَّ الاعتكاف سُنة في رمضان، وخاصة في العشر الأواخر منه.

الاعتكاف: الانقطاع عن الناس لله عز وجل، فترة من الزمن. وهي سُنة، قلَّ من الناس مَن يحييها.

أيها الإخوة المسلمون: هذه هي ليلة القدر فاحرصوا عليها، وتحرُّوا أن تقوموها، وأن تحيوها، إحياء الليل.

انظروا إلى هذه العبارة: (إحياء ليلة القدر)، كأن الليلة التي لا طاعة فيها ولا عبادة ... ليلة ميتة، الزمان الذي لا يُملأ ولا يُعمَّر بطاعة الله زمان ميت ... زمان خرب ... فاعمر زمانك، واعمر أيامك وأحيها بطاعة الله ... يُحيي الله قلبك يوم تموت القلوب.

نسأل الله عز وجل أن يجعل لنا حظا من هذه الليلة، وأن يكتبنا فيها من المغفور لهم، وأن يجعل حظنا من هذا الشهر الكريم القبول والرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنه سميع قريب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


[1]- سبق تخريجه.

[2]- رواه البخاري في صلاة التراويح (2021)، وأحمد في المسند (2352)، وأبو داود في الصلاة (1381)، عن ابن عباس.

[3]- رواه البخاري في أبواب التهجد (1156)، والطبراني في الأوسط (7/176)، عن ابن عمر.

[4]- سبق تخريجه.

[5]- سبق تخريجه.

[6]- سبق تخريجه.