الصفحة الرئيسية:كتب:الإسلام والفن :
ابحث في موقع القرضاوي
الإثنين 10 يناير 2005
كتب: الإسلام والفن
مقـدمـة

الحمد لله ،  والصلاة والسلام على رسول الله ،وعلى اله وصحبه من اتبع هداه .

أما بعد  . . .

 

فقد قلت في كتابي « بينات الحل الإسلامي »: لعل« الفن » هو أكثر ما يشغب   به على دعاة « الحل الإسلامي » فهم يقولون: إنكم تدعون إلى حياة تحرم فيها البسمة على كل فم ، والبهجة على أي قلب ، و الزينة في أي موقع ، والإحساس بالجمال في أي صورة .

 

وأحب أن أقول : إن هذا الكلام لا أساس له من دين الله . وإذا كان روح الفن هو شعور بالجمال ، والتعبير عنه ، فالإسلام أعظم دين – أو مذهب – غرس حب الجمال والشعور به في أعماق كل مسلم .

 

وقاري ء القرآن يلمس هذه الحقيقة بوضوح وجلاء وتوكيد ، فهو يريد من المؤمنين أن ينظر إلى الجمال مبثوثاً في الكون كله، في لوحات  ربانية رائعة الحسن ، أبدعتها يد الخالق المصور ، الذي أحسن خلق كل شيء ، وأتقن تصوير كل شيء : (الَذِي أََحُسَنَ كلَ شَيُءٍ خَلَقَه(  السجدة(7) ، ( مَّا تَرَى فِي خَلُقِ الُرَحُمَن مِن تَفَوتُ) الملك(3) ، ( صنُع اللَهِ الَذِي أََتُقَنَ  كُلَ شَيُ ء ) النمل(33) .

 

ثم نري القرآن الكريم يلفت الأنظار ، وينبه العقول والقلوب ،  إلي الجمال الخاص لأجزاء الكون ومفرداته . .                

إن القرآن بهذا كله ، وبغيره ، يريد أن يوقظ الحس الإنساني ، حتى‌ يشعر بالجمال الذي أودعه الله فينا وفي الطبيعة من فوتنا ، ومن تحتنا ، ومن حولنا . و أن نملأ عيوننا وقلوبنا من هذه البهجة ، وهذا الحُسن المبثوث في الكون كله .

 

وبعض الحضارات تغفل هذا الجانب و توجه أكبر همها إلى محاولات الإنسان إلى‌ نقل جمال الطبيعة على حجر أو ورق ، أو غير ذلك ، فهو يرى السماء أو البحر أو الجبل ، أو الأنعام ،ولا يلتفت إلي فيها من سر الجمال الإلهي ، و إنما يلتفت  إليها حين تنفل إلي لوحة ، أو صورة مشكلة ، فليت شعري أيهما أهم وأقوي تأثيراً في النفس البشرية : الأصل الطبيعي أم الصورة المقلدة ؟

 

 إن الإسلام يحيي الشعور بالجمال ، ويؤيد الفن الجميل ، ولكن بشروط معينة ، بحيث يصلح ولا يفسد ، ويبني ولا يهدم . 

 وقد أحيا الإسلام ألواناً من الفنون ، ازدهرت في حضارته وتميزت بها عن الحضارات الأخرى مثل فن الخط والزخرفة والنقوش : في المساجد ، والمنازل ، والسيوف ، والأواني النحاسية والخشبية والخزفية وغيرها .

 

كما اهتم بالفنون الأدبية التي نبغ فيها العرب من قديم ، وأضافوا إليها ما تعلموه من الأمم الأخرى ، وجاء القرآن يمثل قمة الفن الأدبي ، وقراءة القرآن وسماعه عند من عقل وتأمل إنما هما غذاء للوجدان والروح لا يعدله ولا يدانيه غذاء ، وليس هذا لمضمونه ومحتواه فقط ، بل لطريقة أدائه أيضاً ، وما يصحبها من ترتيل وتجويد وتحبير تستمتع به الآذان ، وتطرب له القلوب  ، وخصوصاً إذا تلاه قاري ء حسن الصوت  ، ولهذا قال النبي ( صلي الله عليه وسلم ) لأبي موسى : «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود » رواه البخاري والترمذي.

 

ولا مرا ء في أن موضوع «الفن » موضوع في غاية الخطر والأهمية ، لأنه يتصل بوجدان الشعوب و مشاعرها ، و يعمل على تكوين ميولها و أذواقها ، واتجاهاتها النفسية ، بأدواته المتنوعة والمؤثرة ، مما يسمع أو يقرأ ، أو يرى أو يحس أو يتأمل .

 

ولا مراء في أن الفن كالعم ، يمكن أن يستخدم في الخير والبناء ، أو في الشر و الهدم ، و هنا خطورة تأثيره  .

ولأن الفن وسيلة إلى مقصد ، فحكمه حكم مقصده ، فإن استخدم في حلال فهو حلال ، و إن استخدم في حرام فهو حرام . 

وقد عرضت لموضوع « الفن » وموقف الإسلام منه ، في أكثر من كتاب لي ، عرضت له في كتابي « الحلال والحرام في الإسلام »  في فضل  « اللهو والترفيه في حياة المسلم » ، وفي الحديث عن الصور والتصوير ، وفي مواضع أخرى .

 

وعرضت له في كتابي « فتاوى معاصرة » في جزئه الأول ، وجزئه الثاني ، في فتاوى متعددة حول التصوير والغناء ، بآلة وبغير آلة ، و الدين و الضحك ، و اللعب و الشطرنج ، و غيرها .

 

وعرضت بتفصيل أو في هذا البحث الذي يتناول « الفنون » بأنواعها المتخلفة ، المسموع منها والمشاهد ، وألوان اللهو واللعب ما يضحك وما يبكي ، وذلك باعتباره ملمحاً بارزاً من « ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده » . وفصل الفن واللهو فصل أساسي من كتابنا هذا عن ملامح المجتمع .

 

وقد قرأ بعض الإخوة من الدعاة وأهل العلم والفكر هذا البحث ، أو هذا الفصل ، فوجدوه وافياً في موضوعه ، مقنعا في أدلته ، أصيلاً في نظرته، معاصراً بواقعيته ، فطلبوا  إلي أن أفرده بالنشر ، ليعم النفع به ، فقد لا يلتفت الناس إليه وهو جزء‌ من كتاب كبير ، وقد يتعسر على بعض الناس شراؤه .

 

فلم أجد بداً من الاستجابة لهم ، راجيا أن ينفع الله بهذا البحث كل من قرأه ، وأن يجزي خيراً كل من شهره ونشره .                    

وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين .

 

القاهرة : ربيع الأول 1416هـ

أغسطس ( آب ) 1995 م .

د . يوسف القرضاوي

كتب: الإسلام والفن
غياب الحقيقة بين الغلو والتفريط

لعل أغمض الموضوعات وأعقدها فيما يتعلق بالمجتمع المسلم :‌ اللهو والفنون .

وذلك أن أكثر الناس وقعوا في هذا الأمر بين طرفي الغلو والتفريط . نظراً لأنه أمر يتصل بالشعور والوجدان ، أكثر مما يتصل بالعقل والفكر ، وما كان شأنه كذلك فهو أكثر قبولا للتطرف والإسراف من ناحية ، في مقابلة التشدد والتزمت من ناحية أخرى .

 

فهناك من يتصورون المجتمع الإسلامي مجتمع عبادة ونسك ، ومجتمع جد وعمل ، فلا مجال فيه لمن ويلعب ، أو يضحك ويمرح ، أو يغني ويطرب . لا يجوز لشفة فيه أن تبتسم ، ولا لسن أن تضحك ، ولا لقلب أن يفرح ، ولا لبهجة أن ترتسم على وجوه الناس ! !

 

وربما ساعدهم على ذلك سلوك بعض المتدينين ، الذين لا ترى أحدهم إلا عابس الوجه ، مقطب الجبين ، كاشر الناب ،  وذلك لأنه إنسان يائس أو فاشل أو مريض بالعقد والالتواءات النفسية ، ولكنه برر ذلك السلوك المعيب باسم الدين ، أي أنه فرض طبيعته المنقبضة المتوجسة على الدين ، والدين لا ذنب له ، إلا سوء فهم هؤلاء له ، وأخذهم ببعض نصوصه دون بعض .

 

وقد يجوز لهؤلاء أن يشددوا على أنفسهم إذا اقتنعوا بذلك ، ولكن الخطر هنا : أن يعمموا هذا التشديد على المجتمع كله ، ويلزموه برأي رأوه ،  في أم عمت به البلوى ، ويمس حياة الناس كافة .

 

وعلى العكس من هؤلاء : الذين أطلقوا العنان لشهوات أنفسهم ، فجعلوا الحياة كلها لهوا ولعبا ، وأذابوا الحواجز بين المشروع والممنوع . . . بين المفروض والمرفوض . .  . بين الحلال والحرام .

 

فتراهم يدعون إلي الانحلال ، ويروجون الإباحية ، ويشيعون الفواحش ما ظهر منها وما بطن باسم الفن ، أو الترويح ، و نسوا أن العبرة بالمسميات والمضامين ، لا بالأسماء والعناوين . والأمور بمقاصدها .

 

لهذا كان لا بد من نظرة منصفة إلي الموضوع – بعيداً عن إفراط هؤلاء ، وتفريط أولئك – في ضوء النصوص الصحيحة الثبوت ، الصريحة الدلالة ، وفي ضوء مقاصد الشريعة وقواعد الفقه المقررة  كذلك .

 

ولا أستطيع في هذا المجال التفضيل ، فقد كتبت في مفردات الموضوع في أكثر من كتاب لي . وخصوصا في « الحلال والحرام في الإسلام » ، و ((‌ فتاوى معاصرة )) الجزء الأول والجزء الثاني . . وعلى الأخص الثاني .

 

كتب: الإسلام والفن
واقعية‌ الإسلام في التعامل مع الإنسان كله

والخلاصة التي أود أن أذكرها هنا تتمثل في هذه المباديء أو الحقائق :

إن الإسلام دين واقعي ، فهو يتعامل مع الإنسان كله : جسمه وروحه ، وعقله ووجدانه ، ويطالبه أن يغذيها جميعا ، بما يشبع حاجتها ، في حدود الاعتدال ، الذي هو صفة (( عباد الرحمن )) : ( وَ اُلَذِينَ إِذَا أَنفَقواُ لَمُ يقُترواُ وَ كاَنَ بَيُنَ ذَلِكَ قَوَاَمَا ) الفرقان 67 بلفظ ( والذين . . . )  ، وليس هذا خلقهم في أمر المال فقط ، بل هو خلق أساسي عام في كل الأمور ، هو المنهج الوَسَط للأمة الوسَطَ .

 

وإذا كانت الرياضة تغذى الجسم ، والعبادة تغذى الروح ، و العلم يغذى العقل ، فإن الفن يغذى الوجدان .

ونريد بالفن : النوع الراقي الذي يسمو بالإنسان ، لا الذي يهبط به .

 

*       *       *

القرآن ينبه على عنصري المنفعة والجمال في الكون :

وإذا كانت روح الفن هي الإحساس بالجمال وتذوقه ، فهذا ما عني القرآن بالتنبيه وتأكيده في أكثر من موضع .

 

فهو يلفت النظر بقوة إلي عنصر (( للحسن  )) أو (( الجمال )) الذي أودعه الله في كل ما خلق ، إلي جوار عنصر (( النفع )) أو (( الفائدة ))‌فيها .

 

كما أنه شرع للإنسان الاستمتاع بالجمال أو «الزينة » مع المنفعة‌ أيضاً .

يقول الله تعالي في معرض الامتنان بالأنعام : (وَ الأَنُعَمَ خَلَقَها لَكمُ فِيهَا دِفُ ء“ وَمَنَفِع وَ مِنُهَا تَأُكلونَ) النحل (5) ، و في هذا تنبيه على جانب المنفعة والفائدة ، ثم يقول : ( وَ لَكمُ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ ترِيحونَ وَ حِينَ تَسُرَحونَ) النحل (6) ، فهذا تنبيه على جانب الجمالي ، حيث يلفتنا إلى هذه اللَوحة الربانية الرائعة‌، التي لم ترسمها يد فنان مخلوق ، بل رسمتها يد الخالق سبحانه .

 

و في نفس السياق يقول سبحانه : ( وَ الُخَيُلَ وَ الُبِغَالَ وَ الُحَمِيرَ لِتَرُ كَبوها وَزِينَة ) النحل (8)  فالركوب يحقق منفعة مادية مؤكدة ، أما الزينة فهي متعة جمالية فنية ، بها يتحقق الكامل للوفاء بحاجات الإنسان ، كل الإنسان .

 

و في هذا السياق من نفس السورة امتن الله تعالي بتسخير البحر فقال : ( وَ هوَ الَذِي سَخَرَ الُبَحُرَ لِتَأُكلواُ مِنُه لَحُمَاَ طَرِيَاَ وَ تَسُتَخُرِجواُ مِنُه حِلُيَةَ تَلُبَسونَهَا ) النحل (14)  ، فلم يقصر فائدة‌ البحر على العنصر المادي المتمثل في اللحم الطري الذي يؤكل ، فينتفع به الجسم  ، بل ضم إليه الحلية التي تلبس للزينة ، فتستمتع بها العين والنفس .

 

وهذا التوجيه القرآني تكرر في أكثر من مجال ، ومن ذلك : مجال النبات والزرع والنخيل والأعناب والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه ، يقول تعالى في موضع من سورة الأنعام : ( كلواُ مِن ثَمَرِهِ إذا أَثُمَرَ وَ ءَ تواُ حَقَه, يَوُمَ حَصَادِهِ وَ َلا تسُرِ فواُ ) الأنعام(141)

و في موضع آخر من نفس السورة يقول بعد ذكر الزرع و جنات النخيل والعنب ( انظرواُ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثُمَرَ وَيَنُعِهِ ج إِنَ فِي ذَلِكمُ َلايَتِ لِقَوُمَ يؤُمِنونَ) الأنعام(141)

 

فكما أن الجسم في حاجة إلي الاستمتاع بالنظر إلي ثمره إذا أثمر  ينعه . و بهذا يرتفع الإنسان أن يكون همه الأول أو الأوحد هو هم البطن !

و مثل ذلك قوله تعالي : ( يَبَنِي ءَ آدَمَ خذواُ زِينَتَكمُ عِندَ كلِ مَسُجِدِ وَ كلواُ وََلا تسُرِفواُ ج إِنَه, َلا يحِب الُمسُرِفِينَ (31)  قلُ مَنُ حَرَمَ زِينَةَ‌ اللَهِ الَتِي أَخُرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَيِبَاتِ مِنَ الرِزُقِ) الأعراف(31)؟ .

 

فأخذ الزينة‌ لجاجة‌‌ الوجدان ، والأكل و الشرب لحاجة الجثمان ، و كلا هما مطلوب .

و كذلك نجد الاستفهام الإنكاري في الآية الثانية‌ ينصب علي أمرين : تحريم (الطَيِباَتِ مِنَ الرِزُقِ) و ( زِينَةَ اللهِ ) ، تجسد عنصر الجمال الذي هيأه الله لعباده ‌، بجوار عنصر المنفعة‌ الذي يتمثل في ( الطَيِبَاتِ ِمنَ الرِزُقِ ) .. و تأمل هذه الإضافة‌ كلمة « زينة » - إلي لفظ الجلالة : ( زِينَةَ اللَهِ ) ففيها تشريف لهذه الزينة و تنويه بها .

 

و في هذا السياق جاء قبل هاتين الآيتين قوله تعالي في شأن اللباس : ( يَبَنِي ءَ آدَمَ قَدُ أَنزَلُنَا عَلَيُكمُ لِبَاسَاَ يوَارِي سَوُءَتِكمُ وَريشَاَ وَ لِبَاس‘ التَقُوَى ذَلِكَ خَيُر“ ) الأعراف(26) ، فقد جعلت الآية اللباس – الذي امتن الله تعالي بإنزاله – أنواعاً ، و إن شئت قلت : جعلت له مقاصد و مهمات: مقصد «الستر» المعبر عنه بقوله : ( يوَارِي سَوُءَتِكمُ ) ، و مقصد «التجمل والزينة‌ » المعبر عنه بقوله :‌ (وَرِيشَاَ ( 26 ) ) و مقصد «الوقاية» من الحر والبرد ، المعبر عنه بقوله : (وَلِبَاس التَقُوَى ) .

 

كتب: الإسلام والفن
المؤمن عميق الإحساس بالجمال في الكون و الحياة والإنسان

إن المتجول في رياض القرآن يري بوضوح :‌ أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن و قلبه الشعور بالجمال المبثوث في أجزاء الكون من فوقه و من تحته و من حوله : في السماء‌ ، و الأرض ، و النبات ، و الحيوان ، والإنسان .

 

في جمال السماء يقرأ قوله تعالي : ( أَفَلَمُ يَنظرواُ إِلَى السَمَاءِ فَوُقَهمُ كَيُفَ بَنَيُنَهَا وَ مَا لَهَا مِن فروِجِ) سورة ق (6).

(وَلَقَدُ جَعَلُنَا فِي السَمَاءِ بروجَاَ وَزَيَنَهَا لِلنَاظِرِينَ) سورة (16).

وفي جمال الأرض و نباتها يقرأ : ( وَالُأَرُضَ مَدَدُنَهَا وَأَلُقَيُنَا فِيهَا رَوَسِيَ وَأَنبَتُنَا فِيهَا مِن كلِ زَوُجِ بَهِيِجِ) سورة ق (7).

(وَأَنزَلَ لَكم مِنَ السَمَاءِ مَاءَ فَأَنبَتُنَا بِه حَدَائِقَ ذَاتَ بَهُجَةِ ) سورة النمل(60) .

 

و في جمال الحيوان يقرأ ما ذكر ناه قبل عن الأنعام : ( وَ لَكمُ فِيهَا جَمَال‏‏ حِينَ ترِيحونَ وَ حِينَ تَسرَحونَ) سورة النحل (6) .

و في جمال الإنسان يقرأ: (وَ صَوَرَكمُ فَأَحُسَنَ صوَرَكمُ ) سورة التغابن(3) ، (الَذِي خَلَقَكَ فَسَوَك فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِ صوَرَةِ مَا شَاءَ رَكَبَكَ (8) ) سورة الانفطار.

 

إن المؤمن يري يد الله المبدعة في كل ما يشاهده في هذا الكون البديع ،و يبصر جمال الله في جمال ما خلق و صور ، يري فيه ( صنُعَ اللَهِ الَذِي أَتُقَنَ كلَ شَيُءٍ ) سورة النمل(33) ، ( الَذِي أَحُسَنَ كلَ شَيُءٍ‌ خَلَقَه, ) سورة السجدة(7).

 

و بهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله ؛ لأنه أثر جمال الله جل و علا .

و هو يحب الجمال كذلك ؛ لأن «الجميل» اسم من أسمائه تعالي الحسنى و صفة من صفاته العلا .

و هو يحب الجمال أيضاً ، لأن ربه فهو جميل يحب الجمال .

 

كتب: الإسلام والفن
إن الله جميل يحب الجمال

و هذا ما علمه النبي (صلي الله عليه و آل وسلم ) لأصحابه ، وقد توهم بعضهم أن الولع بالجمال ينافي الإيمان ، أو يدخل صاحبه في دائرة‌ الكبر المقيت عند الله ئ عند الناس .

 

روي ابن مسعود أن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ‌) قال : «لا يدخل الجنة‌ مَن كان في قلبه مثقالَ ذَرَة ن كِبُر » ، فقال رجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، و نعله حسنة‌ . قال : «إن الله جميل يحب الجمال ، الكِبُر بطر الحق  و غمط الناس» رواه مسلم .

 

كتب: الإسلام والفن
القرآن معجزة جمالية

و القرآن الكريم آية الإسلام الكبرى ، و معجزة‌ الرسول العظمي : يعتبر معجزة جمالية ، إضافة إلى أنه معجزة عقيلة ، فقد أعجز العرب بجمال بيانه ، وروعة نظمه و أسلوبه ، و تفرد لحنه و موسيقاه ، حتى سماه بعضهم : سحراً .

 

و قد بين علماء البلاغة‌ و أباء العربية وجه الإعجاز البياني أو الجمالي في هذا الكتاب ، منذ عبد القاهر إلى الرافعي وسيد قطب و بنت الشاطي ء و غير هم في عصرنا .

 

و من المطلوب في تلاوة القرآن أن ينضم جمال الصوت و الأداء إلي جمال البيان و النظم . و لهذا قال تعالى : ( وَرَتِلِ الُقرُءَانَ تَرُتيَلًا) المزمل (4) .

 

و قال الرسول (صلي الله عليه و آل و سلم ) : « زينوا القرآن بأصواتكم »رواه مسلم ، و في لفظ آخر : « فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً» (رواه باللفظ الأول : أحمد و أبو داود والنسائي وابن ماجه ابن حبان والداري ، و باللفظ الآخر : الدارمى والحاكم ، كلهم عن البراء كما في صحيح الجامع الصغير (3580)، (3581) )

 

و قال : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن » (رواه البخاري عن أبي هريرة ،‌ ورواه آخرين عن عدد من الصحابة. بألفاظ أ‏‏‘خر. ) ، ولكن التغني المطلوب لا يعني التلاعب أو التحريف .

 

و قال عليه الصلاة و السلام لأبي موسى :«لو رأيتني و أنا أستمع قراءتك البارحة‌ ! لقد أوتيت مزاراً من مزامير آل داود » !

فقال أبو موسى : « لو علمت ذلك لحبرته لك تحبيراً » ! ! (رواه المسلم عن ربيع موسى ، ورواه البخاري وغيره عن جمع من الصحابة بألفاظ أخر)  يعني : زدت في تجويده  إتقانه و تحسين الصوت به .

 

و قال : «ما أذن الله لشيء ، ا أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ، يجهر به » (رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ، كما في صحيح الجامع الصغير ( 5525 )) .

 

و لقد سمعت شيخنا الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله يحكي لنا عن موقف له المجلس الأعلى الإذاعة‌ ، و قد كان عضواً فيه : أنهم أرادوا أن يجعلوا وقت قراءة القرآن في الافتتاح والختام و بعض الفترات محسوباً على نصيب الدين فقط . إنه استمتاع أيضاً بالفن والجمال المودع في القرآن ، و المؤدي بأحسن الأصوات .

 

وهذا صحيح .. فالقرآن دين و علم وأدب و فن معاً . فهو يغذي الروح ، و يقنع العقل ‌، ويوقظ ، الضمير ، ويمتع العاطفة ، و يصقل اللسان .

 

كتب: الإسلام والفن
التعبير عن الجمال

وإذا كان الإسلام قد دعا إلي الإحساس بالجمال و تذوقه وحبه ، فإنه قد شرع التعبير عن هذا الإحساس والتذوق والحب بما هو جميل أيضاً .

 

كتب: الإسلام والفن
فنون القول والأدب

و أبرز ما يتجلى ذلك من فنون القول من الشعر والنثر والمقامة والقصة والملحمة ، وسائر فنون الأدب ، و قد استمع النبي ( صلي الله عليه وآل و سلم ) إلي الشعر و تأثر به ، و منه قصيدة كعب بن زهير الشهيرة « بانت سعاد » و فيها من الغزل ما هو معروف ، و قصيدة النابغة الجعدي ،و دعا له ، ووظف الشعر في خدمة الدعوة والدفاع عنها ، كما صنع مع حسان . واستشهد بالشعر كما في قوله : «أصدق كلمة قالها شاعر : كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل » (متفق عليه عن أبي هريرة .)

 

واستشهد أصحابه بالشعر ، وفسروا به معاني القرآن ، بل منهم من قاله ، وأجاد فيه ، كما يروي عن علي كرم الله وجهه .وهناك عدد كبير من الصحابة شعراء .

 

و كثير من الأئمة الكبار كانوا شعراء ، مثل الإمام عبد الله بن المبارك ، والإمام محمد بن إدريس الشافعي وغيرهما .

وقال ( صلي الله عليه و آل و سلم ) « إن الشعر حكمة » (متفق عليه عن أبي ، وقد روي عن جمع من الصحابة‌، صحيح الجامع الصغير ( 2219 )) ، «إن من البيان لسحراً » (رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو  داود والترمذي عن ابن عمر . المصدر السابق ( 2216 ) ، «إن من البيان سحراً ، وإن من الشعر حكماً » (رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس . المصدر نفسه ( 2215 ))  .

 

و مفهوم الحديث أن من الشعر ما هو بعيد عن الحكمة ، بل هو نقيضها ، مثل شعر المديح بالباطل ، و الفخر الكاذب ، و الهجاء المتعدي ، والغزل المكشوف ، و نحو ذلك مما لا يتفق مع القيم الأخلاقية والمثل العليا .

 

و لهذا ذم القرآن الشعراء الزائفين والمزيفين ، الذين لا يتورعون عن شيء ، والذين تكذب أفعالهم أقوالهم . و ذلك في قوله تعالى : ( وَ الشّعَر َآ ء يَتَبِعهم ا لُغَا و,نَ (224 )  أَلَمُ تَرَ أَنَهمُ فِي كلِّ وَادِ يَهِمونَ (225 ) وَ أَنَهمُ يَقولونَ مَا لَا يَفُعَلونَ (226) إِلَا الَّذِيُنَ  ءَ ا مَنواُ وَعَمِلواُ الصَالِحَاتِ وَ ذَكَرواُ الَلهَ كَثِيَرَا وَانتَصَرواُ مِن بَعُدِ مَا ظلِمواُ ) (الشعراء)

 

فالشعر – والأدب عامة ، و الفن بوجه أعم – له هدف ووظيفة ، و ليس سائباً ، فهو شعر ملتزم ، و أدب ملتزم ، و فن ملتزم .

أما القوالب التي يظهر فيها الشعر أو الأدب فلا مانع من تغير و تطورها ، و اقتباس ما يلائمنا مما عند غيرنا . . المهم هو الهدف

والمضمون والوظيفة .

 

اختراع العرب قديماً قوالب في الشعر كالموشحات ، و غيرها . و لهذا لا بأس من قبول القوالب الجديدة في الشعر المعاصر . كالشعر الحر .

 

كذلك ابتر العرب في العصور الإسلامية قوالب أدبية كالمقامات ، و القصص الخيالية ، كما في « رسالة الغفران » ، و «ألف ليلة و ليلة » و ترجموا مثل « كليلة و دمنة » ، و ألف المتأخر ون الملاحم الشعبية مثل قصة‌ «عنترة » ، و « سيرة بني هلال » إلى غير ذلك القوالب .

 

و في عصرنا يمكننا أن نستحدث من القوالب ما شئنا ، و أن نقتبس من غيرنا ينفعنا ، كالمسر حية  الرواية و القصة القصيرة . و الذي نود تأكيد هنا هو ضرورة الالتزام بالعربية الفصحى ، و الحذر من المحاولات المشبوهة لترويج اللهجات العامية المختلفة للشعوب العربية ، فإنها تهدف إلى المباعدة بينها و بين القرآن و السنة ، كما تهدف إلى تثبيت الفرقة و التجزئة الإقليمية ، التي تحرس على بقائها القوي المعادية للعروبة و الإسلام.

 

و يغني عن ذلك اللغة السهلة التي تفهم الجماهير العربية بها نشرات الأخبار في الإذاعة و التلفاز ، و تفهم بها الصحف التي تطالعها كل يوم.

 

كما أن  الفصحى ، و لا يستطيعون التفاهم مع الجميل إلا بها .

و قد وجهت إلي في أكثر من مكان أسئلة حول شرعية بعض القوالب الإسلامية الأدبية كالمسرحية و القصة‌ ، حيث يخترع القصاص أو المؤ‌لف المسرحي شخصيات ،‌ و ينطقها بألقوال و أمور لم تحدث في الواقع ، فهل يدخل هذا دائرة الكذب المحرم شرعاً ؟

 

و كان جوابي : إن هذا لا يدخل في الكذب المحظور ؛ لأن السامع يعرف جيداً أن المقصود ليس هو إخبار القرى ء بوقائع حدثت بالفعل . إنما هو أشبه بالكلام الذي يحكي على ألسنة الطيور و الحيوانات ، فهو من باب التصوير الفني واستنطاق الأشخاص بما يمكن أن ينطقوا به في هذا الموقف . كما حكى القرآن عما تكلمت به «النملة » أو نطق به «الهدهد » أمام سليمان عليه السلام . فمن المؤكد لم يتحدثا بهذا الكلام العربي المبين ، إنما ترجم القرآن عما يمكن أن يكون قولها في هذا الوقت ، و ذلك الموقف .

 

و قد شاركت شخصياً في التأليف المسرحي بعملين :

أحدهما : مسرحية شعرية عن «يوسف الصديق » عليه السلام . و ذلك في مطلع حياتي الأدبية ، و أنا في السنة الأولى من المرحلة الثانوية ، و كنت متأثراً في ذلك بمسرحيات شوقي الشهيرة .

و الثاني : مسرحية تاريخية عن سعيد بن جبير والحجاج ابن يوسف ، سميتها « عالم وطاغية » و قد مثلت في أكثر من بلد ، و لاقت قبولاً حسناً . بخلاق الأولى ؛ لأنها تتعلق بقصة نبي مرسل ، والاتفاق بين علماء العصر منعقد على أن الأنبياء لا يمثلون .

 

كتب: الإسلام والفن
المقـدمـة

لقد تبين لنا فيما ذكرناه من خلال النصوص : عناية الإسلام بالجمال ، و حرصه على تربية تلك الحاسة التي تجعل الإنسان يشعر بالجمال و يتذوقه في مجالاته المتنوعة .

 

و من الجمال ما يتجلى لحاسة السمع ، و منه ما يتجلى لحاسة البصر ، و منه ما يتجلى لحواس أخرى .

 

و نريد هنا أن نتحدث عن « الجمال المسموع » ، و بعبارة أخرى : عن الغناء ، سواء أكان بالة موسيقية‌ أم بغير آلة ، و يلزمنا أن نجيب عن هذا السؤال الكبير : ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقي ؟

كتب: الإسلام والفن
ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ؟

سؤال يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة و أحيان شتى .

 

سؤال اختلاف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه ، و اختلاف سلوكهم تبعاً لاختلاف أجوبتهم ، فمنهم من يفتح أذنية لكل نوع من أنواع الغناء ، و لكل لون من ألوان الموسيقي مدعياً أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة أباح الله لعباده .

 

و منهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنية عند سماع أية أغنية قائلاً : إن الغناء مزمار الشيطان ، و لهو الحديث و يصد عن ذكر الله و عن الصلاة‌ و خاصة‌ إذا كان المغني امرأة ، فالمرأة – عندهم – صوتها عورة بغير الغناء ، فكيف بالغناء ؟ و يستدلون لذلك بآيات و أحاديث و أقوال .

 

و من هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى ، حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار .

 

ووقف فرين ثالث متردداً بين الفريقين ؛ ينحاز إلى هؤلاء تارة ،‌ وإلى أولئك طوراً ، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير ، الذي يتعلق بعواطف الناس و حياتهم اليومية ، و خصوصاً بعد أن دخلت الإذاعة – المسموعة والمرئية – على الناس بيوتهم ، بجدها و هزلها ، و جذبت إليها أسماعهم بأغانيها و موسيقاها طوعاً و كرهاً .

 

و الغناء‌ بآية – أي مع الموسيقى – و بغير آلة : مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى ، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى .

 

اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش  أو فسق أو تحريض على معصية ، إذ الغناء ليس إلا كلاماً فحسنه حسن ، و قبيحه قبيح و كل قول يشتمل على حرام ، فما بالك إذ اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟

و اتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات و الإثارة ، و ذلك في مواطن السرور المروعة ، كالعرس ، وقدوم الغائب ، و أيام الأعياد . . .

 

ونحوها ، بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها .

و قد وردت في ذلك نصوص صريحة – سنذكرها فيما بعد . و اختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً بيناً : فمنهم من أجاز كل غناء بآلة و بغير آلة ، ومنهم من منعه منعاً باتاً بآلة و بغير آلة‌ ، و عده حراماً ، بل ريما ارتقي به إلى درجة « الكبيرة » .

 

و لأهمية الموضوع نرى لزاماً علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل ، و نلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة ، حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام ، متبعاً للدليل الناصع ، لا مقلداً قول قائل ، و بذلك يكون على بينة من أمره ، و بصيرة من دينه .

 

كتب: الإسلام والفن
الأصل في الأشياء الإباحة

قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى : ( هوَ الَذِي خَلَقَ لَكم مَا فِي الُأَرُضِ جَمِيعَاَ ) (البقرة (29) ) ، و لا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى ، أو سنة رسوله ( صلي الله عليه و آله و سلم ) ، أو إجماع ثابت متيقن ، فإذا لم يرد نص ولا إجماع . أو ورد نص صريح غير صحيح ، أو صحيح غير صحيح ، بتحريم شيء من الأشياء ، لم يؤثر ذلك في حله ، و بقي في دائرة العفو الواسعة ، قال تعالى : ( وَقَدُ فَصَلَ لَكم مَا حَرَمَ عَلَيُكمُ إِلَا مَا اضُطرِرُتمُ إِلَيُهِ ) (الأنعام (119)) . و قال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، و ما حرم فهو حرام ، و ما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً » ، و تلا : ( وَ مَا كَانَ رَبكَ نَسِيَاَ (رواه الحاكم عن أبي الدر داء و صححه ، و أخرجه البزّار و الآية من سورة مريم(64) ) .

 

و قال : « إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، و سكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها »  (أخرجه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني ، و حسنه الحافظ أبو بكر ا لسمعا ني في أماليه ، والنووي في الأربعين .).

 

و إذ كانت هذه هي القاعدة ، فما هي النصوص و الأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء ، و ما موقف المجيزين منها ؟

 

كتب: الإسلام والفن
أدلة المحرمين للغناء و مناقشتها

( أ ) استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود و ابن عباس و بعض التابعين : أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوِ الحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا أولَيكَ لَهمُ عَذَاب مهِين) لقمان (6) ) ؛ و فسروا لهو الحديث بالغناء .

 

قال ابن حزم : « ولا حجة في هذا لوجوه :

أحدها : أنه لا حجة لأحد دون رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) .

و الثاني : أنه قر خالف غير هم من الصاحبة و التابعين .

والثالث : أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها ؛ لأن فيها : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوَ الُحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلَ اللَهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا ) ، و هذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف ، إذا اتخذ سبيل الله هزواً .

 

قال : « و لو أن امرءاً اشترى مصحفاً ليضل به عن سبيل الله ، و يتخذه هزواً ، لكان كافراً ! فهذا هو الذي ذم الله تعالى ، و ما ذم قط – عز و جل – من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه ، لا ليضل عن سبيل الله تعالى . فبطل تعلقهم بفول هؤلاء ، و كذلك من اشتغل عامداً عن الصلاة بقراءة القرآن  ،أو بقراءة السنن ، أو بحديث يتحدث به ، أو بغناء ، أو بغير ذلك ، فهو فساق عاص لله تعالى ، و من لم يضيع شيئاً من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن » (المحلى لابن حزم : 9/60 ) .

 

(ب) و استلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين : ( وَ إِذَا سَمِعواُ اللّغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه ) القصص(55) ، و الغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه .

 

و يجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو : سفه القول من السب والشتم و نحو ذلك ، و بقية الآية تنطق بذلك . قال تعالى : ( وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه وَقَالواُ لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلَم عَلَيُكمُ لَا نَبُتَغِي الُجَاهِلِيُنَ ) القصص (55) ، فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ( وَ إِذَا خَاطَبَهم الُجَاهِلونَ قَالواُ سَلَمَا) الفرقان (63)

 .

و لو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه  تمدحه ،‌و ليس فيها ما يوجب ذلك.

و كلمة «اللغو » ككلمة « الباطل » تعني ما لا فائدة فيه ، و سماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقاً ، أو يشغل عن واجب .

روي عن ابن جريج : أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات و لا في السيئات ؛ لأنه شبيه باللغو ، قال تعالى : (لا يؤَخِذ كم اللَه بِالَلغُو ِفِي أَيُمَانَكمُ ) (البقرة : 225 ، المائدة : 89 .) .

 

قال الإمام الغزالي  : « إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه و لا تصميم ، و المخالفة فيه – مع أنه لا فائدة فيه – لا يؤاخذ به ، فكيف يؤاخذ بالشعر و الرقص » ؟ ! (- إحياء علوم الدين ، كتاب « السماع » ص 1147 طبعة دار الشعب بمصر).

 

على أننا نقول : ليس كل غناءٍ لغواً ؛ إنه يأخذ حكمه و فق نية صاحبه ، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة ، و المزح طاعة ، و النية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة . باطنه الرياء : « إن الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم » (رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، كتاب « البر و الصلة و الآداب » ، باب : تحريم ظلم المسلم) .

 

و ننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في « المحلى » ردا على الذين يمنعون الغناء قال : « احتجوا فقالوا : من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ و لا سبيل إلى قسم ثالث ،‌ و قد قال الله تعالى : ( فَمَا ذَا بَعُدَ الُحَقِ إلا الضَلال ) يونس( 32) ، فجوابنا – و بالله التوفيق - : أن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قال : « إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرىء ما نوى » (متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ، و هو أول حديث في صحيح البخاري . )

 

 فمن نوى باستماع الغناء ، و من نوى به ترويح نفسه ، ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل ، و ينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن ، و فعله هذا من الحق ، ومن لم ينو طالعة و لا معصية فهو لغو معفو عنه ، كخروج الإنسان إلى بستانه ، و قعوده على باب داره متفرجاً و صبغه ثوبه لا زورديّاً أو أخضر أو غير ذلك ، و مد ساقه و قبضها ، و سائر أفعاله » (المحلى : 9/60) .

 

( ج ) و استدلوا بحديث : « كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله ، و تأديبه فرسه ، و رميه عن قوسه » (رواه أصحاب السنن الأربعة ، و فيه اضطراب . قاله الحافظ العراقي في تخريج أحاديث « الإحياء » .) .

 

 و الغناء خارج عن هذه الثلاثة .

و أجاب المجوزون بضعف الحديث ، ولو صح لما كان فيه حجة ، فإن قوله : « فهو باطل » لا يدل على التحريم ، بل يدل على عدم الفائدة . فقد ورد عن أبي الدر داء قوله : « إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق » . على أن الحصر في الثلاثة غير مراد ، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة و هم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة ، و قد ثبت في الصحيح ، و لا شك أن التفرج في البساتين و سماع أصوات الطيور ، و أنواع المداعبات مما يلهو به الرحل ، لا يحرم عليه شيء منها ،و إن جاز و صفه بأنه باطل .

 

( د ) و استدلوا بالحديث الذي رواه البخاري – معلقاً – عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري – شك من الراوي – عن النبي علنه الصلاة و السلام قال : « ليكو نن قوم من أمتي يستحلون الحر (الحر : بكسر الحاء و تخفيف الراء - : أي الفرج ، و المعنى : يستحلون الزنى . و رواية البخاري : الخزّ.)

 

والحرير والخمر والمعازف». والمعازف: الملاهي ، أو آلات العزف.

و الحديث و إن كان في صحيح البخاري : إلا أنه من « المعلقات » لا من « المسندات المتصلة »‌ و لذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده  و مع التعليق فقد قالوا : إن سنده و متنه لم يسلما من الاضطراب .

 

و قد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث ، ووصله بالفعل من تسع طرق ، و لكنها جميعاً تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد ، ألا و هو : هشام ابن عمار (النظر : تغليق التعليق للحافظ ابن حجر : 5/17 22 ، تحقيق سعيد القزقي طبع المكتب الإسلامي و دار عمار . ) . و هو – و إن كان خطيب دمشق و مقرئها و محدثها وعالمها ، ووثقه ابن معين و العجلي – فقد قال عنه أبو داود : حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها .

 

و قال أبو حاتم : صدوق و قد تغير ، فكان كل ما دفع إليه قرأه ،‌ و كل ما لقنه تلقّن . و كذلك قال ابن سيار .

و قال الإمام أحمد : طياش خفيف .

و قال النسائي : لا بأس به ( و هذا ليس بتوثيق مطلق ) .

و رغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال : صدوق مكثر له ما ينكر (- انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ( 4/302 ) ترجمة ( 9234 ) ، و في « تهذيب التهذيب » ( 51/11 54 ) . ) .

وأنكروا  عليه أنه لم يكن يحدّث إلا بأجر !

و مثل هذا لا يقبل حديثه في مواطن النزاع ، و خصوصاً في أمر عمت به البلوى .

و رغم ما في ثبوته من الكلام ،‌فقي دلالة كلام آخر؛ فكلمة «المعازف » لم يتفق على معناها بالتحديد : ما هو ؟ فقد قيل : الملاهي ،وهذه مجملة ، وقيل : آلات العزف .

 

ولو سلّمنا بأن معناها : آلات الطرب المعروفة‌ بآلات الموسيقى . فلفظ الحديث المعلّق في البخاري غير صحيح في إفادة حرمة « المعازف » لأن عبارة « يستحلون » - كما ذكر ابن العربي – لها معنيان : أحدهما : يعتقدون أن ذلك حلال ، والثاني : أن تكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور ؛ إذ لو كان المقصود بالاستحلال : المعني الحقيقي ، لكان كفراً ، فإن استحلال الحرام المقطوع به – مثل الخمر والزنى المعبر عنه ب « الحر » كفر بالإجمال .

 

و لو سلمنا بدلالتها على الحرمة ، فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر و الحرير و الخمر و المعازف ، أو كل فرد منها على حدة ؟ و الأول هو الراجح . فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس : انغمسوا في الترف و الليالي الحمراء ، و شرب الخمور . فهم بين خمر  نساء ، و لهو و غناء ، و خزّ و حرير . و لذا روي ابن ماجه هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بالفظ : « ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المعنيات ، يخسف الله بهم الأرض و يجعل منهم القردة و الخنازير » ،‌ و كذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، و البخاري في تاريخه .

 

و كل من روي الحديث من طريق غير هشام ابن عمار ، جعل الوعيد على شرب الخمر ، و ما المعازف إلا مكملة و تابعة .

 

( هـ ) و استدلوا بحديث عائشة : « إن الله تعالى حرم القينة ( أي الجارية 9 و بيعها و ثمنها ‌و تعليمها » .

و الجواب عن ذلك :

 

أولاً : أن الحديث ضعيف ، و كل ما جاء في تحريم بيع القيان ضعيف (انظر : تضعيف ابن حزم لهذه الأحاديث و تعليقه عليها في « المحلى » : 9/56 59 .) .

 

ثانياً : قال الغزالي : « المراد بالقينة الجارية التي تغني للدجال في مجلس الشرب ، و غناء‌ الأجنبية للفسّاق و من يخاف عليهم الفتنة حرام ،‌ و هم لا يقصدون بالفتنة إلا ما محذور . فأما غناء الجارية لمالكها ، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث . بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة ، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها (الإحياء ص 1148 .)

 

ثالثاً : كان هؤلاء‌ القيان المغنيات يكون عنصراً هاماً من نظام الرقيق ، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجياً ، فلم يكن يتفق و هذه الحكومة : إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي ، فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك « القينة » ، و بيعها ،‌ و المنع منه ، فذلك لهدم ركن من بناء « نظام الرق » العتيد .

 

( و ) و استدلوا بما روي نافع : أن ابن عمر سمع صوت زمارة‌ راع أصبعيه في أذنية ،‌و عدل راحلته عن الطريق ، و هو يقول : يا نافع  أستمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي ، حتى قلت : لا . فرفع يده و عدل راحلته إلى الطريق ،‌ و قال : « رأيت رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا » .

 

و الحديث قال عنه أبو داود : حديث منكر .

و لو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم ، فلو كان سماع المزمار حراماً ما أباح النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن عمر سماعه ، و لو كان عند ابن عمر حراماً ما أباح لنافع سماعه ، و لأمر عليه السلام بمنع و تغيير هذا المنكر ، فإقرار النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن الحلال .

 

و إنما تجنب – عليه السلام – سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا ، كتجنبه الأكل متكئاً ،‌ و أن يبيت عنده دينار أو درهم . . . إلخ .

 

( ز ) واستدلوا أيضاً بما روي : « إن الغناء ينبت النفاق في القلب » ولم يثبت هذا حديثاً عن نبي ( صلى الله عليه وآل و سلم ) و إنما ثبت قولاً لبعض الصحابة أو التابعين ، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره . فمن الناس من قال – وبخاصة الصوفية - : إن الغناء يرقق القلب ، ويبعث الحزن والندم علي المعصية ،‌ و يهيج الشوق إلى الله تعالى ، و لهذا اتخذوه وسيلة‌ لتجديد نفوسهم ، و تنشيط عزائمهم ، و إثارة أشوقهم . قالوا : و هذا أمر لا يعرف إلا بالذوق  و التجربة و الممارسة ، و من ذاق عرف ، و ليس الخبر كالعيان !

على أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع ، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه على غيره ، و يروج صوته عليه ، و لا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه . و مع هذا قال الغزالي : « و ذلك لا يوجب تحريماً ، فإن لبس الثياب الجميلة ، و ركوب الخيل المهملجة ، و سائر أنواع الزينة ، و لا يطلق القول بتحريم ذلك كله ، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب : المعاصي ، بل إن المباحات ، التي هي مواقع نظر الخلق ، أكثر تأثيراً » (الإحياء : كتاب « السماع » ص 1151 . )‌ .

 

( ح ) و استدلوا على تحريم غناء المرأة خاصة‌ ،‌ بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة ،‌ و قد كان النساء يسألن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) في ملاٍ من أصحابه ، و كان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين و يستفتونهن و يفتينهم ويحدثنهم ،‌و لم يقل أحد : إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة‌ يجب أن تستر . مع أن نساء النبي عليهن من التغليظ ما ليس على غير هن.

 

وقال تعالى : ( وًقلُنَ قَوُلاَ‌ مَّعُروفَاَ) الأحزاب (‌32 ) .

فإن قالوا : هذا في الحديث العادي لا في الغناء ‌، قلنا : روي في الصحيحين أن النبي ( صلى الله عليه و آل و سلم ) سمع غناء الجاريتين و لم ينكر عليهما ، و قال لأبي بكر : « دعهما » ، و قد سمع ابن جعفر و غيره من الصحابة و التابعين الجواري يغنين .

 

( ط ) و استدلوا بحديث الترمذي عن علًّى مرفوعاً : « إذا فعلت أمتي خمس عشرة‌ خصلة ، حلّ تها البلاء . . . » ، وذكر منها : « واتخذت القينات و المعازف » ، و الحديث متفق على ضعفه ،‌فلا حجة فيه .

 

و الخلاصة

أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح ، أو صريح غير صحيح . و لم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله ( صلي الله عليه وآل وسلم ) يصلح دليلاً للتحريم ، و كل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية و المالكية و الحنابلة و الشافعية .

 

قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب « الأحكام » : لم يصح في التحريم شيء .

و كذا قال الغزالي و ابن النحوي في العمدة .

و قال ابن طاهر في كتابه في « السماع » : لم يصح منها حرف واحد .

و قال ابن حزم : « و لا يصح في هذا الباب شيء ، و كل ما فيه فموضوع . و والله لو أسند جمعية ، أو واحد منه فأكثر ، من طريق الثقات إلى رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ،‌ لما ترددنا في الأخذ به » (انظر « المحلى » : 9/59 .) .

 

كتب: الإسلام والفن
أدلة المجيزين للغناء

تلك هي أدلة المحرمين ،  قد سقطت واحداً بعد الآخر ،‌ و لم يقف دليل منها على قدميه . و إذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك ، و لو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على ذلك غير سوط أدلة التحريم . فكيف و معنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة ، وروحه السمحة ، و قواعده العامة ، و مبادئه الكلية ؟

وهاك بيانها :

كتب: الإسلام والفن
أولاً: من حيث النصوص

استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة ، منها : حديث غناء الجاريتين في ليت النبي ( صلي الله عله و آل و سلم ) عند عائشة ، وانتهار أبي بكر لهما ،‌ و قوله : مزمور الشيطاني في ليت النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) ، و هذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم ، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلى هذا الحد .

 

و المعول عليه هنا هو رد النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) على أبي بكر ربضي الله عنه و تعليله : أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة ، و إنه بعث بحنيفية سمحة . و هو يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين ، و إظهار جانب اليسر و السماحة فيه .

 

و قد روي البخاري و أحمر عن عائشة ذات قرابة لها من الأنصار ، فجاء رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) فقال : « أهديتم الفتاة » ؟ قالوا : نعم . قال : « أرسلتم معها من يغني » ؟ قالت : لا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) « إن الأنصار قوم فيهم غزل ، فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم . . فحيانا و حياكم » ؟

 

و هذا الحديث يدل على رعاية أعراف الأقوام المختلفة‌ ، و اتجاههم  المزجي ، ولا يحكم المرء مزاجه هو في حياة‌ كل الناس .

 

و روي النسائي و الحاكم و صححه عن عامر بن سعد قال : دخلت على قرظة بن كعب و أبي مسعود الأنصاري في عرس ،‌ و إذا جوار يغنين . فقلت : أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟ ! فقالا :اجلس إن شئت فاستمع معنا ، وإن شئت فاذهب ، فإنه قد رخص لنا اللّهو عند العرس .

 

و روي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين : أن رجلاً قدم المدينة بجوارٍ فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه ،‌فأمر جارية منهن فغنّت ، و ابن عمر يسمع ، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال : ني أبا عبد الرحمن ؛ غبنت بسبعمائة درهم ! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بي جعفر فقال له : إنه غبن بسبعمائة درهم ،‌فإما أن تعطيها إياه ،‌ و إما أن ترد عليه بيعه ، فقال : بل نعطيه إياها . قال ابن حزم : « فهذا ابن عمر قد سمع الغناء و سعي في بيع المغنية ، و هذا إسناد صحيح ، لا تلك الملفقات الموضوعية »  (انظر المحلى : 9/63 ) .

 

و استدلوا بقوله تعالى : ( وَ إِذَا رَأَوُاُ تَجِارَةً أَوُ لَهُوًا انفَضّواُ إِلَيُهَا وَتَرَكوكَ قَآئمَاَ قلُ مَا عِنُدَ الّلَه خَيُر مِّنَ اللَهُوِ وَمِنُ التِجَارَة وَ الّلَه خَير الرَازِقِين) الجمعة( 11 ).

 

فقرن اللهو بالتجارة – و هي حلال بيقين - ،‌ و لم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما – بمناسبة قدوم القافلة‌ و ضرب الدفوف فرحاً بها – عن خطبة النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و تركه قاماً .

 

و استدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم : أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه . وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي .

 

و استدلوا بما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع ، كما سنذكره بعد .

 

كتب: الإسلام والفن
ثانيا:ً من حيث روح الإسلام و قواعده

( أ ) لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، و تستطيبها العقول، و تستحسنها الفطر،‌ و تشتهيها الأسماع،‌ فهو لذة المعدة . و المنظر الجميل لذة‌ العين، و الرائحة‌ الذكية لذة الشم . . إلخ،‌ فهل الطيبات - أي المستلذات - حرام في الإسلام حلال ؟

 

من المعروف أن الله تعالى كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا ، كما قال تعالى : ( فَبِظلُمِ مِنَ الَذِينَ هَادواُ حَرَّمُنَا عَلَيُهِمُ طَيِبَاتٍ أحِلَّتُ‌ لَهمُ وَ بِصَدِهِمُ عَن سَبِيل اللَه كَثِيرَاَ ( 160 ) وَ أَخُذِهِم الّرِبَواُ وَ قَدُ نهواُ عَنُه وَأَكُلِهِمُ أَمُوَالَ النَاسِ بِالُبَاطِلِ ) النساء(60-61) ، فلما بعث الله محمداً ( صلي الله عليه و آل و سلم ) جعل عنوان رسالة‌ في كتب الأولين أنه : ( يَأُمرهم بِالُمَعُروفِ وَيَنُهَهمُ عَنِ الُمنكَرَ وَ يحِلّ لَهم الُطَيِبَاتِ وَ يحَرِم عَلَيُهِم الُخَبَثَ وَيَضَع عَنُهمُ إِصُرَهمُ وَالأغُلالَ الَتِي كَانَتُ عَلَيُهِمُ ) الأعراف (157)

 .

فلم يبق في الإسلام شيء طيب – أي تستطيبه الأنفس و العقول السليمة – إلا أحله الله ، رحمة‌ بهذه الأمة لعموم رسالتها و خلودها . قال تعالى : ( يَسُئَلونَكَ مَاذَآ أحِلَّ لَهمُ قلُ أحِلَ لَكم الطَيِبَات )المائدة (4) .

 

و لم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئاً من الطيبات مما رزق الله ، مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء‌ وجه الله فيه ، فإن التحليل و التحريم من حق الله وحده . و ليس من شأن عباده ، قال تعالى : ( قلُ أَرَءَ يُتمُ مَّآ أَنزَلَ اللَه لَكم مِن رِزُقِ فَجَعَلُتمُ مِنُه حَرَمَا وَحَلَالَاَ قلُ ءَآلّلَه أَذُنَ لَكمُ أَمُ عَلَى الّلَه تَفُترونَ) يونس (59 ) ، و جعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات ، كلا هما يجلب سخط الله و عذابه ، ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين ،‌و الضلال البعيد ، قال جل شأنه ينعي على من فعل ذلك من أهل الجاهلية‌ : ( قَدُ خَسِرَ الَذِيُنَ قَتِلواُ أَولَادَهمُ سَفَهَا بِغَيُرِ عِلُمِ وَ حَرَمواُ مَا رَزَقُهمُ الّلَه افُتِرَآءً عَلَى الله قَدُ ضَلّواُ وَمَا كَانواُ مهُتَدِيُنَ) الأنعام ( 140 ) .

 

( ب ) و لو تأملنا لوجدنا حب الغناء و الطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية و فطرة بشرية ، حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه ، و تنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه . و لذا تعودت الأمهات و المرضعات و المربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم . بل نقول : إن الطيور و البهائم تتأثر بحسن الصوت و النغمات الموزونة حتى قال الغزالي في « الإحياء » : «‌ من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال ، بعيد عن الروحانية / زائد في غلظ الطبع و كثافته على الجمال و الطيور و جميع البهائم ، إذ الجمل – مع بلادة طبعه – يتأثر بالحداء تأثر يستخف معه الأحمال الثقيلة  و يستقصر – لقوة نشاطه في سماعه – المسافات الطويلة ، و ينبعث فيه من النشاط ما يسكره و يولهه . فترى الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها ، و تصغي إليه ناصبة آذانها ،‌ و تسرع في سيرها ،‌ حتى تتزعزع عليها أحمالها و محاملها » .

 

و إذ كان حب الغناء غريزة و فطرة فهل جاء‌ الدين لمحاربة‌ الغرائز و الفطر و التنكيل بها ؟ كلا ، إنما جاء لتهذيبها و السمو بها ، و توجيهها التوجيه القويم . قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : إن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة و تقريرها لا بتبديلها و تغييرها .

 

و مصداق ذلك أن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قدم المدينة و لهم يومان يلعبون فيهما ، فقال : « ما هذان اليمان » ؟ قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية . فقال عليه السلام : « إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما : يوم الأضحى و يوم الفطر » (رواه أحمد و أبو داد و النسائي . ) .

و قالت عائشة : «‌ لقد رأيت النبي يسترني بردائه ،‌و أنا أنظر إلى الحبشة‌ يلعبون في المسجد ، حتى أكون أنا التي أسأمه - أي اللعب -فاقدروا قدر الجارية‌ الحديثة‌ السن الحريصة‌ على اللهو » .

 

و إذ كان الغناء لهواً و لعباً فليس اللهو و العب حراماً ، فالإنسان لا صبر له على الجد المطلق و الصرامة الدائمة .

قال النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لحنظلة – حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده ،‌و تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم  ) :‌ « يا حنظلة ؛‌ ساعة و ساعة » ( رواه مسلم ) .

و قال علي بن أبي طالب : روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ،‌فإن القلوب إذا أكرهت عميت .

و قال كرم الله وجهه : إن القلوب تمل كما تمل الأبدان ، فابتغوا لها طرائف الحكمة .

و قال أبو الدرداء : إني لأستجم نفسي بالشي ء‌ من اللهو ليكون أقوى لها على الحق .

 

و قد أجاب الإمام الغزالي عمن قال :‌إن الغناء لهو ولعب بهوه :‌هو كذلك ، و لكن الدنيا كلها لهو و لعب . . و جميع المداعبة‌ مع النساء‌ لهو ، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد ،‌كذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال ،‌ نقل ذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) و عن الصحابة‌ .

 

و أي لهو يزيد على لهو الحبشة و الزنوج في بعبهم ،‌ فقد ثبت بالنص إباحته . على أني أقول : اللهو مروح القلب ، و مخفف عنه أعباء الفكر ، و القلوب إذا أكرهت عميت ،‌ و ترويحها إعانة لها على الجد ، فالمواظب على التفقه مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة‌ ؛‌ لأن عطلة يوم تساعد على النشاط في سائر الأيام ، و المواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات ،‌فالعطلة معونة‌ على العمل ، و اللهو معين على الجد ،‌ولا يصبر على الجد المحض ،‌ و الحق المر ،‌إلا نفوس الأنبياء‌ عليهم السلام .

 

فاللهو دواء القلب من داء الإعياء و الملال ‌،فينبغي أن يكون مباحاً ،‌ و لكن لا  ينبغي أن يستكثر منه ،‌كما لا يستكثر من الدواء‌ ، فإذن اللهو على هذه النية يصير قربة‌،‌هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها ،‌بل ليس له إلا اللذة و الاستراحة المحضة ، فينبغي أن يستحب له ذلك ،‌ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه . نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق ، و لكن حسنات الأبرار سيئات المقربين ،‌و من أحاط بعلم علاج القلوب ، ووجوه التلطف بها ،‌ و سياقتها إلى الحق ،‌علم قطعاً أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه » (الإحياء ص 1152 ، 1153 .) . . انتهي كلام الغزالي ،‌ و هو كلام نفيس يعبر عن روح الإسلام الحق . 

 

كتب: الإسلام والفن
القائلون بإجازة الغناء‌

تلك هي الأدلة المبيحة للغناء‌ من نصوص الإسلام و قواعده ‌،‌ فيها الكفاية‌ كل الكفاية و لو لم يقل بموجبها قائل ،‌ و لم يذهب إلى ذلك فقيه ،‌ فكيف و قد قال بموجبها الكثيرون من صحابة‌ و تابعين و أتباع و فقهاء‌ ؟‌

 

و حسبنا أن أهل المدينة‌ - على ورعهم – و الظاهرية – على حرفيتهم و تمسكهم بظواهر النصوص – و الصوفية – على تشددهم و أخذهم بالعزائم دون الرخص – روي عنهم إباحة الغناء .

 

قال الإمام الشوكاني في « نيل الأوطار » : « ذهب أهل المدينة و من وافقهم من علماء‌ الظاهر ،‌ و جماعة الصوفية‌ ، إلى الترخيص في الغناء‌ ، و لو مع العود و البراع .

 

و حكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع : أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأساً ، ويصوغ الألحان لجواريه ، ويسمعها منهن على أوتاره . و كان ذلك في زمن أمير المؤمنين على رضي الله عنه .

و حكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضاً عن القاضي شريح ،‌وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، و الزهري ، و الشعبي . و قال إمام الحرمين في النهاية ،‌ و ابن أبي الدنيا : نقل الأثبات من المؤرخين : أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات ،‌ و أن ابن عمر دخل عليه و إلى جنبه عود ، فقال : ما هذا يا صاحب رسول الله ؟ ! فناوله إياه ،‌ فتأمله ابن عمر فقال : هذا ميزان شامي ؟ قال لبن الزبير : يوزن به العقول !

 

و روي الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالة في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال : « إن رجلاً قدم المدينة بجوار فنزل على ابن عمر ،‌ و فيهن جارية تضرب . فجاء رجل فساومه ، فلم يهو فيهن شيئاً ،‌ قال : انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعاً من هذا . قال : من هو ؟‌ قال : عبد الله بن جعفر . . فعرضهن عليه ، فأمر جارية منهن ،‌ فقال لها : خذي العود ،‌فأخذته ،‌ فغنت ، فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر . . . إلى آخر القصة .

 

و روي صاحب  «العقد» العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي : أن عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود ‌، ثم قال لا بن عمر : هل ترى بذلك بأساً ؟ قال : لا بأس بهذا .

و حكى الماوردي عن معاوية و عمرو بن العاص : أنهما سمعا العود عند ابن جعفر .

و روي أبو الفرج الأصبهاني : أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره .

و ذكر أبو العباس المبرد نحو ذلك . و المزهر عند أهل اللغة ) العود .

 

و ذكر الأدفوي : أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة‌ . و نقل ابن السمعاني الترخيص عن طاوس ، و نقله ابن قتيبة و صاحب « الإمتاع »‌ عن قاضي المدينة سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن الزهري من التابعين . و نقله أبو يعلى الخليلي في « الإرشاد » عن عبد العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة .

 

و حكى الروياني عن القفال :‌ أن مذهب مالك بن أنس أباحة الغناء بالمعازف ، و حكى الأستاذ أبو منصور الفوراني عن مالك جواز العود ،‌ و ذكر أبو طالب المكي في « قوت القلوب » عن شعبة‌ : أنه سمع طنبوراً في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور .

 

و حكى أبو الفضل بن طاهر في مؤلفة في « السماع » : أنه لا خلاف بين أهل المدينة‌ في إباحة العود .

قال ابن النحوي في « العمدة » : و قال ابن طاهر : هو إجماع أهل المدينة‌ . قال ابن طاهر : و إليه ذهبت الظاهرية قاطبة‌ . قال الأدفوي : لم يختلف النقلة في نسبتة الضرب إلي إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر ، وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم ( يعني بالجماعة : أصحاب الكتب الستة ، من الصحيحين و السنن ) .

 

و حكي الماوردي إباحة العود عن بعض الشافعية ، وحكاه أبو الفضل بن طاهر عن ابن اسحاق الشيرازي ، وحكاه الأسنوي في «المهمات » عن الروياني و الماوردي ، ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور ، وحكاه ابن الملقن في «العمدة » عن ابن طاهر ، وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الذين بن عبد السلام ، وحكاه صاحب «الإمتاع » عن أبي بكر بن العربي ، و جزم بالإباحة الأدفوي .

هؤلاء‌ جميعاً قالوا بتحليل السماع ،‌ مع آلة من الآلات المعروفة‌ - أي آلات الموسيقي .

 

و أما مجرد الغناء‌ من غير آلة ، فقال الأدفوي في « الإمتاع »‌: إن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية نقل الاتفاق على حله ، و نقل ابن طاهر إجماع الصحابة و التابعين عليه ، و نقل التاج الفزاري و ابن قتيبة إجماع أهل المدينة عليه ، و قال المارودي : م يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة‌ المأمور فيها بالعبادة و الذكر .

 

قال ابن النحوي في «‌ العمدة » :‌ و قد روي الغناء و سماعه عن جماعة‌ من الصحابة و التابعين ، فمن الصاحبة عمر – كما رواه ابن عبد البر و غيره ، و عثمان – كما نقله الماوردي و صاحب البيان و الرافعي ،‌ و عبد الرحمن بن عوف – كما رواه ابن أبي شيبة‌ ، و أبو عبيدة بن الجراح – كما أخرجه ابن قتيبة ، و أبو مسعود الأنصاري – كما أخرجه البيهقي ،‌و بلال ، و عبد الله بن الأرقم ، و أسامة بن زيد – كما أخرجه البيهقي أيضاً ،‌و حمزة‌ - كما في الصحيح ، و ابن عمر – كما أخرجه ابن طاهر ، و البراء بن مالك – كما أخرجه أبو نعيم ، و عبد الله بن جعفر – كما رواه ابن عبد البر ، و عبد الله بن الزبير – كما نقل أبو طالب المكي ،‌و حسان – كما رواه أبو الفرج الأصبهاني ، و عبد الله بن عمرو – كما رواه الزبير بن بكار . و قرظة بن كعب – كما رواه ابن قتيبة ،‌ و خوات بن جبير ، و رباح بن المعترف – كما أخرجه صاحب الأغاني  و المغيرة بن شعبة‌ - كما حكاه الماوردي ،‌عائشة و الربيع – كما في صحيح البخاري و غيره .

 

و أما التابعون فسعير بن المسيب ،‌ و سالم بن عبد الله بن عمر ، و ابن حسان ،‌و خارجة بن زيد ، و شريح القاضي ، و سعيد بن جبير ، و عامر الشعبي ، و عبد الله ابن أبي عتيق ، و عطاء بن أبي رباح ، و محمد بن شهاب الزهري ، و عمر بن عبد العزيز ، و سعد بن إبراهيم الزهري .

 

و أما تابعوهم ، فخلق لا يحصون ،‌ منهم : الأئمة الأربعة ، و ابن عيينة ،‌ و جمهور الشافعية » . انتهي كلام ابن النحوي . هذا كله ذكره الشوكاني في « نيل الأوطار » (نيل الأوطار : 8/264 266 طبع دار الجيل بيروت . ) .

 

كتب: الإسلام والفن
قيود و شروط لابد من مراعاتها

و لا ننسى أن نضيف إلى هذا الحكم : قيوداً لا بد من مراعاتها في سماع الغناء :

1-       نؤكد : ما أشرنا إليه أنه ليس كل غناء مباحاً ،‌ فلا بد أن يكون موضوعة متفقاً مع أدب الإسلام و تعاليمه .

 

               فلا يجوز التغني بقول أبي نواس :

دع عنك لومي ، فإن اللوم إغراء

و داوني بالتي كانت هي الداء !

 

              ولا بقول شوقي :‌

رمضان ولي هاتها يا ساقي

مشتاقة تسعى إلى مشتاق

 

و أخطرها منها : قول إيليا أبي ماضي في قصيدته « الطلاسم » : 

         جئت لا أعلم من أين ، و لكنى أتيت !

         و لقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت !

         كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري !

لأنها تشكيك في أصول الأيمان : المبدأ ،‌ و المعاد ،‌و النبوة . و مثلها : ما عبر عنه بالعامية‌ في أغنية « من غير ليه » و ليست أكثر من ترجمة من شك أبي ماضي إلى العامية ، ليصبح تأثيرا أوسع دائرة .

 

و مثل ذلك الأغنية التي تقول : « الدنيا سيجارة و كاس » . فكل هذه مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجساً من عمل الشيطان ، ويلعن شارب « الكأس » و عاصرها و بائعها وحملها و كل من أعان فيها بعمل . و التدخين أيضاً آفة ليس وراءها إلا ضرر الجسم و النفس و المال .

 

و الأغاني التي تمدح الظلمة و الطغاة و الفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا ، مخالفة لتعاليم الإسلام ،‌ الذي يلعن الظالمين ، و كل من يعينهم ، بل من يسكت عليهم ،‌ فكيف بمن يمجدهم ؟!

 

و الأغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة – أو صاحبة العيون الجريئة – أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه : ( قل لِلُمؤمِنينَ يَقُضواُ مِنُ أَبُصَارِهِمُ . . . . ) النور(30) ، ( وَقل لِلُمؤُمِنَاتِ يَغُضضُنَ مِنُ أَبُصَارِهِنَ ) النور(31)، و يقول ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « يا علي ؛ لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة » .

 

2 – ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها ، فقد يكون الموضوع لا بأس به و لا غبار عليه ، و لكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول ، و تعمر الإثارة ، و القصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة ، و إغراء‌ القلوب المرضية – ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلى دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة من مثل ما يذاع على الناس و يطلبه المستمعون و المستمعات من الأغاني التي تلح على جانب واحد ، هو جانب الغريزة الجنسية و ما يتصل بها من الحب والغرام ، و إشعالها بكل أساليب الإثارة و التهيج ، و خصوصاً لدى الشباب و الشابات .

 

إن القرآن يخاطب نساء النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فيقول : ( فَلا تَخُضَعُنَ بِالُقَوُلِ فَيَطُمَعَ الَذِي فِي قَلُبِهِ مَرَض ) الأحزاب(32) . فكيف إذا كان مع الخصوص في القول الوزن و النغم و التطريب و التأثير .

 

3- و من ناحية ثالثة يجب ألا يقترن الغناء بشيء محرم ، كشرب الخمر أو التبرج أو الاختلاط الماجن بين الرجال و النساء ، بلا قيود ولا حدود، و هذا هو المألوف في مجالس الغناء‌و الطرب من قديم . و هي الصورة الماثلة في الأذهان عندما يذكر الغناء ، و بخاصة غناء الجواري و النساء .

 

و هذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجه و غيره : « ليشربن ناس من أمتي الخمر ، يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المغنيات ، يخسف الله بهم الأرض و يجعل منهم القردة و الخنازير » .

 

و أود أن أنبه هنا على قضية مهمة ،‌ و هي : أن الاستماع إلى الغناء‌ في الأزمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء ، و مخالطة المغنيين و المغنيات و حواشيهم ، و قلما كانت تسلم هذه المجالس من أشياء ينكرها الشرع ، ويكرها الدين .

 

أما اليوم فيستطيع المرء أن يستمع إلى الأغاني و هو بعيد عن أهلها و مجالسها ،‌ و هذا لا ريب عنصر مخفف في القضية ،‌ ويميل بها إلى جانب الإذن و التيسير .

 

4- الغناء – ككل المباحات – يجب أن يقيد بعدم الإسراف فيه ، و بخاصة الغناء العاطفة ليست حباً فقط ، و الحب لا يختص بالمراء وحرها ، و المرأة ليست جسداً و شهوة لا غير ، لهذا يجب أن نقلل من هذا السيل الغامر من الأغاني العاطفية الغرامية ، و أن يكون لدينا من أغانينا و برامجنا و حياتنا كلها توزيع عادل ، و موازنة مقسطة بين الدين و الدنيا ، و في الدنيا بين حق الفرد و حقوق المجتمع ، و في الفرد بين عقله و عاطفته ،‌ و في مجال العاطفة بين العواطف الإنسانية كلها من حب و كره و غيره و حماسة و أبوة و أمومة و بنوة و أخوة و صداقة . . .  الخ ، فلكل عاطفة حقها .

 

أما الغلو و الإسراف و المبالغة‌ في إبراز عاطفة خاصة ، فذلك على حساب العواطف الأخرى ، و على حساب عقل الفرد و روحه و إرادته ، و على حساب المجتمع و خصائصه و مقوماته ،‌ و على حساب الدين و مثله و توجيهاته .

 

إن الدين حرم الغلو و الإسراف في كل شيء حتى في العبادة ، فما بالك بالإسراف في اللهو ،‌ و شغل الوقت به و لو كان مباحاً ؟!

 

إن هذا دليل على فراغ العقل و القلب من الواجبات الكبيرة ، و الأهداف العظيمة و دليل على إهدار حقوق كثيرة كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحدود و عمره القصير ، و ما أصدق و أعمق ما قال ابن المقفع : « ما رأيت إسرافاً إلا و بجانبه حق مضيع » ، و في الحديث :‌ « لا يكون العاقل ظاعناً إلا لثلاث : مرمة لمعاش ،‌ أو تزود لمعاد ،‌أو لذة في غير محرم » ،‌ فلنقسم أوقاتنا بين هذه الثلاثة بالقسط ، و لنعلم أن الله سائل كل إنسان عن عمره :‌فيم أفناه ،‌ و عن شبابه : فيم أبلاه ؟

 

5- و بعد هذا الإيضاح تبقى هناك أشياء يكن كل مستمع فيها فقيه نقسه و مفتيها ،‌ فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستثير غريزة ،‌ و يغريه بالفتنة ،‌ و يسبح به في شطحات الخيال ،‌ و يطغى فيه الجانب الحيواني على‌ الجانب الروحاني ،‌ فعليه أن يتجنبه حينئذ ‌، و يسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه و دينه و خلقه ، فيستريح و يريح .

كتب: الإسلام والفن
الغناء و الطرب في واقع المسلمين

و من نظر في أحوال المسلمين ، و تأمل في واقعهم المعيش ، لم يجد خصومة بين المسلم المتدين و بين الاستمتاع بطيب السماع .

إن أذن المسلم العادي موصولة ب « طيبات السماع » تلتذ بها ،‌ و تتغذى عليها كل يوم .

 

من خلال القرآن الكريم الذي تسمعه مرتلاً و مجوداً و مزيناً بأحسن الأصوات ، من أحسن القراء .

و من خلال الأذان ، الذي تطرب لسماعه كل يوم خمس مرات بالصوت الجميل . و هو ميراث من عهد النبوة ، فقد قال النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) للصحابي الذي كشف له عن ألفاظ الأذن في رؤيا صادقة : « علمه بلا لاً ، فإنه أندى منك صوتاً » .

 

و من خلال الابتهالات الدينة ،‌ التي تنشد بأعذب الألحان ، و أرق الأصوات ، فتطرب لها الأفئدة ، و تهتز لها المشاعر :

و من خلال المدائح النبوية التي توارثها المسلمون منذ سمعوا ذلك النشيد الحلو من بنات الأنصار ، ترحبياً بمقدم الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام :

طبع البدر علينا

من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا الله داع

و أذكر أني منذ نحو عشرين سنة سمعت هذا النشيد من تلميذات مدرسة إسلامية في إندونيسيا ،‌يغنينه بلحن جماعي مؤثر رقيق ، و كنا و فداً من دولة قطر . فرقت له قلوبنا ، و سالت أدمعنا على خدودنا من فرط الرقة و التأثر .

 

و في الأعصر الماضية المسلمون أن ينشئوا ألواناً من « طيبات السماع ‌» يروحون بها أنفسهم ،‌ و يجملون بها حياتهم ،‌ و خصوصاً في القرى و الريف . و قد أدركنا ذلك في عهد الصبا و مطالع الشباب . و كلها ألوان فطرية نابعة من البيئة ، معبرة عن قيمها ، و لا غبار عليها .

 

من ذلك : فن المواويل : يتغنّى بها الناس في أنفسهم ، أو يجتمعون على سماعها ، ممن كان حسن الصوت منهم ، و أكثرهم يتحدث عن الحب و الهيام و الوصل و الهجران ، و بعضها يتحدث عن الدنيا و متاعها ، و يشكو من ظلم الناس و الأيام . . . الخ .

 

و أكثرهم كان يتغنى بها بغير آلة ، و بعضهم مع « الأرغول » ، و من هؤلاء الفنانين الفطريين : من كان يؤلف «‌ الموال » و يلحنه و يغنيه في وقت واحد .

 

و منها : القصص المنظومة ، التي تتغنى ببطولات بعض الأبطال الشعبيين ، أبطال الكفاح ،‌ أو أبطال الصبر ، يسمعها الناس ،‌ فيطربون بها ، ويرددونها ،‌و يكادون يحفظونها عن ظهر قلب ، مثل قصة « أدهم الشرقاوي » ، و شفيقة و متولي » ، و « أيوب المصري » ، و « سعد اليتيم » ، و غيرها .

 

و منها : الملاحم الشعبية للأبطال المعروفين ، مثل « أبي زيد الهلالي » ، و التي كان يجتمع لها الناس ، ليسمعوا القصة ، و يستمعوا معها إلى أشعار أبطالها على نغمات « الربابة » من « الشاعر الشعبي » الذي تخصص في هذا اللون ، و كانت هذه الملاحم لها عشاقها و تقوم مقام « المسلسلات » في هذا العصر .

 

و منها : أغاني الأعياد و الأفراح و المناسبات السارة ، مثل : العرس ، وولادة المولود ، و ختان الصبي ، وقدوم الغائب ، و شفاء المريض ، و عود الحاج . . . و نحوها .

و قد ابتكر الناس أغاني و أهازيج لحنوها ، وغنوها بأنفسهم في أحوال و مناسبات مختلفة ، مثل جني الثمار أو القطن و غيرها .

و مثل : أهازيج العمال و الفعلة ، الذين يعملون في البناء‌ و حمل الأثقال و نحوها ، مثل :‌ « هيلا ، هيلا . . صل على النبي » . . و هذا له أصل شرعي من عمل الصحابة‌ ، و هم يبنون المسجد النبوي و يحملون أحجاره على مناكبهم . و هم ينشدون  :

اللهم إن العيش عيش الآخرة

فاغفر للأنصار و المهاجرة

 

حتى‌ الأمهات ، حين يهدهدن أطفالهن ، و يهيئنهم للنوم ، يستخدمن الغناء ، و لهن كلمات مشهورة ، مثل : « يا رب ينام ، يا رب ينام . . . »‌ .

 

و لا زلت أذكر « المسحراتية » في شهر رمضان المبارك ،‌ و هم يوقظون الناس بعد منتصف الليل بمنظومات يلذ سماعها منغمة مع دقات طبولهم .

و من جميل ما يذكر هنا : ما اخترعه الباعة في الأسواق ،‌ و الباعة‌ المتجولون : من النداء‌ على سلعهم بعبارات منظومة موزونة‌ ، يتنافسون في التغني بها ، مثل بائع العرقسوس ، و باعة الفواكه و الخضروات ، و غيرهم .

 

و هكذا نجد هذا الفن – فن الغناء – يتخلل الحياة كلها ، دينية‌ و دنيوية ، و يتجاوب الناس معه بتلقائية و فطرية ، و لا يجدون في تعاليم دينهم ما يعوقهم عن ذك . و لم ير علماؤهم في هذه الألوان الشعبية‌ ما يجب أن ينكر . بل أكثر من ذلك تجدها جميعاً ممزوجة بالدين و معاني الإيمان و القيم الروحية و المثل الأخلاقية ، امتزاج الجسم بالروح : من التوحيد ، و ذكر الله ، و الدعاء‌ ، و الصلاة على النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) . . . و ما شابهها (لا أجد من الألحان و الأغاني الشعبية ما ينكره الدين ، إلا ما كانت تصنعه النائحة المستأجرة مما يهيج الأحزان ، و يثير الجزع ،‌ و يحرم المصاب من الصبر على البلاء ، و الرضا بالقضاء .

 .

و هذا الذي لاحظته في مصر ، و جدت مثله في بلاد الشام ، و في بلاد المغرب ، و غيرها من بلاد العرب .

كتب: الإسلام والفن
لم شدد المتأخرون في أمر الغناء ؟

يلاحظ أن المتأخرين من أهل الفقه أكثر تشديداً‌ في منع الغناء‌ - و خصوصاً مع الآلات – من الفقهاء المتقدمين . و ذلك لأسباب :

 

الأخذ بالأحوط لا الأيسر

1-       إن المتقدمين كانوا أكثر أخذاً بالأيسر ، و المتأخرين أكثر أخذاً بالأحوط ، و الأحوط يعني : الأثقل و الأشد . و من تتبع الخط البياني للفقه و الفتوى منذ عهد الصحابة فمن بعدهم يجد ذلك واضحاً ، و الأمثلة عليه لا تحصر .

 

الاغترار بالأحاديث الضعيفة و الموضوعة :

2- إن كثيراً ك الفقهاء المتأخرين أرهبهم سيل الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، التي امتلأت بها الكتب ، و لم يكونوا من أهل تمحيص الروايات ، و تحقيق الأسانيد ، فراجت لديهم هذه الأحاديث ، و لا سيما مع شيوع القول بأن تعدد الطرق الضعيفة يقوي بعضها بعضاً‌ .

 

ضغط الواقع الغنائي

2-       ضغط الواقع الغنائي بما يلا بسه من انحراف و تجاوز ، كان له أثره في ترجيح المنع و التحريم . و هذا الواقع له صورتان أثرت كل واحدة منهما على جماعة من الفقهاء .

 

كتب: الإسلام والفن
غناء المجون و الخلاعة

الصورة‌ الأولى : صورة « الغناء الماجن » الذي غدا جزءاً لا يتجزأ من حياة الطبقة المترفة ، التي غرقت في الملذات ، و أضاعت الصلوات ، و اتبعت الشهوات ، و اختلط فيها الغناء بملابسة الفجور ، و شرب الخمور ، و قول الزور ، و تلاعب الجواري الحسان المغنيات ( القيان ) بعقول الحضور ، كما شاع ذلك في حقب معروفة في العصر العباسي .

 

و كان سماع الغناء يقتضي شهود هذه المجالس بما فيها من خلاعة‌ ومجانة و فسوق عن أمر الله .

 

و من المؤسف أن البيئة الفنية – كما يمونها اليوم – لا زالت مشربة بهذه الروح ، ملوثة بهذا الوباء . و هذا ما يضطر كل عائد إلى الله ، من الفنانين و الفنانات – الذين أكرمهم الله بالهداية و التوبة – أن نسحب من ذلك الوسط ، ويفر بدينه بعيداً‌ عنه .

 

كتب: الإسلام والفن
غناء الصوفية

و الصورة الثانية : صورة « الغناء الديني » الذي اتخذه الصفية وسيلة لإثارة الأشواق ، و تحريك القلوب في السير إلى الله ، مثلها يفعل الحداة مع الإبل ، فينشطونها ويستحثون خطاها ، حين تسمع نغم الحداء الموزون بصوت جميل . فتستخف الحمل الثقيل . و تستقصر الطريق الطويل ، و هم يعتبرون ذلك السماع عبادة و قربة إلى الله ، أو – على ‌الأقل – عوناً على العبادة و القربة .

 

و هذا ما أنكره عليهم أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية ، و تلميذه الإمام ابن القيم ، اللذين شنا على الغناء هجوماً عنيفاً حاداً ، و خصوصاً ابن القيم في « إغاثة‌ اللهفان » الذي شحذ كل أسلحته ، و أجلب بخيله و رجله لتحريم الغناء ، واضح – على غير عادته – بغير الصحيح ، و غير الصريح ، إذ كان نصب عينيه ذاك النوع  من الغناء ، و قد رأي فيه هو و شيخه أنه بقرب إلى الله بما لم يشرعه ، و إحداث أمر في الدين لم يكن على عهد النبوة ، و لا عهد الصحابة . و ربما لا بسه بعض البدع ، و لا سيما إذا وقع في المساجد .

 

أنشد ابن القيم مشنعاً‌ :

                           

تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة

لكنه إطراق لاه ساهي !

و أتى الغناء فكالحمير تناهقوا

و الله مار قصوا الأجل الله !

دف و مزمار ، و نغمة شادن

فمتى رأيت عبادة بملاهي ؟

 

و في بعض فتاوى‌ ابن تيمية ما يجيز الغنائ إذا كان لرفع الحرج و الترويح .

 

كتب: الإسلام والفن
فقه الإمام الغزالي في القضية

و أعتقد أن مواقف الإمام الغزالي من قضية الغناء‌ ، و مناقشته الفقهية العميقة لحجج القائلين بتحريم السماع ، و الجواب عنها بالإجابات الشافية‌ ، و نصرته لأدلة المجيزين ،‌و تحديده للعوارض التي تعرض للسماع المتاح ، فتنقه إلى دائرة الحرمة . . يعتبر من أعدل المواقف المعبرة عن وسطية الشريعة ، و سماحتها ، و صلاحيتها لكل البيئات و الأعصار .

 

و الحق أن فقه الغزالي في « الإحياء‌‌ » - بصفة عامة – فقه تحرر من قيود المذهبية‌ ، فهو لم يعد شافعياً مقيداً ، بل مجتهداً طليقاً ، ينظر إلى الشريعة من أفق واسع . و قد تجلى هذا في مواضع كثيرة ، تحتاج إلى دراسة‌ خاصة ، تصلح لأطروحة جامعية .

 

كتب: الإسلام والفن
العوارض التي تنقل السماع المباح إلى الحرمة

ذكر الغزالي عوارض خمسة تجعل السماع المباح محظوراً تتحدد فيما يلي :

1- عارض في المسمع بأن يكون امرأة لا يحل النظر إليها ، و تخشى الفتنة من سماعها . و الحرمة فيه لخوف الفتنة لا لذات الغناء .

 

و رجح قصر التحريم على مظنة خوف الفتنة . . و أيد ذلك بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة ، إذ يعلم أنه ( صلي الله عليه و آل و سلم ) كان يسمع أصواتهما ، و لم يحترز منه . و لكن لم تكن الفتنة مخوفة عليها ، فلذلك لم يحترز . فإذن يختلف هذا بأحوال المرأة ، و أحوال الرجل في كونه شاباً و شيخاً ، و لا يبعد أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال . فإنّا نقول : للشيخ إن يقبل زوجته ، و هو صائم ، و ليس للشاب ذلك .

 

2- عارض في الآلة بأن تكون من شعار أهل الشرب أو المخنثين ، و هي : المامير و الأوتار و طبل الكوبة . فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة ، وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة ، كالدف ، و إن كان فيه الجلاجل ، و كالطبل ، و الشاهين ، و الضرب بالقضيب . . . و سائر الآلات .

 

3- عارض في نظم الصوت ، و هو الشعر ، فإن كان فيه شيء‌ من الخنا و الفحش و الهجو ، أو ما هو كذب على الله تعالي و على رسوله ، أو على الصحابة و غيرهم ، فسماع ذلك حرام ، بألحان و غير ألحان ، و المستمع شريك للقائل . و كذلك ما فيه و صف امرأة‌ بعينها ، فإنه لا يجوز و صف المرأة بين يدي الرجال . . فأما التشبيب بوصف الخدود و القد و القمة . .  و سائر أوصاف النساء ، فالصحيح أنه لا يحرم نظمه و إنشاده ، باحن و بغير لحن ، و على المستمع ألا ينزله على‌ امرأة معينة ، فإن نزله فليننزله على من تحل له ، فإن نزله على أجنبية ، فهو العاصي بالتنزيل ، و إجالة الفكر فيه ، و من هذا و صفه ، فينبغي أن يجتنب السماع رأساً . .

 

4- عارض في المستمع ، و هو أن تكون الشهوة ‌غالبة ‌عليه ، وكان في غزة الشباب ، و كانت هذه الصفة أغلب عليه من غيرها ، فالسماع حرام عليه ، سواء غلب على قلبه حب شخص معين أم لم يغلب ، فإنه كيفما كان ، فلا يسمع و صف الصدغ و الخد ،‌ و الفراق و الوصال ، إلا و يحرك ذلك شهوته و ينزله على صورة معينة ، ينفخ الشيطان بها في قلبه ، فتشتعل نار الشهوة ، و تمتد بواعث الشر .

 

5- أن يكون الشخض من عوام الخلق ، و لم يغلب عليه حب الله تعالى ، فيكون السماع له محبوباً ، و لا غلبت عليه شهوة ، فيكون في حقه محظوراً ، و لكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة إلا أنه اتخذه ديدنه و هجيراه ، و قصر عليه اكثر أوقاته فهذا هو السفيه الذي ترد شهادة ، فإن المواظبة علي اللهو جناية ، وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة ، فكذلك بعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة . . . و من هذا القبيل : اللعب بالشطرنج ، فإنه مباح ، و لكن المواظبة عليه مكروهة كراهية شديدة . . وما كل مباح يباح كثيرة . بل الخبز مباح ، والاستكثار منه حرام ، كسائر المباحات  (الإحياء كتاب «السماع » ص 1142 1145 طبعة دار الشعب) .

 

ويلاحظ في هذه العوارض التي ذكرها الغزالي : أنه اعتبر الأوتار والمزامير من عوارض التحريم ، بناء علي أن الشرع ورد بالمنع منها .

 

و قد اجتهد في تعليل هذا المنع ، فأبدع وأجاد في التعليل والتفسير ، إذ قال : أن الشرع لم يمنع منها للذاتها : إذ لو كان للذة لقيس عليها كل يتلذ به الإنسان ، و لكن حرمت الخمور ، واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها ، حتي انتهي الأمر في الابتداء إلي كسر الدنان ، فحرم معها كل ما هو من شعار أهل الشرب ، و هي الأوتار والمزامير فقط ، وكان تحريمهما من فبل الاتباع ، كما حرمت الخلوة باأجنبية ، لأنها مقدمة الجماع ، وحرم النظر إلي الفخذ ،‌لاتصاله بالسوأتين ، وحرم قليل الخمر ، و إن كان لا يسكر ، و ما من حرام إلا وله حريم يطيف به ، و حكم الحرمة ينسحب علا حريمه ، ليكون حمي للحرام و وقاية له ، وخطاراً مانعاً حوله .

 

فهي (أي الأوتار والمزامير )  محرمة تبعاً‌ لتحريم الخمر لثلاث علل :

إحدها : أنها تدعو إلى ‌شرب الخمر ، فإن اللذات الحاصلة بها إنما تتم بالخمر . .

الثانية : أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر مجالس الأنس بالشرب . . . و الذكر سبب انبعاث الشوق ، و هو سبب الإقدام

 الثالثة : الاجتماع عليها ، لما أن صادر من عادة أهل الفسق ، فيمنع من التشبه بهم ؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم . .

 

و بعد كلام و تحليل جيد ، قال الغزالي : و بهذا نتبين أنه ليست العلة‌ في تحريمها :‌مجرد اللذة الطيبة ،‌ بل القياس تحليل الطيبات كلها ،‌ إلا ما في تحليله فساد . قال الله تعالى : ( قلُ مَنُ حَرَّمَ زِينةَ الّلَهِ الَتِي أَخُرَجَ لِعِبِادَهِ وَالُطَيِبَاتِ مِنُ الرِزُقِ ) ؟ (الإحياء ص 1128 و الآية‌ من سورة الأعراف : 32 ) .

 

و رحم الله الإمام الغزالي ، فالحقيقة : أنه لم يرد نص صحيح الثبوت صريح الدلالة ، يمنع من هذه الأوتار و المزامير كما ظن ،‌ و لكنه – رضي الله عنه – أخذ الأحاديث المروية‌ في الموضوع قضية مسلمة ، ثم حاول تفسيرها بما ذكرناه ، ولو عرف و هن أسانيد المرويات في هذا الأمر ، ما جشم نفسه عناء هذا التعليل . و هو على كل حال تعليل مفيد لمن لا يسلم بضعف هذه الأحاديث .

 

كتب: الإسلام والفن
تحذير من التساهل في إطلاق التحريم

و نختم بحثنا هذا بكلمة أخيرة نوجهها إلى السادة العلماء الذين يستخفون بكلمة « حرام » و يطلقون لها العنان في فتاواهم إذا أفتوا ، و في بحوثهم إذا كتبوا ، عليهم أن يراقبوا الله في قولهم ، و يعلموا أن هذه الكلمة «حرام » كلمه خطيرة : إنها تعني عقوبة الله على الفعل ، و هذا أمر لا يعرف بالتخمين و لا بموافقة المزاج ، و لا بالأحاديث الضعيفة ، و لا بمجرد النص عليه في كتاب قديم ، إنما يعرف من نص ثابت صريح ، أو إجماع معتبر صحيح ، و إلا فدائرة العفو و الإباحة واسعة ، و لهم في السلف الصالح أسوة حسنة .

 

قال الإمام مالك رضي الله عنه : ما شيء أشد على من أن أسأل عن مسألة من الحلال و الحرام ؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله ، و لقد أدركت أهل العلم و الفقه ببلدنا ، و إن أحدهم إذا سئل عن كأن الموت أشرف عليه ، و رأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا ، و لو و قفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا ، و إن عمر بن الخطاب و علياً و عامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل – و هم خير القرون الدين بعث فيهم النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – فكانوا يجمعون أصحاب النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و يسألون ، ثم حينئذ يفتون فيها ، و أهل زماننا هذا قد صار فخرهم ، فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم . . قال : و لم يكن من أمر الناس و لا من مضى من سلفنا الذين يقتدي بهم ، و معمول الإسلام عليهم ، أن يقولوا : هذا حلال و هذا حرام ، و لكن يقول : أنا أكره كذا و أرى كذا ، و أما «حلال » و « حرام » فهذا الافتراء على الله . أما سمعت قول الله تعالى : ( قلُ أَرَءَيُتم مَّا أَنُزلَ الّلَه لَكمُ مِن رِزُقِ فَجَعَلُتمُ مِنُه حَرَامَا وَحَلَالَا قلُ ءَآلله  أَذِنَ لَكمُ أَمُ عَلَى الله تَفُتَرونَ )(سورة يونس(59)) لأن الحلال ما حلله الله ،‌ و رسوله ،‌ و الحرام ما حرماه .

 

ونقل الإمام الشافعي في « الأم » عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة : « أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا : هذا حلال و هذا حرام ، إلا ما كان في كتاب الله عز و جل بيناً‌ بلا تفسير .

 

و حدثنا لبن السائب عن الربيع بن خيثم – و كان أفضل التابعين – أنه قال : إياكم أن يقول الرجل : إن الله أحل هذا أو رضيه ، فيقول الله له : لم أحل هذا و لم أرضه ! و يقول : إن الله حرم هذا ، فيقول الله : كذبت ، لم أحرمه و لم أنه عنه !

 

و حدثنا بعض أصابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه : أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه ، قالوا : هذا مكروه ، و هذا لا بأس به ، فأما أن يقول : هذا حلال و هذا حرام ، فما أعظم هذا » .

 

كتب: الإسلام والفن
التصوير في القرآن

عرض القرآن الكريم للتصوير على أنه عمل من أعمال الله تبارك و تعالى ، الذي يبدع الصور الجميلة ، و خصوصاً صور الكائنات الحية ، و في مقدمتها الإنسان : ( هوَ الَذِي يصَوِرَكمُ فِي الُأَرُحَام كَيُفَ يَشَآء ) (آل عمران(6)) .

( وَصَوَّرَكمُ فَأَحُسَنَ صوَرَكمُ ) (التغابن(3)) .

( الَذِي خَلَقَكَ فَسَوَكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) فِي أَيِ صوَرَةِ مَا شَآءَ رَكَبَكُ ( 8 ) ) الانفطار .

و ذكر القرآن أن من أسماء الله الحسنى : اسم « المصور » . كما في قوله تعالى : ( هوَ الّلَه الُخَالِق البَارِي الُمصَوِر لَه الُأَسُمَآء الحسُنَى ) (الحشر(24)) .

كما عرض القرآن للتماثيل في موضعين :

أحدهما : في موضع الذم و الإنكار ، و ذلك على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام ، حيث اتخذها قومه أصناماً ، أي آلهة تعبد ، فأنكر عليهم ذلك قائلاً :‌ ( مَا هَذِهِ التَمَاثِيل التِي أَنُتمُ لًهَا عَاكِفونُ ( 52 ) قَالواُ وَجَدُنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَابِديِنَ ( 53 ) ) الأنبياء.

و الثاني : ذكرنا القرآن في معرض الامتنان و الإنعام على سليمان عليه السلام ،‌ حيث سخر له الريح ، و سخر له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه : ( يَعُمَلونَ لَه, مَا يَشَآءَ مِن محَارِيِبَ وَ تَمَاثِيُلَ وَجِفَانِ كَالُجَوَابِ وَقدورِ رَاسِيَاتٍ اعَمَلواُ ءَ الَ دَاو,دَ شكُرَاَ ) (سبأ(13))

 

التصوير في السنة :

أما السنة . . فقد حفلت بأحاديث كثيرة صحيحة ، معظمها يذم التصوير و المصورين ، و بعضها يشدد غاية التشدد في منع التصوير و تحريمه و الوعيد عليه . كما ينكر اقتناء الصور ، أو تعليقها في البيت ، و يعلن :‌ أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة .

 

و الملائكة هم مظهر رحمة الله تعالى و رضاه و بركته ، فإذا منعت من الدخول في بيت ، فمعناه أنه محروم من الرحمة الرضا و البركة .

 

و المتأمل في معاني الأحاديث الواردة في التصوير أو اقتناء الصور ، و في سياقاتها و ملابساتها ، و يقارن بين بعضها و بعض ،  يتبين له : أن النهي و التحريم و الوعيد في تلك الأحاديث لم يكن اعتباطاً و لا تحكماً ، بل كان و راءها علل و مقاصد يهدف الشرع إلى رعايتها و تحقيقها .

 

كتب: الإسلام والفن
تصوير ما يعظم و يقدس

( أ ) فبعض التصوير كان يقصد به تعظيم المصور ، و هذا التعظيم يتقاوت ، حتى يصل إلى درجة التقديس ، بل العبادة و تاريخ الوثنيات يدل على أنها بدأت بالتصوير للتذكرة و انتهت بالتقديس و العبادة .

 

ذكر المفسرون في قوله تعالى على لسان قوم نوح : ( وَ قَالواُ لَا تَذَرنَ ءَالِهَتَكمُ وَلَا تَذَرنَ وَدَاَ وَلَا سوَاعَاَ وَلَا يَغوثَ وَيَعوقَ وَ نَسُرَاَ) (نوح (32 ) ) أن أسماء هذه الأصنام المذكورة ، كانت أسماء رجال صالحين ، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابا ، وسموها بإسمائهم ففعلوا ، فلم تعبد .. حتى إذا هلك أولئك ، و نسي العلم . عبدت (رواه البخاري و غيره عن ابن عباس).

 

و عن عائشة قالت :‌ لما اشتكى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، ذكر بعض نسائه كنيسة يقال لها « مارية‌ » ، وكانت أم سلمة و أم حبيبة ، أتتا أرض الحبشة ، فذكرنا من حسنها و تصاوير فيها ، فرفع رأسه فقال : « أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح ، بنوا على قبره مسجداً ، ثم صوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار خلق الله » (متفق عليه) .

 

ومن المعروف أن الصور و التماثيل أروج ما تكون في رحاب الوثنية ، كما عرف ذلك عند قوم إبراهيم ، و عند المصريين القدماء ، و اليونان ، و الرومان ، و عند الهنود – إلى اليوم – و غيرهم .

 

و النصرانية حينما « ترو مت » على يد قسطنطين إمبراطور الروم – دخلها كثير مما كان عند الرومان من مظاهر الوثنية .

و لعل بعض ما ورد من الوعيد الشديد على التصوير يقصد به الذين ينحتون الآلهة المزعومة ، و المعبودات المتنوعة عند الأمم المختلفة : و ذلك مثل حديث ابن مسعود مرفوعاً : « إن أشد الناس عذاباً عند الله : المصورون » (متفق عليه) .

 

قال النووي :‌ « قيل هي محمولة على من فعل الصورة لتعبد ، و هو صانع الأصنام ونحوها ، فهذا كافر ، و هو أشد عذاباً ، و قيل : هي فيمن قصد المعنى الذي في الحديث من مضاهاة خلق الله تعالى ، و اعتقد ذلك ، فهذا كافر ، له من أشد العذاب ما للكافر ،‌و يزيد عذابه بزيادة قبح كفره » (شرح النووي على مسلم : 14/91) .

 

و إنما ذكر النووي ذلك ، و هو من أشد المشددين في تحريم التصوير و اتخاذ الصور ، لأنه لا يتصور – بحسب مقاصد الشرع – أن يكون المصور العادي أشد عذاباً من القاتل و الزاني و شارب الخمر و المرابي و شاهد الزور . . . و غيرهم من مرتكبي الكبائر و الموبقات .

 

و قد روي مسروق حديث ابن مسعود المذكور بمناسبة دخوله – هو و صاحب له – بيتاً فيه تماثيل ، فقال مسروق : هذه تماثيل كسرى ؟ قال صاحبه : هذه تماثيل مريم . . فروى مسروق الحديث .

 

كتب: الإسلام والفن
تصوير ما يعتبر من شعائر دين آخر

( ب ) و قريب من هذا اللون من التصوير ما كان يعبر عن شعائر دين معين غير دين الإسلام ، و أبرز مثل لذلك « الصليب » عند النصارى . فما كان من الصور مشتملاً على الصليب فهو محرم بلا ريب ، و يجب على المسلم نقضه و إزالته .

 

و في هذا روي البخاري عن عائشة :  أن النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه » .

 

كتب: الإسلام والفن
المضاهاة بخلق الله

( ج ) مضاهاة خلق الله عز و جل ‌، بدعوى أنه يبدع و يخلق كما يخلق الله سبحانه ، و يبدر أن هذا أمر يتعلق بقصد المصور و نيته ، و إن كان هناك من يرى أن كل مصور مضاه لخلق الله .

و في هذا جاء‌ حديث عائشة عن النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « أشد الناس عذاباً يوم القيامة : الذين يضاهون بخلق الله » (متفق عليه) .

 

فهذا الوعيد الغليظ يوحي بأنهم يقصدون إلى مضاهاة خلق الله ، و هو ما نقله الإمام النووي في شرح مسلم ، أذ لا يقصد ذلك ألا كافر .

 

و يدل عليه حديث أبي هريرة الصحيح قال : سمعت رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يقول : «‌قال الله تعالى : و من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا ذرة ، و ليخلقوا حبة ، أو ليخلقوا شعيرة » (متفق علية) .

 

فقوله :‌«‌ ذهب يخلق كخلقي » يدل على القصد و التعمد .

و لعل هذا هو سر التحدي الإلهي لهم يوم القيامة ، حيث يقال لهم : « أحيوا ما خلقتم » و هو « أمر تعجيز » كما يقول الأصوليون .

 

كتب: الإسلام والفن
دخول الصور في مظاهر الترف

( د ) أن تكون جزءاً من أدوات الترف و مظاهرة‌ .

و هذا ما يظهر من كراهية النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لبعض الصور في بيته ،‌فقد روت عائشة‌ أنه عليه الصلاة و السلام خرج في غزالة ، قالت : فأخذت نمطاً ( نوعاً من البسط اللطيفة أو الستائر ) فسترته على الباب ، فلما قدم ، فرأي النمط ، فجذبه حتى هتكه ، ثم قال : « إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة‌ و الطين » قالت : فقطعنا منه و سادتين ، و حشوتهما ليفاً ، فلم يعب ذلك علي » (متفق عليه(

 

و النص بهذه الصيغة – إن الله لم يأمرنا  - يقتضي أنه ليس بواجب و لا مندوب ، فهو لا يدل على أكثر من الكراهة التنزيهية ، كما قال الإمام النووي (شرح النووي على مسلم : 14 / 86 / ، 87) ،‌ و لكن بيت النبوة ،‌ينبغي أن يكون أسوة و مثلاً للناس في الترفع على زخرف الدنيا و زينتها .

 

يؤكد هذا حديث عائشة الآخر ، قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، و كان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال لي رسول الله ( صلي الله عليه وآل و سلم ) :‌« حولي هذا ،‌فإني كلما دخلت فرأيته ، ذكرت الدنيا » (رواه مسلم في باب « تحريم الصور » :‌ 14/87) .

و مثله : ما رواه القاسم بن محمد عنها رضي الله عنها : أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ، ممدود إلى سهوة ، فكان النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يصلي إليه ،‌ فقال : « أخريه عني » قالت : فأخرته فجعلته و سائد .

 

و في دواية‌ عند غير مسلم : « أخريه عني ، فإن تصاويره تعرض لي في صلاتي » (روها مسلم في باب « تحريم الصور  : 14 / 89) .

فهذا كله من زيادة الترفه و التنعم ، و هو من وادي الكراهية ، لا من وادي التحريم ، و لكن النووي قال « هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة ، فلهذا كان يدخل ويراه و لا ينكره » (مسلم مع شرح النووي : 14 / 87 ) .

 

و معني هذا :‌أنه يرى الأحاديث التي ظاهرها التحريم ناسخة لهذا الحديث و ما في معناه ، و لكن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال . فإثبات مثل هذا النسخ يستلزم أمرين :‌

 

أولهما : التحقق من تعارض النصين : بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، مع أن الجمع ممكن بحمل أحاديث التحريم على قصد مضاهاة خلق الله ، أو بقصرها على المجسم ( أي ما له ظل ) .

وثانيهما : معرفة المتأخر من النصين . و لا دليل على أن التحريم هو المتأخر ، بل الذي رآه الإمام الطحاوي في « مشكل الآثار » هو العكس ، فقد شدد الإسلام في شأن الصور في أول الأمر ، لقرب عهده بالوثنية ، ثم رخص في المسطحات من الصور . أي ما كان رقماً في ثوب ، و نحوه .

 

و قد روي هذا الحديث عن عائشة بصيغة أخرى ، تدل على شدة الكراهية من النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) .

فعن عائشة : أنها اشترت نمرقة ( و سادة صغيرة ) فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، قام على الباب ، فلم يدخل ، فعرفت في وجهه الكراهية ، قالت : فقلت : يا رسول الله ، أتوب إلى الله ، و إلى ، و إلى رسوله ، ما أذنبت ؟ فقال : « ما بال هذه النمرقه » ؟ قلت : اشتريتها لك لتقعد عليها و توسدها ، فقال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة‌ ، ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم » .

و قال :‌ « أن البيت الذي فيه الصورة لا تدخله الملائكة » (متفق عليه) .

 

نظرات في فقه الأحاديث :

في هذا الجو الذي كان يحيط بفن التصوير و الصور في عصر النبوة ، ورد معظم الأحاديث المحرمة . و لا غرو أن شددت الأحاديث النبوية في هذا الأمر ، و إن كان تشديدها في صنعة التصوير أكثر من تشديدها في اقتناء الصورة ، فبعض ما يحرم تصويره يجوز اقتناؤه فيما يمتهن مثل البسط و الوسائد و نحوها مما يبتذل بالاستعمال ، كما رأينا في حديث عائشة .

 

و من أشد ما روي في منع التصوير : ما جاء‌ في الصحيحين عن ابن عباس مرفوعاً : « كل مصور في النار ، يجعل له بكل صورة صورها نفساً ، فيعذبه في جهنم » .

 

و في رواية للبخاري عن سعيد بن أبي الحسن قال : كنت عند ابن عباس ، إذ جاءه رجل ، فقال : يا ابن عباس ؛ إني رجل إنما معيشتي من صنعة يدي ،‌و إني أصنع هذه التصاوير . فقال ابن عباس : لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) . سمعته يقول : « من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح ، و ليس بنافخ فيها أبداً» . فرتا الرجل ربوه شديدة ( أي انتفخ غيظاً و ضيقاً ) فقال : « ويحك ؛ إن أبيت إلا أن تصنع ، فعليك بهذا الشجر ، و كل شيء ليس فيه روح » .

 

و روي مسلم عن حبان بن حصين قال : « قال لي علي ابن أبي طالب رضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها ، و لا قبراً مشرفاً إلا سويته » .

 

و روي مسلم عن عائشة‌ أنها قالت :‌ واعد رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) جبريل عليه السلام ، في ساعة يأتيه فيها ، فجاءت تلك الساعة ، و لم يأته ، و في يده عصاً ، فألقاها من يده ، و قال : « ما يخلف الله وعده و لا رسله » ! ثم التفت ، فإذا جرو كلب تحت سريرة ، فقال : « يا عائشة ؛ متى دخل هذا الكلب ههنا » ؟ فقالت : و الله ما دريت ! فأمر به ، فأخرج ،‌فجاء جبريل ، فقال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « واعدتني ، فجلست لك ، فلم تأت » ! فقال : منعني الكلب الذي كان في بيتك ، إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب و لا صورة » (رواه مسلم).

 

و بهذا نرى أن عدد الأحاديث التي وردت في شأن التصوير و الصور ، ليس قليلاً ، كما زعم بعض من كتب في ذلك ، فقد رواها جمع من الصابة منهم : ابن مسعود ، و ابن عمر ، و ابن عباس ، و عائشة ، وعلي ، و أبو هريرة ، و أبو طلحة . و كلها في الصحاح .

 

و قد اختلف آراء الفقهاء في قضية التصوير في ضوء هدا الأحاديث ، و كان من أشرهم في ذلك الإمام النووي الذي حرم تصوير كل ما فيه روح من إنسان أو حيوان ، مجسماً ( له ظل ) أو غير مجسم ، ممتهناً أو غير ممتهن ، و لكنه أجاز استعمال ما يمتهن ، و إن كان تصويره حراماً ، كالمصور في البسط و الوسائد و نحوها .

 

و لكن بعض فقهاء‌ السلف قصر التحريم على المجسم ( الذي له ظل ) و هو ما نطلق عليه عرفاً « التماثيل » ، فهي أوغل في مشابهة الوثنية ، و هي التي يظهر فيها مضاهاة خلق الله ، لأن خلق الله و تصويره مجسم : ( هوَ الَذِي يصَوِركمُ فِي الُأَرُحَامَ كَيُفَ يَشَآء ) (آل عمران(6)) .

و في الحديث القدسي :‌ « و من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي » ، و خلق الله تعالى مجسم ، و هو الذي يمكن قبول نفخ الروح فيه ، إذ المسطح ليس قابلاً لذلك ، و لأنها أدخل في الترف و السرف ، و لا سيما ما كان من المعادن الثمينة .

و هذا مذهب بعض السلف . .

 

و قد قال النووي :‌ إن هذا مذهب باطل ، فتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه مذهب القاسم بن محمد ، و لعله أخذ بعموم قوله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « إلا رقماً في ثوب » و سنذكر نص هذا الحديث .

و القاسم بن محمد بن أبي بكر ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، و من أفضل أهل زمانه ، و ابن أخي عائشة‌ ، و راوي حديث النمرقة عنها ، و يحتج له بالحديث التالي :

ففي الصحيح عن بسر بن سعيد زيد بن خالد الجهني عن أبي طلحة صاحب رسول الله ( صلي اله عليه و آل و سلم ) أنه قال : إن رسول الله ( صلي الله عليه و آل وسلم ) قال : « إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة » . قال بسر : ثم اشتكى زيد بعد ، فعدناه ، فإذا على بابه ستر فيه صورة ، قال : فقلت لعبيد الله الخواني ربيب ميمونة زوج النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول ؟ فقال : ألم تسمعه حين قال : « إلا رقماً في ثوب » .

 

و أكد ذلك ما رواه الترمذي أن سهل بن حنيف وافق أبا طلحة على هذا الاستثناء :‌ « إلا رقماً في ثوب » .

و تأويل هذا بأن المراد به : ما كان لغير ذي روح ، يعارضه حديث تمثال الطائر الذي كان فيه بيت عائشة ، و قول النبي لها :« حولي هذا ، فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا » ، أو : « فإن تصاويره تعرض لي في صلاتي » .

 

فالأرجح قصر التحريم على المجسم ، و أما صور اللوحات المسطحة على الورق ، أو الجدران ، أو الخشب و نحوها ، فأقصى ما فيها الكراهية التنزيهية ، كما ذكر الإمام الخطابي ، إلا ما كان فيه غلو و إسراف ،‌ كالصور التي تباع بالملايين و نحوها .

و يستثنى من المجسم المحرم : لعب الأطفال . من الدمى و العرائس و القطط و الكلاب و القرود و نحوها ، مما يتلهى به الأطفال ، لأن مثله لا يظهر فيه قصد التعظيم ، و الأطفال يعبثون بها .

 

و دليل ذلك حديث عائشة أنها كانت تاعب بالبنات ( العرائس ) ، و إن صواحب لها كن يجئن إليها فيلعبن معها . و كان الرسول الكريم يسر لمجيئهن إليها .

و مثل ذلك :‌ التماثيل ئ العرائس التي تصنع من الحلوى و تباع في بعض المناسبات ، ثم لا تلبث أن تؤكل .

كما يستثنى من الحظر : التماثيل التي تشوه بقطع رأسها ، أو نحو ذلك منها ، كما جاء في الحديث أن جبريل قال للرسول ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « مر برأس التمثال فليقطع حتى يصير كهيئة الشجرة » .

 

و أما التماثيل النصفية التي تنصب في الميادين و نحوها للملوك و الزعماء ، فلا يخرجها من دائرة‌ الحظر ، لأنها لا تزال تعظم .

و نهج الإسلام في تخليد العظماء و الأبطال يخالف نهج الغربيين ، فهو يخلدهم بالذكر الحسن ، و السيرة الطيبة ، يتناقلها الخلف عن السلف ، و يتمثلونها ، و يأتسون بها ، و بهذا خلد الأنبياء و الصحابة و الأئمة و الأبطال و الربانيون ،‌ فأحبتهم القلوب ودعت لهم الألسنة ، و إن لم ترسم لهم صورة‌ ، و لا نصب لهم تمثال .

 

و كم من تماثيل قائمة لا يعرف الناس شيئاً عن أصحابها ، كتمثال « لا ظو غلى » في قلب القاهرة ، و كم من تماثيل يمر الناس عليها فيلعنون أصحابها( انظر ي موضوع التصوير و الصور : ما فصلناه في كتابنا « الحلال و الحرام » فصل : « في البيت » ) .

 

كتب: الإسلام والفن
الصور الفوتوغرافية

و مما لا خفاء فيه أن كل ما ورد في التصوير و الصور، إنما يعني الصور التي تنحت أو ترسم على حسب ما ذكرنا .

أما الصور الشمسية – التي تؤخذ بآلة الفوتوغرافيا – فهي شيء‌ مستحدث لم يكن في عصر الرسول ، و لا سلف المسلمين ، فهل ينطبق عليه ما ورد في التصوير و المصورين ؟

 

أما الذين يصرون التحريم على التماثيل « المجسمة » فلا يرون شيئاً في هذه الصور ، و خصوصاً إذا لم تكن كاملة‌ .

و أما على رأي الآخرين فهل تقاس هذه الصور الشمسية على تلك التي تبدعها ريشة الرسام ؟ أم أن العلة‌ التي نصت عليها بعض الأحاديث في عذاب المصورين – و هي أنهم يضاهون خلق الله – لا تتحقق هنا في الصورة الفوتوغرافية ؟ و حيث عدمت العلة عدم المعلول كما يقول الأصوليون ؟

 

إن الواضح هنا ما أفتى به المغفور له الشيخ محمد بخيت (في رسالة « الجواب الشافي إباحة التصوير الفوتوغرافي ») مفتي مصر : « إن أخذ الصورة بالفوتوغرافيا – الذي هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة – ليس من التصوير المنهي عنه في شيء ، لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة و صنع صورة لم تكن موجودة و لا مصنوعة‌ من قبل ، يضاهي بها حيواناً خلقه الله تعالى ، و ليس هذا المعني موجوداً في أخذ الصورة بتلك الآلة » . ( يؤكد هذا تسمية أهل الخليج الصورة « عكساً » و المصور «عكاساً» .

 

هذا . . و من المقرر أن لموضوع الصورة أثراً في الحكم بالحرمة أو غيرها . و لا يخالف مسلم في تحريم الصورة إذا كان موضوعها مخالفاً لعقائد الإسلام ، أو شرائعه و آدابه ، فتصوير النساء عاريات ، أو شبه عاريات ،‌ و إبراز مواضع الأنوثة و الفتنة منهن ، ورسمهن أو تصوير هن في أوضاع مثيرة للشهوات ، موقظة للغرائز الدنيا ، كما نرى ذلك واضحاً في بعض المجلات و الصحف ، و دور « السينما » ، كل ذلك مما لا شك في حرمته ، و حرمة‌ تصويره ، و حرمة نشره على الناس ،‌و حرمة اقتنائه و اتخاذه في البيت أو المكاتب و المحلات ، و تعليقه على الجدران ، و حرمة القصد إلى رؤيته و مشاهدته .

 

و مثل هذا صور الكفار و الظلمة و الفساق ، الذين يجب على المسلم أن يعاديهم في الله ، فلا يحل لمسلم أن يصور أو يقتني صورة لزعيم ملحد ينكر وجود الله ، أو وثني يشرك مع الله البقر أو النار أو غيرها ، أو يهودي أو نصراني يجحد نبوة محمد ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، أو مدع للإسلام و هو يحكم بغير ما أنزل الله ، أو يشيع الفاحشة و الفساد في المجتمع .

 

و مثل هذا : الصور التي تعبر عن الوثنية أو شعائر بعض الأديان التي لا يرضاها الإسلام كالأصنام و ما شابهها .

 

كتب: الإسلام والفن
خلاصة لأحكام الصور و المصورين

و نستطيع أن نجمل أحكام الصور و المصورين في الخلاصة التالية :

( أ ) أشد أنواع الصور في الحرمة و الإثم صور ما يعبد من دون الله ، فهذه تؤدي بمصورها إلى الكفر إن كان عارفاً بذلك قاصداً له .

و المجسم في هذه الصور أشد إثماً و نكراً . و كل من روج هذه الصور أو عظمها بوجه من الوجوه داخل في هذا الإثم بقدر مشاركته .

 

( ب ) ويليه في الإثم من صور ما لا يعبد ، ولكنه قصد مضاهاة خلق الله ، إي ادعى إنه يبدع و يخلق كما يخلق الله ، فهو بهذا يقارب الكفر ، و هذا أمر يتعلق بنية المصور و حده .

 

( ج ) و دون الله ذلك الصور المجسمة لما لا يعبد ، ، و لكنها مما يعظم كصور الملوك و القادة و الزعماء و غيرهم ممن يزعمون تخليدهم بإقامة التماثيل لهم ، و نصبها في الميادين و نحوها ، و يستوي في ذلك أن يكون التمثال كاملاً أو نصفياً .

 

( د )  ودونها الصور المجسمة لكل ذي روح مما لا يقدس و لا يعظم ، فإنه متفق على حرمته ، يستثنى من ذلك ما يمتهن ، كلعب الأطفال ، و مثلها ما يؤكل من تماثيل الحلوى .

 

( هـ ) و بعدها الصور غير المجسمة ( اللوحات الفنية ) التي يعظم أصحابها ، كصور الحكام و الزعماء ، و غيرهم ، و خاصة إذا نصبت و علقت ، و تتأكد الحرمة إذا كان هؤلاء من الظلمة و الفسقة و الملحدين ، فإن تعظيمهم هدم للإسلام .

 

( و ) و دون ذلك أن تكون الصورة غير المجسمة لذي روح لا يعظم ، و لكن تعد من مظاهر الترف ، و التنعم كأن تستر بها الجدر و نحوها ، فهذا من المكروهات فحسب .

 

( ز ) أما صور غير ذي الروح من الشجر و النخيل و البحار و السفن و الجبال و النجوم و السحب و نحوها من المناظر الطبيعة ، فلا جناح على من صورها أو اقتناها ، ما لم تشغل عن طاعة أو تؤد إلى ترف فتكره .

 

( ح )‌ و أما الصور الشمسية ( الفوتوغرافية ) فالأصل فيها الإباحة ، ما لم يشتمل موضوع الصورة على محرم ، كتقديس صاحبها تقديساً دينياً ، أو تعظيمه تعظيماً دنيوياً ، و خاصة إذا كان المعظم من أهل الكفر أو الفساق كالوثنيين و الشيوعيين و الفنانين المنحرفين .

 

( ط ) و أخيراً . . إن التماثيل و الصور المحرمة أو المكروهة إذا شوهت أو امتهنت ، انتقلت من دائرة الحرمة و الكراهة إلى دائرة الحل ، كصور البسط التي تدوسها الأقدام و النعال و نحوها .

 

كتب: الإسلام والفن
تأويلات

و من المعلوم أن هناك بعض العلماء حاولوا أن يؤولوا الأحاديث الصحاح الواردة في تحريم التصوير و اقتناء الصور ليقولوا بإباحة الصور كلها حتى المجسمة منها .

 

مثل ما حكاه أبو علي الفارسي في تفسيره عمن حمل كلمة « المصورين » في الحديث على من جعل الله صورة‌ ، يعني : المجسمة و المشبهة الذي شبهوا الله تعالى ليس كمثله شيء .

 

ذكر هذا أبو علي فارسي في كتابه « الحجة » (مخطوط مصور بدار الكتب المصرية برقم ( 463 )) و هو تكلف و اعتساف لا تساعده الألفاظ الثابتة في الأحاديث .

 

و مثل من استند إلى ما أبيح لسليمان عليه السلام ، و ذكره القرآن في سورة سبأ : ( يَعُمَلونَ لَه, مَا يَشَآء مِن مَحَارِيبَ وَ تَمَاثِيُلَ . . ) (سبأ : 13) و لم يقولوا بنسخه في شريعتنا . و هذا الرأي ذكره أبو جعفر النحاس ، و حكاه بعده مكي في تفسيره « الهداية إلى بلوغ النهاية » (انظر : مقال العالم الرسام الدكتور عبد المجيد وافي بمجلة « رسالة‌ الإسلام » عدد ( 51 ) رجب 1338 هـ ، و قد جعله الدكتور فتحي عثمان ضمن ملاحق كتابه « الفكر الإسلامي و التطور »‌ ملحق رقم ( 10 )) .

 

و مثل من حمل المنع على مجرد الكراهة ، و أن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان ، و قد تغير الحال في العصور التالية . ( هذا مع أن الوثنية لا زال يدين بها آلاف الملايين ) .

 

و هذا قاله بعضهم من قبل ، ورد عليهم الإمام ابن دقيق العيد ، بأن « هذا القول بالطل قطعاً ، لأن هذا مناف للعلة التي ذكرها الشارع ، و هي أنهم يضاهون أو يشبهون بخلق الله . قال و هذه علة عامة مستقيمة مناسبة ، لا تخص زماناً دون زمان . و ليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة‌ بمعنى خيالي » (انظر : الإحكام شرح عمدة‌ الأحكام ، لا بن دقيق العيد : 2/171 173 طبع منير ، و انظر تعليق العلامة‌ الشيخ أحمد شاكر على الحديث ( 7166 ) من مسند أحمد ، و انظر كذلك التعليق على الحديثين ( 1864 ) ، ‌( 1865 ) من كتابنا « المنتقى من الترغيب و الترهيب » - طبع دار الوفاء ) .

 

و الثابت الواضح أن هذه الأقوال لم تقنع العقل المسلم ، و بالتالي لم تؤثر في المجرى العام للحضارة الإسلامية و الحياة السلامية‌ ، و إن عمل بها بعض الناس في بعض البلدان ، كما رأينا في أسود قصر الحمراء بغر ناطة في الأنرلس ، و بعض ما حكاه شمعدان وضع للملك الكامل ، كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه و خرج منه شخص في خدمة الملك . . . إلخ ، و أن القرافي نفسه عمل شمعداناً زاد فيه : أن الشمعة‌ يتغير لونها كل ساعة‌ ، و فيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد ، إلى الحمرة الشديدة ، ويسقط حصانان من طائرين ، ويدخل شخص ، ويخرج شخص غيره ، و يغلق باب و يفتح باب ، في كل ساعة لها لون . و إذا طلع الفجر طلع الشخص على أعلى الشمعدان ، و أصبعه في أذنه ، يشير إلى الأذان ، قال القرافي : غير أني عجزت عن صنعة الكلام (نقل ذلك الدكتور وافي في مقاله المذكور) .

 

وقريب من ذلك ما حكاه ابن جبير في رحلته عن وصف الساعة التي كانت بجامع دمشق ، و فيها تمثال صقور . . . إلخ .

 

كتب: الإسلام والفن
المزاج العام للحضارة الإسلامية

و لكن المؤكد أن المزاج العام للحضارة الإسلامية لم يرحب بصور الإنسان والحيوان ، وخصوصاً المجسمة منها ، وغلب عليه التجريد ، اللائق بعقيدة التوحيد ، لا التجسيم اللائق بالوثنيات علي اختلاف درجاتها .

 

ومن هنا اتجه الفن «التشكيلي » في حضارتها إلي أمور أخري إبداع ، وترك فيها آثاراً رائعة الجمال .

تجلت في الزخارف التي تفنن فيها عقل الفنان المسلم ويده وريشته ، وتجلي ذلك في المساجد والمصاحف والقصور والمنازل وغيرها : علي الجدران والسقوف ، والأبواب والنوافذ ، وعلي الأرضيات أحياناً ،‌وفي الأدوات المنزلية ، وفي الأثاث ، والتحف والبسط والثياب والسيوف ، واستخدمت المواد المختلفة من الحجارة والرخام والخشب ،والخزف والجلد والنحاس ، والمعادن المتنوعة .

 

ودخل في الزخرفة : الخط العربي بأنواعه المختلفة من الثلث والنسخ والرقعة والفارسي والديواني والكوفي وغيرها ، وافتن الخطاطون في ذلك كل الافتنان ، وخلفوا لنا لوحلت في غاية الحسن والإبداع .

 

وأكثر ما تجلي الفنان «الخط والزخرفة » في المصاحف والجوامع . أما الجوامع فلا زلنا نشهد منها آيات في الجمال ، كما في المسجد النبوي ، ومسجد قبة الصخرة ، والجامع الأموي بدمشق ، وجامع السلطان أحمد والسليمانية بإستانبول ، وجامع السلطان حسن وجامع محمد علي بالقاهرة ، وغيرها وغيرها في أنحاء العالم الإسلامي .

 

وأبرز ما تجلي فيه الفن الإسلامي إنما كان في العمارة ،‌ وقد قال مؤرخو الحضارة : إن فن البناء أحسن معبر عن الفن الإسلامي ، وقد ظهر ذلك في روائع كثيرة في أقطار عدة ، لعل أبرزها في الهند : إحدي عجائب الدنيا المتمثلة في تلك الرائعة الهندسية الجمالية : «تاج محل ».

 

وهكذا كان منع التصوير والنحت سبباً لفتح أبواب أخري في عالم الفنون ، جعلت للعالم الإسلامي تميزه الخاص ، ومثاليته المتفردة .( انظر : مجالي الإسلام تأليف حيدر بامات :‌الفصل الثاني عشر « خلاصة‌ الفن الإسلامي » ص 407 445 ترجمة عادل زعيتر طبع عيسى الحلبي)

 

كتب: الإسلام والفن
المقدمة

الحياة رحلة شاقة ، حافلة بالمتاعب و الآلام  ، ولا يسلم امرؤ فيها من تجرع لون أو ألوان من غصصها ، و مكابدة آلامها ، و إن ولد و في فمه ملعقة من ذهب ، كما يقولون .

و قد أشار القرآن إلى ذلك حين قال : ( لَقَدُ خَلَقُنَا الُإِنَسَانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) ) (البلد) .

 

و أهل الإيمان أكثر تعرضاً لبلاء الدنيا من غيرهم ، نظراً لخطورة مطلبهم ، من ناحية ، و كثرة من يعارضهم و يقطع عليهم طريقهم من ناحية أخرى .

حتى ورد في بعض الآثار : « المؤمن بين خمس شدائد : مسلم يحسده ، و منافق يبغضه ، و كافر يقاتله ، و شيطان يضله ، و نفس تنازعه » .

 

و ثبت في الحديث أن أشد الناس بلاءً : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل .

لهذا كان الناس – كل الناس – في حاجة إلى واحات في طريقهم تخفف عنهم بعض عناء رحلة‌ الحياة ، و كان لا بد لهم من أشياء يروحون بها أنفسهم ، حتى يضحكوا ويفرحوا ويمرحوا ، و لا يغلب عليهم الغم و الحزن و النكد ، فينغص عليهم عيشهم ، ويكدر عليهم صفوهم .

 

و كان من تلك الأدوات : الغناء ، و قد تحدثنا عنه .

و منها : الفكاهة و المرح ، و كل ما يستخرج الضحك من الإنسان ، ويطارد الحزن من قلبه ، و العبوس من وجهه ، و الكآبة من حياته .

 

فهل يرحب الدين بهذا الفن « الكوميدي » أو يضيق به ؟ هل يحله أو يحرمه ؟ 

كتب: الإسلام والفن
الفكاهة و المرح في واقع المسلمين

و قد رأيت الناس – بفطرتهم – و على قدر ما سمحت به إمكاناتهم ، و في ضوء ما فرفوه من سماحة دينهم – قد ابتكروا ألواناً من الوسائل و الأدوات التي تقوم بوظيفة الترويح والإضحاك لهم .

من ذلك : « النكت » التي برع فيها المصريون ، و اشتهروا بها بين الشعوب ، و هي أنواع مختلفة ، و لها مهمات متعددة ، و منها : « النكت السياسية » التي تهزأ بالحكام و أعوانهم ، و خصوصاً في أوقات التسلط و الاستبداد السياسي .

و لا يكاد يجلس الناس بعضهم إلى بعض إلا حكوا من هذه النكت ما يضحكهم ويسري عنهم بعض ما يعانون . أحياناً يسندونها إلى معين .

 

و هناك أناس لا يقتصرون على حكاية النكت عن غيرهم ، بل هم ينشئون نكتاً على البديهة ، و هذا شأن الشخصيات الفكهة ، مثل « الشعب » قديماً ، و مثل الشيخ « عبد العزيز البشري » حديثاً في مصر .

و كانت في مصر بعض المجلات المتخصصة في هذا اللون ، أشهرها مجلة « البعكوكة » .

ويلحق بذلك فن « القفشات » و ما يسميه المصريون « الدخول في قافية » ، و هو لون من استخدام المجاز و التورية حول موضوع واحد ، يتطارح فيه الطرفان .

 

و من ذلك : ألوان من الألعاب التي تدعو إلى الضحك و المرح ، مثل لعبة‌ « الأرا جوز » .

و مثله « خيال الظل » الذي كان يعتبر نوعاً من التمثيل الشعبي الفكاهي .

و من ذلك : الألغاز و الأحاجي ، أو ما يسمى في لغة العامة « الفوازير » .

و من ذلك :‌ القصص الفكاهية ،‌ أو ما يسميه العوام « الحواديت » المسلية و المرفهة .

و من ذلك : « الأمثال الشعبية »‌ التي كثيراً ما تتضمن أفكاراً أو تعبيرات تبعث على الضحك و المرح . . .

إلى غير ذلك من الألوان ، التي تخترعها الشعوب بوساطة فنانين معروفين أو مجهولين غالباً ، ملائمة لكل بيئة‌ و ما يسودها من فيم و مفاهيم ، و ما تمر به من ظروف و أحوال .

 

و كل عصر يضيف أشياء جديدة‌ ، ويطور الأشياء القديمة ،‌ و قد يستغني عن بعضها .

كما نرى في عصرها في « الكاريكاتير » الذي حول النكتة‌ من مجرد كلمة تقال ، إلى صورة معبرة‌ ، مصحوبة ببعض الكلام ،‌ أو غير مصحوبة‌ .

و قد سئلت عن موقف الدين من الضحك و المرح و الفكاهة ، نظراً لما يبدو على بعض المتدينين من العبوس و التجهم ، فيكادون لا يضحكون ،‌و لا يمزحون ، حتى حسب بعض الناس أن هذه هي طبيعة الدين و التدين .

وكان جوابي : أن الضحك من خصائص الإنسان ، قالحيوانات لا تضحك ؛ لأن الضحك يأتي بعد نوع من الفهم و المعرفة لقول يسمعه ، أو موفق يراه ، فيضحك منه .

 

و لهذا قيل : الإنسان حيوان ضاحك ، ويصدق القول هنا : أنا أضحك ، إذن أنا إنسان .

و الإسلام – بوصفه دين الفطرة – لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك و الانبساط ،‌ بل هو على العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة‌ باسمة‌ طيبة ، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشة‌ ، ويكره الشخصية المكتئبة‌ المتطيرة ، التي لا تنظر إلى الحياة و الناس إلا من خلال منظار قاتم أسود .

و أسوة‌ الملمين في ذلك هو رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، فقد كان – برغم همومه الكثيرة‌ و المتنوعة – يمزح و لا يقول إلا حقاً ، ويحيا مع أصحابه حياة فطرية عادية ،‌ يشاكهم في ضحكهم ولعبهم و مزاحهم ،‌كما يشاركهم آلامهم و أحزانهم و مصائبهم .

يقول زيد بن ثابت ، و قد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقال : « كنت جاره ، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلى فكتبته له ، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ،‌و إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، و إذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، قال ‌: فكل هذا أحدثكم عن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) » (رواه الطبراني بإسناد حسن كما في « مجمع الزوائد » : 9/17) .

 

و قد وصفه أصحابه بأنه كان من أفكه الناس (ذكره في « كنز العمال » برقم ( 18400 )) .

و قد رأينا في بيته – ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – يمازح زوجاته ويداعبهن ، ويستمع إلى أقاصيصهن ، كما في حديث أم زرع الشهير في صحيح البخاري .

 

و كما رأينا في تسابقه مع عائشة رضي الله عنها ، حيث سبقته مرة ، و بعد مدة تسابقا فسبقها ، فقال لها : « هذه بتلك » !

و قد روي أنه وطأ ظهره لسبطية الحسن و الحسين ، في طفولتها ليركبا ، ويستمتعا دون تزمت و لا تحرج ، و قد دخل عليه أحد الصحابة و رأي هذا المشهد فقال : نعم المركب ركبتما ، فقال عليه الصلاة و السلام : « و نعم الفارسان هما » !

 

و رأيناه يمزح مع تلك المرأة‌ العجوز التي جاءت تقول له : ادع الله أن يدخلني الجنة‌ ، فقال لها : « يا أم فلان ؛ أن الجنة‌ لا يدخلها عجوز » ! فبكت المرأة ، حيث أخذت الكلام على ظاهره ، فأفهمها : أنها حين تدخل الجنة لن تدخلها عجوزاً ،بل شابة حسناء .

و تلا عليها قول الله تعالى في نساء الجنة : ( إِنَآ أَنشَأُنَاهنَ إِنشَآءَ ( 35 ) فَجَعَلُنَاهنَ أَبُكَاراً ( 36 ) عرباً أَتُرَابَا ( 37 ) ) (الواقعة : 35 37 ، و الحديث أخرجه الترمذي في « المائل » ، و عبد بن حميد ، و ابن المنذر و البيهقي و غيرهم ، و حسنه الألباني في « غاية المرام » ) .

 

و جاء رجل يسأله أن يحمله على بعير ، فقال له عليه الصلاة و السلام : « لا أحملك إلا على ولد الناقة » ! فقال : يا رسول الله ؛ وماذا أصنع بولد الناقة ؟ ! – انصرف ذهنه إلى الحوار الصغير – فقال « وهل تلد الإبل إلا النوق » ؟ (رواه الترمذي ، و قال : حسن صحيح و أخرجه أبو داود أيضاً) .

 

و قال زيد بن أسلم : إن امرأة‌ يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقالت : إن زوجي يدعوك ، قال : « ومن هو ؟ أهو الذي بعينه بياض » ؟ قالت : و الله ما بعينه بياض ! فقال : « بلى إن بعينه بيضاً » فقالت :‌ لا والله ،‌ فقال ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ما من أحد إلا بعينه بياض » (أخرجه الزبير بن بكار في كتاب ط الفكاهة و المرح » ، و رواه ابن أبي الدنيا من حديث عبيدة بن سهم الفهري مع اختلاف ، كما ذكر العراقي في « تخريج الإحياء » . ) ، وأراد به البياض المحيط بالحدقة .

و قال أنس : كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير ، و كان رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يأتيهم و يقول : « يا أبا عمير؛ ما فعل النغير »‌ ؟ لنغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور .

 

و قالت عائشة رضي الله عنها : كان عندي رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و سودة بنت زمعة فصنعت حريرة ( دقيق يطبخ بلبن أو دسم ) و جئت به ، فقلت لسَودَة‌ : كلي ، فقالت : لا أحبه ، فقلت : و الله لتأكلن أو لألطخن به وجهك ، فقالت : ما أنا بذائقته ، فأخذت بيدي من الصحفة‌ شيئاً منه فلطخت به وجهها ،ورسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) جالس بيني و بينها ، فخفض لها رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ركبتيه لتستقيد مني ، فتناولت من الصحفة شيئاً فمسحت به وجهي ! و جعل رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يضحك (متفق عليه) .

 

و روي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلاً دميماً قبيحاً ، فلما بايعه النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قال :‌ إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء – و ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب – أفلا أنزل لك عن « إحداهما فتتزوجها ! – و عائشة جالسة تسمع – فقالت : أهي أحسن أم أنت ؟ فقال : أنا أحسن منها و أكرم ، فضحك رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) من سؤالها إياه ؛‌ لأنه كان دميماً (قال الحافظ العراقي : أخرجه الزبير بن بكار في « الفكاهة و المرح » من رواية عبد الله بن حسن مرسلاً أو معضلاً ، و للدار قطني نحو هذه القصة مع عيينة بن حصن الفزاري بعد نزول الحجاب من حديث أبي هريرة ) .

 

و كان ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يحب إشاعة السرور و البهجة في حياة الناس ، و خصوصاً في المنابات مثل الأعياد و الأعراس .

و لما أنكر الصديق أبو بكر رضي الله عنه غناء الجاريتين يوم العيد في بيته و انتهرهما ، قال له : « دعهما يا أبا بكر ، فإنها أيام عيد » !

و في بعض الروايات : « حتى يعلم يهود أن في ديننا فسحة » .

 

و قد أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده عليه الصلاة و السلام في أحد أيام الأعياد ، و كان يحرضهم و يقول : « دونكم يا بني أرفدة » !

و أتاح لعائشة أن تنظر إليهم من خلفه ، و هم يلعبون و يرقصون ، و لم ير في ذلك بأساً و لا حرجاً .

و استنكر يوماً أن تزف فتاة إلى زوجها زفافاً صامتاً ، لم يصحبه لهو و لا غناء ، و قال : « هلا كان معها لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ، أو الغزل » .

 

و في الروايات : « هلا بعثتم معها من تعني و تقول : أتيناكم أتيناكم . . فحيونا نحييكم » .

و كان أصحاب النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ومن تبعهم في خير قرون الأمة يضحكون و يمزحون ، اقتداءً بنبيهم ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و اهتداءً بهدية . حتى إن رجلاً مثل عمر بن الخطاب – على ما عرف عنه من الصرامة و الشدة – يروى عنه أنه مازح جارية له ، فقال لها : خلقني خالق الكرام ، و خلقك خالق اللئام ! فلما رآها ابتأست من هذا القول ، قال لها مبيناً : و هل خالق الكرام و اللئام إلا الله عز و جل ؟ ؟

 

و قد عرف بعضهم بذلك في حياته – ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – و أقره عليه ، و استمر على ذلك من بعده . و قبله الصحابة ، و لم يجدوا فيه ما ينكر ، برغم أن بعض الوقائع المروية في ذلك لو حدثت اليوم لأنكرها معظم المتدينين أشد الإنكار ، و عدو فاعلها من الفاسقين أو المنحرفين !

 

من هؤلاء المعروفين بروح المرح و الفكاهة‌ و الميل إلى الضحك و المزاح : النعيمان بن عمر الأنصاري رضي الله عنه ، الذي رويت عنه في ذلك نوادر عجيبة و غريبة‌ .

 

و قد ذكروا أنه كان ممن شهد العقبة الأخيرة ، و شهد بدراً و أحداً ، و الخندق ، و المشاهد كلها .

روي عنه الزبير بن بكار عدداً من النوادر الطرفة في كتابه « الفكاهة و المرح » نذكر بعضاً منها . . .

قال : و كان لا يدخل المدينة‌ طرفة إلا اشترى منها ، ثم جاء‌ بها إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فيقول : هذا أهديته لك ، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها ، أحضره إلى النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) ، قائلاً :‌أعط هذا ثمن متاعه ، فيقول : « أولم تهده لي » ؟ فيقول : إنه والله لم يكن عندي ثمنه ، و لقد أحببت أن تأكله ! فيضحك ، و يأمر لصاحبه بثمنه .

 

و أخرج الزبير قصة أخرى من طريق ربيعة بن عثمان قال :‌دخل أعرابي على النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و أناخ ناقته بفنائه ، فقال بعض الصحابة للنعيمان الأنصاري : لو عقرتها فأكلناها ، فإنا قد قدمنا إلى اللحم ؟ ففعل ، فخرج الأعرابي و صاح : و اعقراه يا محمد ! فخرج النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) فقال : « من فعل هذا » ؟ فقالوا : النعيمان ، فأتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، و استخفى تحت سرب لها فوقه جريد ، فأشار رجل إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) حيث هو فأخرجه فقال له : « ما حملك على ما صنعت » ؟ قال : الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني بذلك ، قال : فجعل يمسح التراب عن وجهه و يضحك ، ثم غرمها للأعرابي .

 

و قال الزبير أيضاً : حدثني عمي عن جدي قال : كان مخرمة‌ بن نوفل قد بلغ مائة و خمس عشرة سنة ، فقام في المسجد يريد أن يبول ، فصاح به الناس ، المسجد المسجد ، فأخذه نعيمان بن عمرو بيده ، و تنحى به ، ثم أجلسه في ناحية أخرى من المسجد فقال له : بل هنا ، قال : فصاح به الناس فقال : و يحكم ، فمن أتى بي إلى هذا الموضع ؟ ! قالوا : ننعيمان ، قال : أما إن لله علي إن ظفرت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت ! فبلغ ذلك نعيمان ، فمكث ما شاء الله ، ثم أتاه يوماً ، و عثمان قائم يصلي في ناحية المسجد ، فقال لمخرمة‌ :‌ هل لك في نعيمان ؟‌ قال :‌نعم ، قال : فأخذه بيد حتى أوقفه على عثمان ، و كان إذا صلى لا يلتفت فقال : دونك هذا نعيمان ، فجمع يده بعصاه ، فضرب عثمان فشجه ، فصاحوا به : ضربت أمير المؤمنين ! فذكر بقية القصة (ذكر هذه القصص الحافظ ابن حجر في ترجمة نعيمان من كتابه « الإصابة » نقلاً عن كتاب الزبير بن بكار في كتابه « الفكاهة و المرح » . ) .

و من الطرائف أن صحابياً آخر من أهل الفكاهة و المزاح ، استطاع أن يوقع نعيمان في بعض ما أوقع فيه غيره من « المقالب » كما في قصة‌ سويبط  بن حرملة معه ، و كان ممن شهد بدراً أيضاً ، قال ابن عبد البر في « الاستيعاب » في ترجمة سويبط رضي الله عنه : و كان مزاحاً يفرط في الدعابة ، و له قصة‌ ظريفة مع نعيمان و أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ، نذكرها لما فيها من الظرف ، و حسن الخلق .

 

روي عن أم سلمة قالت : خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ( صلي الله عليه وآل و سلم ) بعام ،‌و معه نعيمان و سويبط بن حرملة ، و كانا قد شهدا بدراً ، و كان نعيمان على  الزاد ، فقال له سويبط – و كان رجلاً مزاحاً - : أطعمني ، فقال : لا حتى يجيء أبو بكر رضي الله عنه ، فقال : أما و الله لأغيظنك ، فمروا بقوم فقال لهم سويبط : تشترون مني عبداً ؟ قالوا : نعم ، قال : أنه عند له كلام ، و هو قائل لكم : إني حر ، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه ، فلا تفسدوا علي عبدي ، قالوا : بل نشتريه منك ، قال : فاشترون منه بعشر قلائص ، قال : فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلاً ، فقال نعيمان : إن هذا يستهزىء بكم ، و إني حر ، لست بعبد ، قالوا : قد أخبرنا خبرك ، فانطلقوا به ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه . فأخ