و قد رأيت الناس – بفطرتهم – و على قدر ما سمحت به إمكاناتهم ، و في ضوء ما فرفوه من سماحة دينهم – قد ابتكروا ألواناً من الوسائل و الأدوات التي تقوم بوظيفة الترويح والإضحاك لهم .
من ذلك : « النكت » التي برع فيها المصريون ، و اشتهروا بها بين الشعوب ، و هي أنواع مختلفة ، و لها مهمات متعددة ، و منها : « النكت السياسية » التي تهزأ بالحكام و أعوانهم ، و خصوصاً في أوقات التسلط و الاستبداد السياسي .
و لا يكاد يجلس الناس بعضهم إلى بعض إلا حكوا من هذه النكت ما يضحكهم ويسري عنهم بعض ما يعانون . أحياناً يسندونها إلى معين .
و هناك أناس لا يقتصرون على حكاية النكت عن غيرهم ، بل هم ينشئون نكتاً على البديهة ، و هذا شأن الشخصيات الفكهة ، مثل « الشعب » قديماً ، و مثل الشيخ « عبد العزيز البشري » حديثاً في مصر .
و كانت في مصر بعض المجلات المتخصصة في هذا اللون ، أشهرها مجلة « البعكوكة » .
ويلحق بذلك فن « القفشات » و ما يسميه المصريون « الدخول في قافية » ، و هو لون من استخدام المجاز و التورية حول موضوع واحد ، يتطارح فيه الطرفان .
و من ذلك : ألوان من الألعاب التي تدعو إلى الضحك و المرح ، مثل لعبة « الأرا جوز » .
و مثله « خيال الظل » الذي كان يعتبر نوعاً من التمثيل الشعبي الفكاهي .
و من ذلك : الألغاز و الأحاجي ، أو ما يسمى في لغة العامة « الفوازير » .
و من ذلك : القصص الفكاهية ، أو ما يسميه العوام « الحواديت » المسلية و المرفهة .
و من ذلك : « الأمثال الشعبية » التي كثيراً ما تتضمن أفكاراً أو تعبيرات تبعث على الضحك و المرح . . .
إلى غير ذلك من الألوان ، التي تخترعها الشعوب بوساطة فنانين معروفين أو مجهولين غالباً ، ملائمة لكل بيئة و ما يسودها من فيم و مفاهيم ، و ما تمر به من ظروف و أحوال .
و كل عصر يضيف أشياء جديدة ، ويطور الأشياء القديمة ، و قد يستغني عن بعضها .
كما نرى في عصرها في « الكاريكاتير » الذي حول النكتة من مجرد كلمة تقال ، إلى صورة معبرة ، مصحوبة ببعض الكلام ، أو غير مصحوبة .
و قد سئلت عن موقف الدين من الضحك و المرح و الفكاهة ، نظراً لما يبدو على بعض المتدينين من العبوس و التجهم ، فيكادون لا يضحكون ،و لا يمزحون ، حتى حسب بعض الناس أن هذه هي طبيعة الدين و التدين .
وكان جوابي : أن الضحك من خصائص الإنسان ، قالحيوانات لا تضحك ؛ لأن الضحك يأتي بعد نوع من الفهم و المعرفة لقول يسمعه ، أو موفق يراه ، فيضحك منه .
و لهذا قيل : الإنسان حيوان ضاحك ، ويصدق القول هنا : أنا أضحك ، إذن أنا إنسان .
و الإسلام – بوصفه دين الفطرة – لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك و الانبساط ، بل هو على العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة باسمة طيبة ، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشة ، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة ، التي لا تنظر إلى الحياة و الناس إلا من خلال منظار قاتم أسود .
و أسوة الملمين في ذلك هو رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، فقد كان – برغم همومه الكثيرة و المتنوعة – يمزح و لا يقول إلا حقاً ، ويحيا مع أصحابه حياة فطرية عادية ، يشاكهم في ضحكهم ولعبهم و مزاحهم ،كما يشاركهم آلامهم و أحزانهم و مصائبهم .
يقول زيد بن ثابت ، و قد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقال : « كنت جاره ، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلى فكتبته له ، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ،و إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، و إذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، قال : فكل هذا أحدثكم عن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) » (رواه الطبراني بإسناد حسن كما في « مجمع الزوائد » : 9/17) .
و قد وصفه أصحابه بأنه كان من أفكه الناس (ذكره في « كنز العمال » برقم ( 18400 )) .
و قد رأينا في بيته – ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – يمازح زوجاته ويداعبهن ، ويستمع إلى أقاصيصهن ، كما في حديث أم زرع الشهير في صحيح البخاري .
و كما رأينا في تسابقه مع عائشة رضي الله عنها ، حيث سبقته مرة ، و بعد مدة تسابقا فسبقها ، فقال لها : « هذه بتلك » !
و قد روي أنه وطأ ظهره لسبطية الحسن و الحسين ، في طفولتها ليركبا ، ويستمتعا دون تزمت و لا تحرج ، و قد دخل عليه أحد الصحابة و رأي هذا المشهد فقال : نعم المركب ركبتما ، فقال عليه الصلاة و السلام : « و نعم الفارسان هما » !
و رأيناه يمزح مع تلك المرأة العجوز التي جاءت تقول له : ادع الله أن يدخلني الجنة ، فقال لها : « يا أم فلان ؛ أن الجنة لا يدخلها عجوز » ! فبكت المرأة ، حيث أخذت الكلام على ظاهره ، فأفهمها : أنها حين تدخل الجنة لن تدخلها عجوزاً ،بل شابة حسناء .
و تلا عليها قول الله تعالى في نساء الجنة : ( إِنَآ أَنشَأُنَاهنَ إِنشَآءَ ( 35 ) فَجَعَلُنَاهنَ أَبُكَاراً ( 36 ) عرباً أَتُرَابَا ( 37 ) ) (الواقعة : 35 – 37 ، و الحديث أخرجه الترمذي في « المائل » ، و عبد بن حميد ، و ابن المنذر و البيهقي و غيرهم ، و حسنه الألباني في « غاية المرام » ) .
و جاء رجل يسأله أن يحمله على بعير ، فقال له عليه الصلاة و السلام : « لا أحملك إلا على ولد الناقة » ! فقال : يا رسول الله ؛ وماذا أصنع بولد الناقة ؟ ! – انصرف ذهنه إلى الحوار الصغير – فقال « وهل تلد الإبل إلا النوق » ؟ (رواه الترمذي ، و قال : حسن صحيح و أخرجه أبو داود أيضاً) .
و قال زيد بن أسلم : إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فقالت : إن زوجي يدعوك ، قال : « ومن هو ؟ أهو الذي بعينه بياض » ؟ قالت : و الله ما بعينه بياض ! فقال : « بلى إن بعينه بيضاً » فقالت : لا والله ، فقال ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ما من أحد إلا بعينه بياض » (أخرجه الزبير بن بكار في كتاب ط الفكاهة و المرح » ، و رواه ابن أبي الدنيا من حديث عبيدة بن سهم الفهري مع اختلاف ، كما ذكر العراقي في « تخريج الإحياء » . ) ، وأراد به البياض المحيط بالحدقة .
و قال أنس : كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير ، و كان رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يأتيهم و يقول : « يا أبا عمير؛ ما فعل النغير » ؟ لنغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور .
و قالت عائشة رضي الله عنها : كان عندي رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) و سودة بنت زمعة فصنعت حريرة ( دقيق يطبخ بلبن أو دسم ) و جئت به ، فقلت لسَودَة : كلي ، فقالت : لا أحبه ، فقلت : و الله لتأكلن أو لألطخن به وجهك ، فقالت : ما أنا بذائقته ، فأخذت بيدي من الصحفة شيئاً منه فلطخت به وجهها ،ورسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) جالس بيني و بينها ، فخفض لها رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ركبتيه لتستقيد مني ، فتناولت من الصحفة شيئاً فمسحت به وجهي ! و جعل رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يضحك (متفق عليه) .
و روي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلاً دميماً قبيحاً ، فلما بايعه النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قال : إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء – و ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب – أفلا أنزل لك عن « إحداهما فتتزوجها ! – و عائشة جالسة تسمع – فقالت : أهي أحسن أم أنت ؟ فقال : أنا أحسن منها و أكرم ، فضحك رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) من سؤالها إياه ؛ لأنه كان دميماً (قال الحافظ العراقي : أخرجه الزبير بن بكار في « الفكاهة و المرح » من رواية عبد الله بن حسن مرسلاً أو معضلاً ، و للدار قطني نحو هذه القصة مع عيينة بن حصن الفزاري بعد نزول الحجاب من حديث أبي هريرة ) .
و كان ( صلي الله عليه و آل و سلم ) يحب إشاعة السرور و البهجة في حياة الناس ، و خصوصاً في المنابات مثل الأعياد و الأعراس .
و لما أنكر الصديق أبو بكر رضي الله عنه غناء الجاريتين يوم العيد في بيته و انتهرهما ، قال له : « دعهما يا أبا بكر ، فإنها أيام عيد » !
و في بعض الروايات : « حتى يعلم يهود أن في ديننا فسحة » .
و قد أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده عليه الصلاة و السلام في أحد أيام الأعياد ، و كان يحرضهم و يقول : « دونكم يا بني أرفدة » !
و أتاح لعائشة أن تنظر إليهم من خلفه ، و هم يلعبون و يرقصون ، و لم ير في ذلك بأساً و لا حرجاً .
و استنكر يوماً أن تزف فتاة إلى زوجها زفافاً صامتاً ، لم يصحبه لهو و لا غناء ، و قال : « هلا كان معها لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ، أو الغزل » .
و في الروايات : « هلا بعثتم معها من تعني و تقول : أتيناكم أتيناكم . . فحيونا نحييكم » .
و كان أصحاب النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ومن تبعهم في خير قرون الأمة يضحكون و يمزحون ، اقتداءً بنبيهم ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و اهتداءً بهدية . حتى إن رجلاً مثل عمر بن الخطاب – على ما عرف عنه من الصرامة و الشدة – يروى عنه أنه مازح جارية له ، فقال لها : خلقني خالق الكرام ، و خلقك خالق اللئام ! فلما رآها ابتأست من هذا القول ، قال لها مبيناً : و هل خالق الكرام و اللئام إلا الله عز و جل ؟ ؟
و قد عرف بعضهم بذلك في حياته – ( صلي الله عليه و آل و سلم ) – و أقره عليه ، و استمر على ذلك من بعده . و قبله الصحابة ، و لم يجدوا فيه ما ينكر ، برغم أن بعض الوقائع المروية في ذلك لو حدثت اليوم لأنكرها معظم المتدينين أشد الإنكار ، و عدو فاعلها من الفاسقين أو المنحرفين !
من هؤلاء المعروفين بروح المرح و الفكاهة و الميل إلى الضحك و المزاح : النعيمان بن عمر الأنصاري رضي الله عنه ، الذي رويت عنه في ذلك نوادر عجيبة و غريبة .
و قد ذكروا أنه كان ممن شهد العقبة الأخيرة ، و شهد بدراً و أحداً ، و الخندق ، و المشاهد كلها .
روي عنه الزبير بن بكار عدداً من النوادر الطرفة في كتابه « الفكاهة و المرح » نذكر بعضاً منها . . .
قال : و كان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ، ثم جاء بها إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) فيقول : هذا أهديته لك ، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها ، أحضره إلى النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) ، قائلاً :أعط هذا ثمن متاعه ، فيقول : « أولم تهده لي » ؟ فيقول : إنه والله لم يكن عندي ثمنه ، و لقد أحببت أن تأكله ! فيضحك ، و يأمر لصاحبه بثمنه .
و أخرج الزبير قصة أخرى من طريق ربيعة بن عثمان قال :دخل أعرابي على النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، و أناخ ناقته بفنائه ، فقال بعض الصحابة للنعيمان الأنصاري : لو عقرتها فأكلناها ، فإنا قد قدمنا إلى اللحم ؟ ففعل ، فخرج الأعرابي و صاح : و اعقراه يا محمد ! فخرج النبي ( صلي الله عليه و آل وسلم ) فقال : « من فعل هذا » ؟ فقالوا : النعيمان ، فأتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، و استخفى تحت سرب لها فوقه جريد ، فأشار رجل إلى النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) حيث هو فأخرجه فقال له : « ما حملك على ما صنعت » ؟ قال : الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني بذلك ، قال : فجعل يمسح التراب عن وجهه و يضحك ، ثم غرمها للأعرابي .
و قال الزبير أيضاً : حدثني عمي عن جدي قال : كان مخرمة بن نوفل قد بلغ مائة و خمس عشرة سنة ، فقام في المسجد يريد أن يبول ، فصاح به الناس ، المسجد المسجد ، فأخذه نعيمان بن عمرو بيده ، و تنحى به ، ثم أجلسه في ناحية أخرى من المسجد فقال له : بل هنا ، قال : فصاح به الناس فقال : و يحكم ، فمن أتى بي إلى هذا الموضع ؟ ! قالوا : ننعيمان ، قال : أما إن لله علي إن ظفرت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت ! فبلغ ذلك نعيمان ، فمكث ما شاء الله ، ثم أتاه يوماً ، و عثمان قائم يصلي في ناحية المسجد ، فقال لمخرمة : هل لك في نعيمان ؟ قال :نعم ، قال : فأخذه بيد حتى أوقفه على عثمان ، و كان إذا صلى لا يلتفت فقال : دونك هذا نعيمان ، فجمع يده بعصاه ، فضرب عثمان فشجه ، فصاحوا به : ضربت أمير المؤمنين ! فذكر بقية القصة (ذكر هذه القصص الحافظ ابن حجر في ترجمة نعيمان من كتابه « الإصابة » نقلاً عن كتاب الزبير بن بكار في كتابه « الفكاهة و المرح » . ) .
و من الطرائف أن صحابياً آخر من أهل الفكاهة و المزاح ، استطاع أن يوقع نعيمان في بعض ما أوقع فيه غيره من « المقالب » كما في قصة سويبط بن حرملة معه ، و كان ممن شهد بدراً أيضاً ، قال ابن عبد البر في « الاستيعاب » في ترجمة سويبط رضي الله عنه : و كان مزاحاً يفرط في الدعابة ، و له قصة ظريفة مع نعيمان و أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ، نذكرها لما فيها من الظرف ، و حسن الخلق .
روي عن أم سلمة قالت : خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ( صلي الله عليه وآل و سلم ) بعام ،و معه نعيمان و سويبط بن حرملة ، و كانا قد شهدا بدراً ، و كان نعيمان على الزاد ، فقال له سويبط – و كان رجلاً مزاحاً - : أطعمني ، فقال : لا حتى يجيء أبو بكر رضي الله عنه ، فقال : أما و الله لأغيظنك ، فمروا بقوم فقال لهم سويبط : تشترون مني عبداً ؟ قالوا : نعم ، قال : أنه عند له كلام ، و هو قائل لكم : إني حر ، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه ، فلا تفسدوا علي عبدي ، قالوا : بل نشتريه منك ، قال : فاشترون منه بعشر قلائص ، قال : فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلاً ، فقال نعيمان : إن هذا يستهزىء بكم ، و إني حر ، لست بعبد ، قالوا : قد أخبرنا خبرك ، فانطلقوا به ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه . فأخ |